ومن هذا المنطلق، كانت المقاومة تعتبر نفسها غير معنية بالطلب الأميركي المتعلق بتسليم موقع علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، ولا سيما أن الجيش اللبناني نفسه لم يطلب منها، وفق هذه الرواية، تسليم الموقع.
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
بين إعلان إسرائيلي عن «سيطرة عملياتية»، ومواد مصورة تظهر نشاطاً عسكرياً داخل الموقع، وبين أسئلة لا تزال قائمة حول نطاق السيطرة وطبيعة الانتشار الإسرائيلي بعد انتهاء عملية تحييد البنية التحتية، لا تبدو عبارة «سقوط علي الطاهر بيد إسرائيل» كافية لوصف المشهد بدقة.
فالوقائع التي أعلنتها إسرائيل تسمح بالقول إنها نفذت عملية عسكرية ميدانية في المنطقة واستهدفت بنية تحت الأرض، لكنها لا تجيب وحدها عن الأسئلة المتعلقة بحدود السيطرة على كامل المرتفعات، ولا بطبيعة الوجود الذي سيبقى فيها بعد انتهاء العملية.
وعليه، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت إسرائيل قد حققت تقدماً عسكرياً في علي الطاهر، بل ما الذي تعنيه تحديداً «السيطرة العملياتية» التي أعلنتها، وما إذا كانت تعني سيطرة ميدانية كاملة ومستدامة على التلة، أم نتيجة عملياتية مرتبطة بمرحلة محددة من عملية عسكرية أوسع؟
وهذه المسافة بين ما أعلنته إسرائيل وما يمكن إثباته بصورة مستقلة عن نطاق سيطرتها واستمراريتها هي التي تجعل رواية «سقوط التلة» بحاجة إلى تدقيق، بدلاً من التعامل معها كحقيقة مكتملة.
أثار إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن «السيطرة العملياتية» على تلة علي الطاهر وما رافقه من حديث إسرائيلي عن تحييد بنية تحتية تحت الأرض في الموقع موجة من القراءات في الإعلام اللبناني تعامل بعضها مع الإعلان باعتباره سقوطاً للتلة بالكامل بيد إسرائيل.
إلا أن التدقيق في المصطلحات التي استخدمها الجانب الإسرائيلي وفي مضمون ما أعلنه عن العملية يفتح مجموعة من الأسئلة حول طبيعة هذه السيطرة ونطاقها ومدتها وما إذا كان الحديث عن «سيطرة عملياتية» يعني بالفعل سيطرة ميدانية شاملة ودائمة على كامل مرتفعات علي الطاهر.
“السيطرة العملياتية” لا تعني بالضرورة السيطرة الميدانية الكاملة
أولى النقاط التي تستوجب التوقف عندها هي توصيف إسرائيل نفسها لما جرى بأنه “سيطرة عملياتية”.
فهذا المصطلح لا يعني بالضرورة وجود سيطرة ميدانية شاملة وكاملة ودائمة على كامل التلة، ولا يحدد وحده طبيعة الانتشار العسكري الذي ستعتمده القوات الإسرائيلية بعد انتهاء العملية الحالية.
وتزداد أهمية هذا التفصيل عند قراءة البيان الإسرائيلي نفسه، الذي تحدث عن استمرار النشاط الهادف إلى تحييد البنية التحتية تحت الأرض ثم أشار إلى أن الجيش سيعيد الانتشار في الموقع وفقاً لتقدير الوضع.
وهنا يبرز سؤال أساسي: إذا كانت العملية لم تنته بعد وإذا كانت القوات الإسرائيلية لا تزال تعمل على تحييد البنية التحتية الموجودة في الموقع، فما الذي تعنيه تحديداً «السيطرة العملياتية» التي أُعلن عنها في هذه المرحلة؟
هل هي سيطرة عسكرية مكتملة على كامل المرتفعات؟ أم أنها توصيف لمرحلة عملياتية محددة تمكن خلالها الجيش الإسرائيلي من الوصول إلى أجزاء من الموقع والسيطرة على مسارات ومداخل ومنشآت معينة، قبل الانتقال إلى وضع انتشار مختلف؟
لا يقدم الإعلان الإسرائيلي، بحد ذاته، إجابة حاسمة عن هذه الأسئلة.
