أصدر حاكم مصرف لبنان تعميمًا داخليًا يقضي بتعليق الموافقات المتعلقة بالطبابة والاستشفاء لموظفي المصرف في كل من مستشفى الرسول الأعظم ومركز لبنان الطبي. في ظاهره، يبدو القرار إجراءً إداريًا داخليًا محصورًا بموظفي المصرف المركزي وبالجهات الاستشفائية التي يتعامل معها. لكن التدقيق في خلفياته وتوقيته ووضعه في سياق سلسلة من الإجراءات التي شهدتها المرحلة الأخيرة يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود التعميم نفسه
“مصدر دبلوماسي”.
كتبت مارلين خليفة:
من تعميم مصرف لبنان بشأن مستشفيين “الرسول الاعظم” و”أل أم سي” إلى مخاوف من اتساع دائرة الإجراءات: هل نحن أمام قرارات إدارية متفرقة أم مسار متدرّج قد يطاول مؤسسات مصرفية وصحية وتربوية وإعلامية؟
أصدر حاكم مصرف لبنان تعميمًا داخليًا يقضي بتعليق الموافقات المتعلقة بالطبابة والاستشفاء لموظفي المصرف في كل من مستشفى الرسول الأعظم ومركز لبنان الطبي.
في ظاهره، يبدو القرار إجراءً إداريًا داخليًا محصورًا بموظفي المصرف المركزي وبالجهات الاستشفائية التي يتعامل معها. لكن التدقيق في خلفياته وتوقيته ووضعه في سياق سلسلة من الإجراءات التي شهدتها المرحلة الأخيرة يفتح الباب أمام تساؤلات تتجاوز حدود التعميم نفسه: هل نحن أمام قرارات مستقلة لكل منها مبرراته الإدارية أم أن ما يجري قد يشكّل بداية مسار أوسع لتضييق الخناق على مؤسسات محددة تحت عنوان الاستجابة للضغوط الأميركية؟
ومن المعروف أن عدد موظفي مصرف لبنان الذين يستفيدون من الخدمات الطبية والاستشفائية في مستشفى الرسول الأعظم ومركز لبنان الطبي (LMC) ليس كبيرًا، ما يعني أن تعليق الموافقات الاستشفائية لن يشكّل، من الناحية العملية، عبئًا يُذكر على المستشفيين أو يؤثر بصورة جوهرية في نشاطهما. غير أن هذه المحدودية تطرح علامة استفهام حول الغاية الفعلية من القرار وجدواه، وتفتح الباب أمام قراءة تتجاوز أثره المباشر على الموظفين المعنيين. فهل نحن أمام إجراء محدود في حجمه، لكنه يحمل دلالات تتصل بما قد يأتي بعده؟ وهل يشكّل هذا التعميم مقدمة لخطوات أوسع قد تطال مؤسسات أخرى، في إطار مسار لم تتضح معالمه بعد؟
عضو لجنة الصحة النيابية، الدكتور علي المقداد، تناول القرار من زاويته الإنسانية والصحية، محذّرًا من تداعيات حرمان موظفي مصرف لبنان من الاستفادة من الاختصاصات الطبية المتوافرة في المستشفيين، ولا سيما جراحة القلب وعلاج الأمراض السرطانية. وفي المقابل، أكد أن القرار لن يُلحق ضررًا بالمستشفيين نفسيهما.
إلا أن مصادر متابعة تقارب التعميم من زاوية مختلفة، معتبرة أن «خطورة القرار لا تكمن في عدد الموظفين الذين سيشملهم بل في احتمال تحوّله إلى سابقة تفتح الباب أمام إجراءات مماثلة تطال مؤسسات أخرى”.
وتلفت هذه المصادر إلى أن التعميم صدر بعد أقل من شهر على سحب ترخيص بنك صادرات إيران الذي كان يؤدي دورًا في تحويل مستحقات المستشفيين من المؤسسات العامة والأسلاك العسكرية ولا سيما الجيش وقوى الأمن الداخلي.
وترى المصادر أن تزامن الإجراءين يستدعي التوقف عند دلالاته، محذّرة من أن «ما يبدو اليوم قرارات متفرقة قد يتحول، إذا استمر النهج نفسه، إلى مسار متدرّج لتضييق الخناق على مؤسسات بعينها».
