تأتي هذه الجولة في سياق سلسلة لقاءات تشاورية يجريها السفير البخاري، كان قد دأب عليها طوال سنوات عمله في لبنان، سواء عبر استقباله شخصيات دينية في دارته كما فعل منذ أيام أو من خلال زيارات ميدانية، واضعاً محاوريه في صورة المناخ الإقليمي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، في ظل التوترات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وانعكاساتها على لبنان والمنطقة.
“مصدر دبلوماسي” – خاص
كثّف سفير المملكة العربية السعودية في لبنان الدكتور وليد بن عبدالله البخاري لقاءاته مع المرجعيات الدينية الإسلامية والمسيحية في إطار مقاربة سعودية تقوم على الانفتاح والحوار مع جميع اللبنانيين دون استثناء وعلى إعادة تثبيت منطق الدولة والتوافق الوطني في مواجهة الأزمات.
وتظهر مواقف السفير البخاري خلال هذه اللقاءات رؤية متكاملة ترتكز على تغليب “العقل والحكمة” كخيار سياسي، ورفض منطق الاستقواء بالخارج مقابل الدعوة إلى بناء تفاهمات داخلية صلبة. كما قدّم قراءة فكرية للتجربة اللبنانية من خلال “فرضية اكتمال الفواجع الرمزية” معتبراً أنّ هذه اللحظة قد تشكّل مدخلاً للعودة إلى القواسم المشتركة الجامعة.
وفي موازاة ذلك، شدّد السفير البخاري على دعم بلاده لوحدة لبنان ومؤسساته وعلى عدم استثناء أي مكوّن لبناني في انسجام مع روحية اتفاق الطائف مع تأكيد مستمر على أولوية الاستقرار وتحصين السلم الأهلي.
وتأتي هذه الجولة في سياق سلسلة لقاءات تشاورية يجريها السفير البخاري، كان قد دأب عليها طوال سنوات عمله في لبنان، سواء عبر استقباله شخصيات دينية في دارته كما فعل منذ أيام أو من خلال زيارات ميدانية، واضعاً محاوريه في صورة المناخ الإقليمي الذي تقوده المملكة العربية السعودية، في ظل التوترات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية وانعكاساتها على لبنان والمنطقة.
في دار الفتوى: تأكيد على الحكمة ووحدة لبنان
استهلّ السفير البخاري لقاءه مع مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان في دار الفتوى بعبارة ذات دلالة: «لبنانُ أرضُ الحِجى هل للحِجى أجلُ» في اقتباس من السفير السعودي السابق عبد العزيز خوجة ليؤكد من خلالها ضرورة تغليب العقل والحكمة في مواجهة الأزمات باعتبارهما المدخل الأساسي لتحصين السلم الأهلي.

وخلال اللقاء، نوّه بمواقف المفتي دريان، واصفاً إياه بالدور “العاقل والحكيم والرصين الضامن لوحدة لبنان وشعبه”، كما أثنى على القرارات الصادرة عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى لما فيه مصلحة المسلمين واللبنانيين.
وجدّد السفير السعودي تأكيد حرص بلاده على وحدة الشعب اللبناني، مشيراً إلى أنّ المملكة تبذل مساعي دبلوماسية لمساعدة لبنان في محنته، وتقف إلى جانب الدولة ومؤسساتها سعياً إلى حلول تعزّز الأمن والاستقرار والازدهار، مع استمرار التنسيق والتعاون مع أركان الدولة.
من جهته، عبّر المفتي دريان عن تقديره لدور المملكة في دعم استقرار لبنان وسلامته ووحدته، لا سيما في الظروف الاستثنائية الراهنة، مشدداً على أنّ إعادة بناء الدولة تبقى الطريق الوحيد لإنقاذ البلاد، من خلال بسط سلطتها على كامل الأراضي، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني، والالتزام باتفاق الطائف وتعزيز الوحدة الوطنية. كما أبدى ارتياحه للجهود الدبلوماسية التي يقوم بها رئيسا الجمهورية والحكومة، بدعم من الأشقاء والأصدقاء، لوقف الحرب وإيجاد تسوية تفتح الباب أمام التعافي والنهوض.
في بكركي: قراءة تاريخية ودعوة إلى التلاقي الوطني
في الصرح البطريركي في بكركي التقى السفير البخاري البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي حيث اتّسم اللقاء بالودّ والصراحة، وتركّز على سبل تعزيز الاستقرار ودعم الدولة ومؤسساتها.
ونقل السفير تحيات القيادة السعودية مشيداً بالدور الوطني والروحي للبطريرك ومؤكداً أنّ المرحلة تتطلب حكماء يعملون على ترسيخ مناخات الأمان ودعم الرئاسات الدستورية في مواجهة التحديات. كما شدّد على أنّ بناء الإنسان يسبق بناء الحجر، وأنّ الولاء للوطن يشكّل الركيزة الأساسية لأي نهوض.