بين السيطرة على التلة والسيطرة على ما تحتها
ثمة ضرورة أخرى للفصل بين ثلاثة عناصر يجري تقديمها في الرواية الإسرائيلية ضمن صورة واحدة: التلة نفسها والمنشأة العسكرية الموجودة فيها والبنية التحتية والأنفاق الممتدة تحتها.
فاستهداف فتحات الأنفاق أو الوصول إلى مسارات تحت الأرض لا يعني تلقائياً السيطرة على كامل المنشأة، كما أن السيطرة على جزء من البنية التحتية تحت الأرض لا تعني بالضرورة السيطرة الميدانية الكاملة على جميع مرتفعات علي الطاهر.
ومن هنا، فإن الحديث عن «تطهير» مسارات للأنفاق أو تحييد أجزاء من البنية التحتية يجب ألا يُخلط تلقائياً بالقول إن كامل الموقع أصبح تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية.
حتى في حال الحديث عن مسارين للأنفاق، يبقى من الضروري الفصل بين الأنفاق وبين المنشآت المرتبطة بها، وعدم التعامل مع الموقع باعتباره منشأة واحدة متجانسة بالضرورة.
ماذا تعني «إعادة الانتشار» الإسرائيلية؟
تكتسب عبارة الجيش الإسرائيلي عن “إعادة الانتشار دفاعياً” أهمية خاصة في هذا السياق.
فالجيش الإسرائيلي يقول إنه سيستكمل عملية تحييد البنية التحتية، ثم سيعيد الانتشار في الموقع وفقاً للوضع.
ولا يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل ستنسحب من علي الطاهر، لكن العبارة تطرح تساؤلاً مشروعاً حول طبيعة الوجود الإسرائيلي الذي سيبقى بعد انتهاء العملية.
فهل سيكون هناك تمركز دائم على التلة؟ أم انتشار في نقاط محددة؟ أم وجود عسكري في محيط الموقع مع الاعتماد على المراقبة والاستهداف عن بعد؟
إن استخدام مصطلح «إعادة الانتشار» بعد الإعلان عن «السيطرة» يجعل من الضروري التمييز بين السيطرة التي تحققت خلال عملية عسكرية وبين شكل السيطرة والانتشار الذي سيستمر بعدها.
وهذا التفصيل مهم لأن السيطرة العملياتية خلال عملية عسكرية لا تعني بالضرورة أن شكل الوجود العسكري الذي رافق العملية سيستمر بالصورة نفسها.
الصور والمواد الإسرائيلية: ماذا تثبت تحديداً؟
نشرت إسرائيل مواد مصورة مرتبطة بالعملية في علي الطاهر، وتستخدمها لإظهار نشاط قواتها والبنية التحتية التي تقول إنها وصلت إليها واستهدفتها.
لكن وجود صور أو مشاهد لعمليات داخل الموقع لا يحسم وحده نطاق السيطرة الجغرافية على كامل التلة.
فالصور يمكن أن تثبت وجود القوات في نقطة أو منشأة أو مسار محدد، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات السيطرة المستمرة على كامل المرتفعات، ما لم تكن مصحوبة بمعطيات ميدانية واضحة تحدد أماكن الانتشار وحدوده وطبيعته.
وهنا ينبغي أيضاً التمييز بين إثبات تنفيذ عملية عسكرية في الموقع وبين إثبات السيطرة الدائمة على الموقع بأكمله.
إسرائيل هي التي منحت علي الطاهر هذه الأهمية الاستراتيجية
من اللافت أن الجزء الأكبر من توصيف أهمية علي الطاهر والمنشآت الموجودة فيها جاء من الجانب الإسرائيلي نفسه.
فإسرائيل هي التي قدمت الموقع باعتباره منشأة كبيرة ومهمة واستراتيجية، وربطت السيطرة عليه بمنع استخدام المنطقة لأغراض عسكرية.