من المصرف المركزي إلى المؤسسات العامة: أين يمكن أن تتسع دائرة الإجراءات؟
في هذا السياق، تطرح المصادر المتابعة جملة من التساؤلات بشأن احتمال أن تحذو مؤسسات أخرى حذو مصرف لبنان متسائلة: «ماذا لو اتخذت جهات أخرى إجراءات مماثلة، بدءًا من شركة طيران الشرق الأوسط (الميدل إيست)، مرورًا بالمرفأ وجمعية المصارف، وصولًا إلى الجيش وقوى الأمن الداخلي؟”
وتضيف المصادر تساؤلًا آخر يتصل بقطاع التأمين: «ماذا لو امتدت هذه الإجراءات إلى شركات التأمين، فقررت إسقاط المستشفيين من شبكاتها الاستشفائية؟».
في مثل هذا السيناريو، لن يعود الأمر متعلقًا بتعميم داخلي أو إجراء إداري محدود بل قد نكون أمام دائرة متسعة من التدابير التي تنعكس تداعياتها على المؤسسات المعنية والعاملين فيها، فضلًا عن المرضى الذين يعتمدون على خدماتها الطبية والاستشفائية.
ومن هنا، تطرح المصادر سؤالًا جوهريًا: إذا كانت الإجراءات قد بدأت في القطاعين المصرفي والصحي، فما الذي يمنع انتقالها إلى قطاعات أخرى؟
هل تنتقل التداعيات من القطاع الصحي إلى المؤسسات التربوية؟
لا تقف المخاوف عند حدود القطاعين المصرفي والصحي. فالمصادر نفسها تذهب إلى طرح احتمال امتداد الإجراءات إلى مؤسسات تربوية، متسائلة: «ماذا لو جرى تعميم ما صدر بحق مستشفى الرسول الأعظم ومركز لبنان الطبي على مؤسسات تعليمية، من مدارس المهدي والمصطفى إلى جامعة المعارف؟”.
وفي هذا الإطار، تبرز تساؤلات تستدعي التحقق والتدقيق بشأن ما يُتداول عن رفض بعض المتقدمين إلى الامتحانات ومباريات الدخول إلى ملاك الدولة، على خلفية دراستهم الثانوية أو الجامعية في مؤسسات تعليمية معينة، وتحديدًا مدارس المهدي.
وتتساءل المصادر المعنية: «بأي قانون يمكن تبرير التمييز بين المواطنين على أساس المؤسسة التعليمية التي تخرّجوا منها؟”.
وهو تساؤل يضع المسألة في إطار يتجاوز الخلاف حول قرار إداري أو مؤسسة بعينها، ليمس مبدأ المساواة بين المواطنين وحقهم في الوصول إلى الوظيفة العامة وفقًا للمعايير القانونية والكفاءة، لا استنادًا إلى المؤسسة التعليمية التي تلقوا فيها تعليمهم.
من الإجراءات المصرفية والصحية إلى احتمال استهداف مؤسسات تربوية وإعلامية
ولا تستبعد المصادر أن تتسع دائرة التساؤلات لتشمل قطاعات أخرى، متسائلة: «ماذا لو توسعت دائرة القرارات لتصل إلى سحب تراخيص مؤسسات تربوية وإعلامية، تحت العنوان نفسه الذي بات حاضرًا في تبرير العديد من الإجراءات: الضغوط الأميركية؟».
إن خطورة هذه الاحتمالات لا تكمن في الجزم بأن مثل هذه السيناريوهات ستتحقق، أو في اعتبارها قرارات اتُّخذت بالفعل، بل في ما تثيره من مخاوف بشأن غياب الضمانات الواضحة التي تحول دون حصولها، وفي احتمال أن تتحول إجراءات منفردة، مهما كانت مبرراتها، إلى سوابق يُستند إليها في قرارات لاحقة.
فالمسألة، وفق هذه المقاربة، لا تتعلق بتعميم مصرف لبنان وحده، بل بحدود الإجراءات التي يمكن أن تتخذها المؤسسات الرسمية استجابة لضغوط خارجية، وبالضمانات القانونية والمؤسساتية التي يفترض أن تحكم أي قرار يمس مصالح المواطنين أو استمرارية المؤسسات العاملة في البلاد.
أين تنتهي الضغوط الأميركية وأين تبدأ مسؤولية الدولة؟
في ضوء هذه المعطيات والتساؤلات، يعود السؤال الأساسي إلى الواجهة: هل نحن أمام إجراءات إدارية متفرقة، لكل منها أسبابه ومبرراته الخاصة، أم أمام مسار متدرّج يبدأ بتضييق الخيارات المصرفية والصحية، وقد يمتد لاحقًا إلى محاصرة مؤسسات اجتماعية وتربوية وإعلامية بأكملها؟
والسؤال الأكثر حساسية الذي تطرحه المصادر: أين تقف حدود الاستجابة للضغوط الأميركية؟ ومن يضمن ألا تتحول الإجراءات الاستثنائية المتخذة اليوم إلى سياسة دائمة في المستقبل؟
