“مصدر دبلوماسي”
مارلين خليفة
يدخل الصراع اليمني منعطفاً ميدانياً واستراتيجياً بالغ الدقة يعيد تشكيل خريطة التوازنات السياسية والعسكرية في شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط برمتها. وفي قراءة تفصيلية للمسارات المتسارعة، كشف مصدر واسع الاطلاع على الشأن اليمني، في حديث خاص لموقع «مصدر دبلوماسي»، عن خلفيات التحولات الميدانية الأخيرة التي طرأت على جبهات الساحل الغربي ومحافظة مأرب، وتداعياتها المباشرة على حركة الملاحة الدولية وصولاً إلى ارتداداتها الجيوسياسية على الجوار الإقليمي والساحة اللبنانية.
أخريطة السيطرة الميدانية.. الساحل الغربي ومفترق مأرب الحاسم
تتركز المعركة الراهنة، وفق ما يوضح المصدر المطلع لـ”مصدر دبلوماسي”، حول استراتيجية تثبيت السيادة، وفك الحصار، وإنهاء التواجد العسكري الخارجي. وقد انعكست هذه الأهداف في إحكام حركة “أنصار الله” سيطرتها على معظم المراكز والمحافظات الشمالية ذات الكثافة السكانية العالية، فضلاً عن امتداد نفوذها على طول الساحل الغربي من الحدود البحرية لجازان شمالاً حتى مضيق باب المندب جنوباً، بما يشمل مديريات الحديدة وميناء المخا ومطارها التابعين إدارياً لمحافظة تعز.
أما على صعيد محافظة مأرب—التي تمثل عماد التوازن الاقتصادي والرمزي في الشمال—فتشير المعطيات الميدانية إلى بسط حكومة صنعاء سيطرتها على 12 مديرية من أصل 14 مديرية. ولم يتبقَّ خارج هذا النطاق سوى مديريتين هما: مركز المدينة ومديرية الوادي.
وتكمن الأهمية الاستثنائية لمديرية الوادي في بعدين جوهريين:
التحكم بالثروات ومصادر الطاقة: تضم مديرية الوادي منشآت “صافر” الحيوية للنفط والغاز ومحطات توليد الكهرباء المغذية لمناطق واسعة.
فصل الجغرافيا الشمالية برياً: تمثل مديرية الوادي الممر البري الأخير الرابط بين الشمال اليمني والعمق الجغرافي للمملكة العربية السعودية عبر منفذ الوديعة البري، الواقع في تخوم الجوف بين مأرب وحضرموت.
وبحسب قراءة المصدر، فإن اكتمال السيطرة على مديرية الوادي يضع الشمال اليمني في حالة انفصال جغرافي كامل عن المنافذ البرية مع السعودية وذلك بعد حسم السيطرة على المنافذ البحرية في المخا وباب المندب، الأمر الذي يحسم الجغرافيا الشمالية لصالح حكومة صنعاء باستثناء جيوب محدودة في تعز باتت معزولة عسكرياً عن التأثير الميداني العام.
التأثيرات المباشرة على لبنان وحسابات “وحدة الساحات“
لا تنفصل التطورات في اليمن عن الإقليم، وفي مقدمته الساحة اللبنانية؛ إذ يشير المصدر لـ”مصدر دبلوماسي” إلى أن الحراك الدبلوماسي والإعلامي اللبناني الرسمي بات يتسم بحذر شديد وتهيب ملحوظ؛ فبيانات وزارة الخارجية والمؤسسات الرسمية في بيروت باتت تميل إلى استخدام صيغ عمومية من قبيل “إدانة الاعتداءات” من دون تحديد الأطراف أو توجيه إدانة صريحة لصنعاء، في تعبير واضح عن الحسابات الدقيقة لموازين القوى الجديدة وتفادي إغضاب الطرف اليمني الذي بات يملك أوراق ضغط فاعلة.
وعلى المستوى السياسي والتحالفي، تؤكد المعطيات وجود ارتباط عقائدي واستراتيجي وثيق أسسته قيادات صنعاء تجاه “حزب الله”، انطلاقاً من المبادئ التي صاغها المؤسس الراحل السيد حسين بدر الدين الحوثي وتبناها السيد عبد الملك الحوثي، والذين يعتبرون أن ثمة ديناً معنوياً وسياسياً للبنان ومقاومته.