في المقابل، لم تقدم المقاومة أصلاً سردية علنية مفصلة حول طبيعة هذه المنشأة أو حجمها أو مواصفاتها.
وبالتالي، ينبغي التمييز بين وجود موقع ذي أهمية عسكرية فعلية وبين الصورة التي تريد إسرائيل تقديمها عن حجم هذه الأهمية وطبيعتها.
فكلما بالغت إسرائيل في توصيف أهمية الموقع، يصبح من الضروري التعامل مع هذا التوصيف باعتباره جزءاً من روايتها العسكرية والسياسية، لا حقيقة مستقلة غير قابلة للنقاش.
السؤال حول «المنشأة» وعدد المنشآت
وتبرز هنا مسألة أخرى تتعلق بطريقة توصيف علي الطاهر باعتبارها «منشأة» واحدة.
فهناك معطيات تشير إلى وجود عدد من المنشآت في الموقع، كما سبق لإسرائيل أن أعلنت في مراحل سابقة استهداف منشأة مرتبطة بعلي الطاهر.
وهذا يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الحديث الحالي عن «السيطرة العملياتية» يتعلق بالموقع بكامله، أم بجزء محدد من منشآته وبنيته التحتية.
وإذا كان الموقع يضم أكثر من منشأة ومساراً وشبكة تحت الأرض، فإن الإعلان عن السيطرة على «علي الطاهر» يحتاج إلى تحديد أكثر دقة لما تمت السيطرة عليه فعلياً، وما الذي لا يزال خارج نطاق هذه السيطرة.
كيف بنت إسرائيل استنتاجها بشأن الوجود الإيراني؟
من النقاط التي تستوجب التوقف كذلك ما أعلنته إسرائيل بشأن عدم وجود إيرانيين داخل المنشأة.
فالسؤال هنا ليس إثبات وجود إيرانيين أو نفيه، وإنما على أي أساس استخباراتي بنت إسرائيل هذا الاستنتاج؟
فالجانب الإسرائيلي لم يقدم، في ما أُعلن، تفصيلاً يوضح طبيعة المعلومات التي استند إليها في تحديد هوية الموجودين داخل المنشأة أو الجزم بعدم وجود إيرانيين فيها.
وبالتالي، فإن هذه المعلومة ينبغي التعامل معها باعتبارها جزءاً من الرواية الإسرائيلية التي تحتاج إلى قراءة نقدية، لا باعتبارها حقيقة مستقلة مكتملة الإثبات.
موقع تعرض للاستهداف منذ سنوات
ثمة عامل آخر ينبغي أخذه في الاعتبار عند قراءة التطور الأخير، وهو أن تلة علي الطاهر لم تظهر فجأة في العمليات العسكرية الإسرائيلية.
فالموقع تعرض خلال السنوات الثلاث الماضية بصورة متواصلة لكثيف من القصف والاستهداف.
وهذا يعني أن الإعلان الحالي يأتي بعد فترة طويلة من الاستهداف العسكري للموقع، وليس نتيجة عملية منفصلة بدأت في الساعات التي سبقت الإعلان.
ومن هنا يمكن طرح سؤال آخر: ما الذي تغير ميدانياً حتى أصبحت إسرائيل تعلن الآن «السيطرة العملياتية» على الموقع؟
وهل يتعلق الأمر بتحول في طبيعة العملية العسكرية، أم بتحول في طريقة توصيف إسرائيل لنتائج عملياتها السابقة والمستمرة؟
الغموض لا يعني التسليم بالرواية الإسرائيلية
وفي هذه المواجهة، تعتمد المقاومة منذ أشهر سياسة تقوم على الغموض البناء، ولم تقدم رواية ميدانية تفصيلية حول مجريات المواجهات مع إسرائيل، حتى في حالات أعلنت فيها إسرائيل عن إصابات في صفوف قواتها أو عن استهدافات قالت إنها دفعتها إلى توسيع عملياتها في مناطق مختلفة من الجنوب.
وبالتالي، فإن غياب رواية مقابلة أو تفصيل ميداني لا ينبغي أن يُفسر تلقائياً على أنه تسليم بالرواية الإسرائيلية.
