السفير الاسعد مصافحا سيدة فلسطينية من سكان مخيم الضبيه
ضبيه
“مصدر دبلوماسي”
لم تكن أمسية عيد الصليب في مخيم ضبية مجرد مناسبة اجتماعية لتكريم كبار السن، بل بدت مشهداً إنسانياً هادئاً تختلط فيه ذاكرة المكان بالهوية الفلسطينية، في واحد من أكثر المخيمات الفلسطينية خصوصية في لبنان، إذ يغلب على سكانه الفلسطينيون المسيحيون الذين تعود أصول عدد كبير منهم إلى قرى الجليل الفلسطيني.
في أجواء المخيم، حيث تتجاور البيوت المتراصفة وتتشابك الأسطح والأزقة الضيقة، اجتمع مسنون فلسطينيون ولبنانيون حول مائدة عشاء في مطعم La Colline d’Alfred، في احتفال أقامته اللجنة الأهلية في مخيم ضبية بمناسبة عيد الصليب، برعاية وحضور سفير دولة فلسطين لدى الجمهورية اللبنانية الدكتور محمد الأسعد، وبمشاركة رئيس بلدية ضبية المهندس نبيه طعمة وطاقم السفارة، إلى جانب شخصيات سياسية ودينية وبلدية وإعلامية.

واكتسبت الأمسية خصوصيتها من طبيعة المكان ومن الحضور نفسه. فمخيم ضبية، الذي أنشئ في خمسينيات القرن الماضي لاستقبال لاجئين فلسطينيين من شمال فلسطين، بقي حتى اليوم ذا غالبية مسيحية فلسطينية، كما حافظ على طابع عمراني يعكس تاريخاً طويلاً من اللجوء والاستقرار المؤقت الذي تحوّل مع مرور العقود إلى جزء من ذاكرة أجيال متعاقبة. (
وبينما كان الحضور يستعيدون أجواء عيد الصليب، برزت الكوفية الفلسطينية كرمز حاضر في الأمسية، فيما حملت إحدى الصور التي رافقت المناسبة إشارة إلى القدس، عاصمة دولة فلسطين، وإلى كنيسة القيامة، أحد أبرز المعالم المسيحية في القدس. وتكتسب الإشارة إلى القدس هنا دلالة خاصة، في ظل تأكيد الخطاب الفلسطيني الرسمي على أن المسيحيين والمسلمين في فلسطين يشكلون شعباً واحداً، وأن الحفاظ على الوجود المسيحي في الأرض المقدسة جزء من الهوية الفلسطينية.
وحضر الاحتفال مديرة شؤون وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في لبنان (الأونروا) دوروثي كلاوس، والأب فادي عقيقي رئيس دير مار يوسف البرج، والأب جوزيف رفول كاهن رعية القديس مار جاورجيوس، والأب إدغار الهيبي كاهن رعية سيدة المغارة، ووكيل وقف سيدة المغارة جان حرفوش، وأعضاء المجلس البلدي لبلدة ضبية، إلى جانب كوكبة من الإعلاميين والإعلاميات وممثلي وسائل الإعلام اللبنانية والفلسطينية.

كما حضر المختار أنطوان عواد، وممثل التيار الوطني الحر ناجي طعمة، وممثل حزب الكتائب فادي كتورة، ومدير دائرة شؤون اللاجئين في لبنان جمال فياض، والدكتور زياد أبو العينين ممثلاً أمين سر حركة فتح – إقليم لبنان الدكتور رياض أبو العينين، ومدير مؤسسة محمود عباس – فرع لبنان نزيه شما، ومدير مؤسسة الضمان الصحي الفلسطيني في لبنان الدكتور بلال الخالد، وأمين سر حركة فتح في بيروت خالد عبادي، ورئيس اللجنة الأهلية في مخيم ضبية وسام قسيس، وحشد من أبناء المخيم.
وبدأ الاحتفال بالنشيدين الوطنيين اللبناني والفلسطيني، قبل أن ترحب الطالبة تينا سمعان، ابنة مخيم ضبية، بالحضور.
وفي كلمة له، توجه رئيس اللجنة الأهلية وسام قسيس بالتحية والمعايدة إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون، مثمناً الدور الذي يقوم به السفير محمد الأسعد في توطيد العلاقات اللبنانية – الفلسطينية، ونظرته الموحدة إلى جميع أبناء الشعب الفلسطيني في لبنان واحتضانه قضاياهم ومتابعتها مع الجهات المختصة اللبنانية والدولية.
كما ثمّن قسيس موقف رئيس بلدية ضبية نبيه طعمة المتضامن والمساهم في دعم أبناء المخيم، وتعامله معهم بروح الأخوة والاحتضان.