المعضلة اليمنية” وخلفيات الصراع التاريخي
لفهم أبعاد المعركة الحالية، يعود المصدر إلى عمق “المعضلة اليمنية” وجذور النزاع التاريخي؛ حيث استندت العقيدة السياسية التقليدية للمملكة تجاه جارها الجنوبي تاريخياً إلى المبدأ المنسوب للمؤسس الملك عبد العزيز ومفاده أن “رخاء واستقرار طرف يرتبط بحذر شديد تجاه قوة ونفوذ الطرف الآخر”.
وقد ترجمت هذه العقيدة لعقود طويلة عبر ما كان يُعرف بـ”لجنة اليمن” (التي أدارها في مراحل تاريخية الملك سلمان بن عبد العزيز)، حيث مارست وصاية واسعة على الشأن الداخلي اليمني وإدارة ولاءات المشايخ والقبائل، بالتوازي مع تنامي الدور الأمني الأميركي بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 عبر السفارة الأميركية في صنعاء.
ويربط المصدر بين المواجهات الحالية وخلفيات مشروع “الأقاليم الستة” الذي طُرح عقب مؤتمر الحوار الوطني قبيل أحداث خريف 2014؛ حيث رأت فيه صنعاء محاولة لعزل الثقل الزيدي وحركة “أنصار الله” في إقليم داخلي مغلق (إقليم آزال) مجرد من الموانئ البحرية ومن مصادر الثروة النفطية في مأرب وشبوة. وعليه، فإن التحركات الميدانية الراهنة على الساحل وفي مأرب تُمثل تقويضاً نهائياً لمشروع العزل الجغرافي واستعادة للمقومات الاقتصادية الذاتية.
كما يشير المصدر إلى تنامي الحذر لدى صانع القرار في الرياض حيال الهواجس الحدودية التاريخية في مناطق مثل جيزان وعسير ونجران، نظراً لأهميتها الاقتصادية والجغرافية، في ظل تنامي القدرات العملياتية الصاروخية والبحرية لصنعاء وقدرتها على فرض معادلات ردع طالت محطات الضخ الحيوية ومنشآت الطاقة كـ”أرامكو”.
شرارة التصعيد الأخير.. حادثة المطار وانهيار التهدئة
على الرغم من التقدم التفاوضي الملموس الذي شهدته مفاوضات عام 2023—عقب زيارة السفير السعودي محمد آل جابر إلى صنعاء ولقائه برئيس المجلس السياسي الأعلى مهدي المشاط لإعداد مسودة اتفاق شامل—فإن المسار السياسي واجه عقدة بروتوكولية وسياسية حاسمة؛ إذ أصرت الرياض على توقيع الاتفاق بصفتها “وسيطاً” وراعياً لحوار يمني-يمني مع مجلس القيادة الرئاسي، بينما تمسكت صنعاء بضرورة التوقيع المباشر مع الرياض باعتبارها طرفاً رئيساً في الحرب، توازياً مع ضغوط أميركية كبحت استكمال الاتفاق قبيل اندلاع أحداث غزة.
أما الشرارة المباشرة التي نسفت التهدئة الجزئية وأشعلت الجولة الجديدة من المواجهات، فتمثلت في حادثة المطار؛ فبحسب ما أفاد به المصدر لـ”مصدر دبلوماسي”، نقلت طائرة إيرانية وفداً يمنياً رسمياً إلى طهران للمشاركة في مراسم التشييع الرسمية للسيد علي خامنئي وعند محاولة الطائرة العودة بعد نحو عشرة أيام، جرى استهداف مدرج مطار صنعاء الدولي بغارات جوية لمنع هبوطها، ما اضطر الطائرة إلى تحويل مسارها والهبوط في مطار الحديدة لإنزال الوفد ثم المغادرة.
اعتبرت صنعاء هذا الاستهداف خرقاً مباشراً وتثبيتاً للحصار المفروض على أجوائها ومنافذها، وأعلنت على الفور تدشين “عملية فك الحصار”؛ وهي الخطوة التي تطورت سريعاً إلى فرض قيود مشددة على عبور السفن المرتبطة بالمملكة في مضيق باب المندب، والرد على الغارات باستهداف مواقع تموضع استباقية قرب منفذ الوديعة، وتوجيه ضربات نحو خطوط نقل النفط (محطات الضخ الشرقية-الغربية نحو ينبع) والمطارات ذات الطابع العسكري.