وفي المقابل، فإن غياب رواية مقابلة لا يشكل دليلاً بحد ذاته على نفي ما أعلنته إسرائيل.
المسألة هنا هي أن المعلومات المتاحة لا تزال تسمح بمساحة واسعة من عدم اليقين حول طبيعة السيطرة التي أعلنتها إسرائيل وحدودها.
التوقيت السياسي للإعلان
ولا يمكن فصل الإعلان الإسرائيلي عن سياقه السياسي.
ففي اليوم نفسه الذي أُعلن فيه عن الإفراج عن الأسرى، صدر ليلاً الإعلان الإسرائيلي عن العملية في علي الطاهر، في خطوة حملت عنواناً عسكرياً كبيراً في الخطاب الإسرائيلي.
ويطرح ذلك تساؤلاً حول مدى توظيف نتنياهو للإنجازات العسكرية والأمنية في هذه المرحلة، ولا سيما في ظل الاعتبارات السياسية والانتخابية الداخلية في إسرائيل.
وهذا لا يعني بالضرورة أن العملية لم تقع أو أن الإعلان لا يستند إلى نشاط عسكري حقيقي، لكنه يفرض قراءة أكثر حذراً لحجم الإنجاز الذي اختارت القيادة الإسرائيلية إبرازَه وطريقة تقديمه للرأي العام.
علي الطاهر بعد اتفاق الإطار
ويكتسب إعلان السيطرة على علي الطاهر أهمية إضافية بالنظر إلى توقيته السياسي، إذ إن الحديث الإسرائيلي عن الموقع والاستيلاء عليه لم يأخذ هذا البعد الحالي إلا بعد اتفاق الإطار الذي وقعته السلطة اللبنانية مع إسرائيل، والذي وفر، وفق القراءة اللبنانية، مساحة أوسع للحركة الإسرائيلية ومبرراً لاستمرار عملياتها العسكرية وعمليات التفجير والنسف في الجنوب.
ومن هذه الزاوية، لا يمكن النظر إلى علي الطاهر باعتبارها مجرد نقطة عسكرية معزولة، بل باعتبارها جزءاً من الصراع على طبيعة الترتيبات الأمنية التي ستنشأ في الجنوب في المرحلة المقبلة.
لماذا لم تكن مسألة علي الطاهر محسومة للجيش اللبناني؟
وفي هذا السياق برزت مسألة تسليم علي الطاهر إلى الجيش اللبناني، إذ إن الطرح كان يقوم على أن يتولى الجيش اللبناني الموقع في حال انسحاب إسرائيل منه.
إلا أن الموقف المنسوب إلى الجيش اللبناني يقوم على أنه لا يستطيع تسلم موقع لا يملك القدرة على الدفاع عنه، ولا سيما في ظل عدم وجود ضمانات تحول دون دخول إسرائيل إليه مجدداً بعد تسليمه إلى الجيش.
وهذه المسألة تكشف جانباً أساسياً من المشكلة: من يسيطر على الموقع بعد أي انسحاب إسرائيلي، ومن يملك القدرة على حمايته، ومن يضمن عدم تحوله إلى نقطة مواجهة جديدة؟
الموقع خارج ترتيبات جنوب الليطاني؟
وتتصل هذه المسألة أيضاً بالموقع الجغرافي لعلي الطاهر.
فالموقع يقع خارج منطقة جنوب الليطاني التي ارتبطت بها ترتيبات القرار 1701 والانتشار العسكري المعروف في تلك المنطقة، ولذلك تنظر المقاومة إلى وضع علي الطاهر باعتباره مختلفاً عن المواقع الواقعة جنوب الليطاني، وتربطه بالحوار الداخلي وباستراتيجية الأمن الوطني.
ومن هذا المنطلق، كانت المقاومة تعتبر نفسها غير معنية بالطلب الأميركي المتعلق بتسليم الموقع إلى الجيش اللبناني، ولا سيما أن الجيش اللبناني نفسه لم يطلب منها، وفق هذه الرواية، تسليم الموقع.