بدوره، أكد السفير محمد الأسعد أن مخيم ضبية هو واحد من المخيمات الفلسطينية في لبنان التي احتضنت أبناء الشعب الفلسطيني الذين لجأوا قسراً من أرض فلسطين، حاملين معهم مفتاح البيت وذاكرة المكان ومتمسكين بحقهم التاريخي والقانوني والإنساني في العودة إلى وطنهم.
وشدد الأسعد على أن وجود الفلسطينيين في هذا المخيم ليس عنواناً للتوطين ولا بديلاً عن فلسطين، وإنما محطة مؤقتة فرضتها ظروف النكبة والتهجير، مؤكداً أن حق العودة إلى الديار والممتلكات يبقى حقاً ثابتاً لا يسقط بالتقادم.
وفي مناسبة اكتسبت بعداً خاصاً لكونها تقام في مخيم ذي حضور مسيحي فلسطيني، استذكر الأسعد مواقف الرئيس محمود عباس وتأكيده أن أبناء الشعب الفلسطيني، مسلمين ومسيحيين، يشكلون شعباً واحداً تجمعهم هوية وطنية واحدة ومصير مشترك، وأن الحفاظ على الوجود المسيحي في فلسطين، بعاصمتها القدس الشرقية، يمثل أولوية وطنية وجزءاً أساسياً من حماية الهوية الحضارية والتاريخية للأرض المقدسة.
وفي هذا السياق، بدت رمزية الكوفية الفلسطينية في أمسية عيد الصليب أكثر اتصالاً بصورة القدس وكنيسة القيامة، أحد أبرز المعالم المسيحية في المدينة، وبذاكرة مسيحيين فلسطينيين حملوا معهم إلى لبنان، إلى جانب تجربة اللجوء، ارتباطهم الديني والوطني بفلسطين.
وأكد الأسعد كذلك الرعاية التي يوليها الرئيس محمود عباس للفلسطينيين في المخيمات الفلسطينية في لبنان، بمن فيهم أبناء مخيم ضبية، ومتابعة شؤونهم، إضافة إلى تنفيذ توجيهاته في العمل على توفير الحياة الكريمة لهم وتخفيف معاناتهم إلى حين عودتهم إلى فلسطين.

وتوقف السفير الفلسطيني عند العلاقات اللبنانية – الفلسطينية، قائلاً إنها شهدت خلال الفترة الماضية خطوات مهمة، كان من أبرزها التفاهمات التي جرى التعبير عنها خلال القمة المشتركة بين رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون ورئيس دولة فلسطين محمود عباس، بما يصون سيادة لبنان واستقراره ويعمل على معالجة قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بروح الأخوة والمسؤولية المشتركة.
وأكد الأسعد أن حق العودة هدف لبناني – فلسطيني مشترك، لافتاً إلى أن العلاقات بين الشعبين اللبناني والفلسطيني ليست علاقات طارئة، بل علاقات تاريخ وجغرافيا، امتدت جسور المحبة والتعاون بينهما على مدى عقود.
وفي ختام الاحتفال، قدم السفير محمد الأسعد دروعاً تكريمية إلى رئيس بلدية ضبية نبيه طعمة، والأب جوزيف رفول، ورئيس اللجنة الأهلية في مخيم ضبية وسام قسيس، تقديراً لجهودهم في تعزيز العلاقات اللبنانية – الفلسطينية وترسيخ مبادئ الأخوة والتسامح.