وطرح السفير البخاري خلال اللقاء مقاربة فكرية–تاريخية للوضع اللبناني، مستنداً إلى قراءات في أعمال مؤرخين ومفكرين، بينهم فيليب حتي وكمال صليبي وأسد رستم، حيث جرى التوقف عند فكرة “اكتمال الفواجع الرمزية” لدى مكونات المجتمع اللبناني، باعتبارها لحظة قد تفتح الباب أمام العودة إلى المشترك الوطني، بعيداً من الانقسامات.
كما شدّد المجتمعون على ضرورة اعتماد الحكمة والعقلانية في إدارة المرحلة معتبرين أنّ الانتصار الحقيقي لا يتحقق بالقوة، بل عبر بناء توافقات وطنية صلبة، مع التأكيد على أهمية استثمار اللحظة الراهنة لتفادي ضياع الفرص، والانطلاق نحو رؤية تعزّز الشراكات مع الدول الشقيقة والصديقة.
وتناول البحث أيضاً أهمية دعم المبادرات الحوارية وخصوصاً اللقاءات الدينية والوطنية الجامعة، لما لها من دور في تثبيت الاستقرار وتعزيز التلاقي بين المكونات اللبنانية.
بدوره، أكد البطريرك الراعي التمسك بالثوابت الوطنية وصون كرامة الإنسان اللبناني، مشدداً على ضرورة الوعي الجماعي والمسؤولية الوطنية لإعادة بناء الدولة على أسس متينة.
في المجلس الشيعي: لا إقصاء لأي مكوّن
وفي مقر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في الحازمية، شدّد السفير البخاري، بعد لقائه نائب رئيس المجلس الشيخ علي الخطيب، على أنّ المملكة تعوّل على حكمة القيادة اللبنانية في دفع الأمور نحو الاستقرار، منوّهاً بدور رئيس مجلس النواب نبيه بري في هذا السياق.

وأكد بوضوح أنّ “لا خصومة للمملكة مع المكوّن الشيعي في لبنان ولا في الخارج”، مشدداً على ضرورة عدم استبعاد أي مكوّن لبناني من الدولة، باعتبار ذلك من صلب روحية اتفاق الطائف.
من جهته، دعا الشيخ الخطيب إلى استعادة ثقة المواطنين بالدولة، عبر الاهتمام أولاً بشؤونهم الحياتية والاجتماعية والأمنية، قبل الانتقال إلى الملفات الأخرى، منتقداً تجاهل معاناة المهجرين والنازحين.
وأكد أنّ المكوّن الشيعي كان دائماً عامل وحدة لا انقسام، منوّهاً بدور السعودية في تقريب وجهات النظر بين اللبنانيين، كما فعلت في اتفاق الطائف، ومشيداً برعايتها المستمرة له. كما وجّه دعوة إلى السفير البخاري للمشاركة في ندوة حول الاتفاق الشهر المقبل.
في الكرسي السرياني: طرح “اكتمال الفواجع” بوضوح
وفي مقر الكرسي البطريركي في المتحف، التقى السفير البخاري بطريرك السريان الكاثوليك مار اغناطيوس يوسف الثالث يونان، الذي رحّب به مثنياً على دور المملكة في دعم لبنان ودول الشرق، وعلى نهجها القائم على المحبة والتسامح والانفتاح.

وعرض البطريرك الواقع اللبناني، داعياً إلى تحكيم الضمير الوطني، والتأكيد على أنّ الشعب هو الأساس، مع التشديد على ضرورة الولاء للبنان وحده والعمل على إنقاذه من أزماته. كما أشاد بدور المملكة، متمنياً استمرار دعمها، ومثمّناً تجربة دول الخليج في الحكمة والإدارة.
كما عبّر عن تقديره للسفير البخاري، مشيداً بأدائه خلال سنوات خدمته في لبنان، ومتمنياً أن يواصل خلفه النهج نفسه، قبل أن يستعرض تاريخ الكنيسة السريانية الكاثوليكية ودورها في المنطقة، واحتياجات المؤمنين في الشرق والمهجر.
في المقابل، عرض السفير البخاري رؤيته للوضع اللبناني، معبّراً عن تفاؤله استناداً إلى قراءة تاريخية، ومستعيداً ما قرأه لمؤرخين، ومقدّماً فرضيته حول “اكتمال الفواجع الرمزية للمكوّن التاريخي اللحظي”.
وشدّد على أنّ “المنتصر ليس من يحمل السلاح ويتّكل على الدعم الخارجي، بل من يعمل بالعقل والحكمة وقبول الآخر”، مؤكداً أهمية العودة إلى التاريخ المشترك، والإخلاص للوطن، والتعويل على حكمة الرئاسات اللبنانية، ولا سيما رئيس الجمهورية.
كما أشار إلى أنّه كسب محبة اللبنانيين خلال سنوات عمله، معبّراً عن أمله في أن يعود لبنان إلى دوره، ومشدداً على اهتمام القيادة السعودية، ولا سيما ولي العهد، بلبنان، وعلى رفض المساس بالمكوّن المسيحي في الشرق.
وأوضح أنّ هدف زيارته أيضاً وضع البطريرك في أجواء التحرك السعودي، ولا سيما زيارة الموفد الأمير يزيد بن فرحان، مؤكداً أنّ رسالة المملكة تقوم على تحصين السلم الأهلي وعدم المساس بأي مكوّن.
كما شدّد على أنّ السعودية تعتمد اليوم نهجاً جديداً يقوم على مدّ الجسور مع الجميع، معرباً عن أمله في أن يتمكن المسؤولون اللبنانيون من إيجاد حلول تحفظ الاستقرار والازدهار.
وفي ختام اللقاء، قدّم البطريرك للسفير ميدالية تذكارية وكتاباً توثيقياً عن مسيرته الكنسية.
لقاءات أرثوذكسية وأرمنية
وشملت الجولة أيضاً لقاء متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عوده، حيث جرى تبادل الأحاديث الودية والتداول في المستجدات اللبنانية.

كما زار السفير البخاري بطريرك الأرمن الكاثوليك الكاثوليكوس روفائيل بيدروس الحادي والعشرون ميناسيان في الأشرفية بحضور عدد من الشخصيات، بينهم النائب السابق سيرج طورسركيسيان، والأب آرام ابراهاميان، والخوري كارو طاتيوسيان، ومسؤول الإعلام شربل بسطوري.

