تشير النصيحة السعودية المصرية للرئيس جوزيف عون إلى أن الشرط الأساسي لأي نتيجة مستدامة هو التوافق الداخلي، وهذا التوافق لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان الاتفاق المطروح لا يشكل تهديدًا وجوديًا لحزب الله وبيئته. وهذان الشرطان مترابطان: فالاتفاق القابل لتحقيق قبول داخلي هو ذاته الاتفاق الذي لا يرقى إلى مستوى السلام الرسمي، بل يتمثل في ترتيبات أمنية معززة على غرار القرار 1701 أو اتفاق الهدنة لعام 1949، تشمل تعزيز تفويض اليونيفيل بشكل قابل للتنفيذ، وإعادة انتشار تدريجية للجيش اللبناني جنوب الليطاني وفق مراحل محددة، وآلية انسحاب إسرائيلي تدريجية مرتبطة بالمؤشرات نفسها. ويبقى السؤال الحاسم: هل إسرائيل، بعد أحداث ما بعد أكتوبر 2023، مستعدة للعودة إلى هيكل أمني يشبه إلى حد كبير الوضع السابق للحرب؟
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
تبرز النصيحة السعودية–المصرية للرئيس جوزاف عون بوصفها الإطار الأكثر واقعية لأي تسوية ممكنة في لبنان من دون أن تحظى حتى الآن بإضاءة إعلامية كافية في لبنان.
وبحسب اوساط سياسية محايدة واسعة الاطلاع على المناخ الدولي فإن هذه النصيحة تقوم على على مرتكزين: أولهما أن أي مسار قابل للاستمرار يمر حتمًا عبر التوافق مع حزب الله لا عزله، وثانيهما أن الذهاب إلى اتفاق سلام شامل مع إسرائيل في المرحلة الراهنة ليس خيارًا مقبولًا خليجيًا.
تبرز المقاربة السعودية–المصرية كمرجعية توجيهية أساسية للمسار اللبناني وكخلاصة قراءة استراتيجية لموازين القوى الإقليمية وحدودها الواقعية. وفي هذا السياق، تشكّل النصيحة المقدمة إلى الرئيس جوزيف عون نقطة الارتكاز المركزية لأي تصور قابل للحياة.
تشير النصيحة السعودية المصرية للرئيس جوزيف عون إلى أن الشرط الأساسي لأي نتيجة مستدامة هو التوافق الداخلي، وهذا التوافق لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان الاتفاق المطروح مع اسرائيل لا يشكل تهديدًا وجوديًا لحزب الله وبيئته. وهذان الشرطان مترابطان: فالاتفاق القابل لتحقيق قبول داخلي هو ذاته الاتفاق الذي لا يرقى إلى مستوى السلام الرسمي، بل يتمثل في ترتيبات أمنية معززة على غرار القرار 1701 أو اتفاق الهدنة لعام 1949، تشمل تعزيز تفويض اليونيفيل بشكل قابل للتنفيذ، وإعادة انتشار تدريجية للجيش اللبناني جنوب الليطاني وفق مراحل محددة، وآلية انسحاب إسرائيلي تدريجية مرتبطة بالمؤشرات نفسها. ويبقى السؤال الحاسم: هل إسرائيل، بعد أحداث ما بعد أكتوبر 2023، مستعدة للعودة إلى هيكل أمني يشبه إلى حد كبير الوضع السابق للحرب؟
هذا التحديد الصارم لشروط الاستدامة لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى جملة قيود بنيوية ترسم الإطار الفعلي للحراك الدبلوماسي، وتعيد تعريف حدود الممكن:
التحول الأبرز يتمثل في تبلور إجماع إقليمي، تقوده مصر والسعودية، مفاده أن السيناريو الأقصى، أي نزع سلاح حزب الله وإبرام معاهدة سلام لبنانية إسرائيلية شاملة، لم يعد هدفًا قابلًا للتحقق. ويرتبط هذا التقييم بتفاعل عاملين: القوة المتبقية التي احتفظت بها إيران بعد وقف إطلاق النار في 8 نيسان وشبه اليقين بأن أي محاولة لفرض مثل هذا السيناريو على البنية الطائفية الهشة في لبنان ستؤدي إلى نزاع داخلي بدلًا من ترسيخ الاستقرار.
ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن طبيعة التسوية الأميركية–الإيرانية غير المكتملة، حيث إن وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة باكستان لم يفرض على طهران تنازلات جوهرية، ما سمح لها بالحفاظ على عناصر ردع استراتيجية، تشمل مخزونًا نوويًا مخصبًا وقدرات صاروخية متبقية وشبكة إقليمية من الوكلاء لا يزال حزب الله أبرزها من حيث الفعالية العملياتية بالرغم من ما أصابه من إنهاك.
كذلك، أظهرت المواجهة قدرة إيرانية على استخدام أدوات تصعيد غير تقليدية، من بينها التهديد بإغلاق مضيق هرمز، فضلًا عن احتفاظها بأدوات ضغط إضافية لم تُستخدم بعد.
الخليج يتجه لإدارة المواجهة مع ايران
بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي، وفي غياب تراجع حاسم لإيران، يتجه الحساب الاستراتيجي نحو إدارة الانخراط مع طهران، عبر قبول خطوط حمراء محددة، وتقديم تطبيع اقتصادي تدريجي، والسعي إلى احتواء النفوذ الإيراني بدل تفكيكه. وهذا التحول ينعكس مباشرة على هامش المناورة التفاوضي للبنان. فكلما تقدمت دول الخليج في مسار التفاهم مع إيران، تراجع مستوى التسامح الإقليمي مع المواقف اللبنانية التي تتحدى المصالح الأساسية لإيران، بما في ذلك استمرار وجود حزب الله كفاعل سياسي مسلح. وكل تنازل خليجي لطهران من أجل الاستقرار الإقليمي يضيق بنيويًا هامش حركة بيروت.
في هذا الإطار، يصبح لبنان غير المستقر عبئًا مباشرًا على المصالح الاستراتيجية الخليجية. فقدرة الرياض على تقديم “حزمة لبنانية” ضمن انخراطها مع طهران تعتمد على بقاء لبنان حالة قابلة للإدارة وليس ساحة صراع مفتوح. إذ إن حربًا أهلية لبنانية، مرجح أن تنتج عن أي محاولة جدية لفرض نزع سلاح حزب الله أو إبرام سلام رسمي مع إسرائيل، ستجعل هذه الحزمة غير قابلة للتطبيق وتهدد جهود خفض التصعيد السعودية. كما يعزز البعد السوري هذا القيد، إذ إن مرحلة ما بعد الأسد، التي استثمرت فيها دول الخليج بشكل كبير، شديدة الحساسية تجاه أي عدم استقرار يمتد من لبنان، ما يجعل أي تصعيد طائفي فيه تهديدًا مباشرًا للمصالح الخليجية في سوريا.
وتبعًا لذلك، يبدو الجمود البنيوي في القضايا الأمنية الأساسية شديد الصلابة، حيث يتمسك كل طرف بسقوفه القصوى: إسرائيل تربط أي انسحاب بنزع سلاح حزب الله، فيما يرفض الأخير أي اتفاق لا يتضمن انسحابًا كاملًا وضمانات لعودة النازحين، في معادلة تعيد إنتاج توازن ما قبل السابع من أكتوبر، ولكن ضمن بيئة إقليمية أكثر تقييدًا. ويزيد من تعقيد المشهد غياب أي إطار متفق عليه لحسم القضايا التشغيلية العالقة، بما في ذلك وضع الشريط الأمني الإسرائيلي، ودور قوات اليونيفيل، وشروط انتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني.
ضمن هذه المعادلة المغلقة، يتكرس الاستنتاج المركزي في الأوساط الدبلوماسية بأن الأهداف القصوى لم تعد قابلة للتحقق في المدى المنظور، وأن المقاربة الواقعية الوحيدة تكمن في السعي إلى ترتيبات أمنية مستدامة، لا ترقى إلى مستوى السلام الشامل، لكنها تتيح خفض احتمالات الانزلاق إلى مواجهة جديدة، وتعزز تدريجيًا حضور الدولة اللبنانية في الجنوب، وتؤسس لمسار طويل الأمد لاستعادة السيادة. وهي تسوية، وإن كانت لا تحل الأزمة البنيوية للدولة اللبنانية، إلا أنها تحافظ على الحد الأدنى من الاستقرار الضروري لإبقائها ضمن نطاق المعالجة الممكنة.