تريث واشنطن، أزمة الطاقة، ومساعي الاحتواء عبر مسقط
في ظل هذا المشهد المعقد، يعزو المصدر المطلع انكفاء واشنطن عن خوض مواجهة عسكرية واسعة ومباشرة إلى حسابات استراتيجية واقتصادية بالغة الحساسية؛ فالإدارة الأميركية، التي اختبرت كلفة استنزاف وحداتها البحرية وحاملات طائراتها في البحر الأحمر والمحيط الهندي، تتجنب الانزلاق إلى صدام شامل قد يؤدي إلى إغلاق متزامن لمضيقي هرمز وباب المندب، لما يترتب على ذلك من قفزات حادة في أسعار الطاقة العالمية تنعكس سلباً على التضخم الداخلي والمستهلك الأميركي.
وقد دفع هذا الواقع الجانب الأميركي إلى فتح قنوات اتصال غير مباشرة عبر الوسيط العُماني لنقل رغبة واشنطن في تجنب التصعيد وتثبيت تفاهمات عدم استهداف المصالح المتبادلة.
وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية لاحتواء التصعيد، طرحت الرياض اخيرا عبر سلطنة عُمان مبادرة تتضمن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين تهيئةً لاستئناف المباحثات الإنسانية. غير أن قيادة صنعاء تنظر بتشكك وتحفظ تجاه مثل هذه المبادرات المؤقتة، معتبرة أنها مساعٍ لشراء الوقت وترتيب الصفوف الميدانية، ومؤكدة أن أي تهدئة لا بد أن تقترن برفع شامل للحصار وخطوات اقتصادية وإنسانية ملموسة.
اختيار التوقيت
في قراءته لمستجدات المشهد الميداني والإقليمي، أكد المصدر الواسع الاطلاع الذي تحدث إلى موقع “مصدر دبلوماسي“ أن التحركات العسكرية الأخيرة في اليمن جاءت بناءً على تقييم استراتيجي دقيق واختيار مدروس للتوقيت.
وأوضح المصدر أن “اليمني اختار التوقيت المناسب للدخول في المعركة لفك الحصار”، مستفيداً من اللحظة الإقليمية ومن “حالة ارباك لدى الجانب السعودي وحالة ضعف لدى الأميركي”، بالإضافة إلى السعي لتسريع الوقت وإحباط الخطة التي كانت تُعدّ لشن عملية هجومية على مناطقه، فبادَرَ بالدفاع مستغلاً نقطة الضعف في الوضعية الإقليمية والدولية.
وفيما يتعلق بمسار المواجهة ومستقبلها، شدد المصدر على أن الإنجازات الميدانية لا تعني ختام المعركة، قائلاً: “اليمني حقق إنجازاً كبيراً، لكن الحرب لم تنتهِ بعد“.
وحذّر المصدر من إمكانية وقوع تدخلات عسكرية إضافية، مشيراً إلى أنه “يمكن للأميركي أن يقرر التدخل عسكرياً، ويمكن للسعودي أن يقرر التدخل، ويمكن للإسرائيلي أن يتدخل“، مؤكداً أن اليمني يضع كافة هذه الاحتمالات والسيناريوهات في حسابه، إدراكاً منه لأهمية ما قام به وما يمثله من تأثير مباشر يمس بالوضعية الاستراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية، فضلاً عن انعكاساته على أسواق النفط والاقتصاد العالمي.
وختم المصدر بالإشارة إلى أن المشهد الميداني في اليمن لا يُقرأ بمعزل عن “الخريطة العسكرية والوضعية العسكرية في المنطقة”، مؤكداً أن أي تطور أو تحسن في وضعية محور المقاومة سينعكس حكماً وإيجاباً على مختلف الساحات.
وتخلص القراءة الدبلوماسية إلى أن اليمن بات يقف على عتبة مرحلة جيوسياسية مغايرة؛ فالتحولات في مأرب والساحل الغربي عززت قدرة حكومة صنعاء على التحكم بمفاصل الاقتصاد الوطني والممرات البحرية الاستراتيجية. ومع انحسار الرهان على التدخلات العسكرية الأجنبية وتعثر اصطفاف قوى إقليمية بديلة، يفرض الواقع الجديد على كافة الأطراف التكيف مع موازين ردع جديدة تجعل من حركة “أنصار الله” رقماً محورياً ومؤثراً في أمن الطاقة الإقليمي والسياسة الدولية في الشرق الأوسط.
