اجتمعت اليوم السبت قرابة 400 عائلة مسيحية نزح أفرادها من الجنوب اللبناني بدعوة من جمعية “ريد إن سيركل” [ريكا] في نشاط رعائي حمل عنوانًا وجدانيًا عميقًا: “من قلبي سلام للجنوب” وذلك في مركز "لقاء" في الربوة.
“مصدر دبلوماسي”
خاص
اجتمعت اليوم السبت قرابة 400 عائلة مسيحية نزح أفرادها من الجنوب اللبناني بدعوة من جمعية “ريد إن سيركل” [ريكا] في نشاط رعائي حمل عنوانًا وجدانيًا عميقًا: “من قلبي سلام للجنوب” وذلك في مركز “لقاء” في الربوة.

تخلل اللقاء قداس احتفالي طغت عليه رمزية العودة والتمسك بالجذور، حيث تقدم الأطفال حاملين أغصان زيتون أتوا بها من قراهم الجنوبية، في مشهد اختصر ذاكرة الأرض وصلابة الانتماء، فيما حمل آخرون شباك الصيادين كعربون رسوخ في الأرض وإرادة لا تنكسر في العودة والإبقاء على الهوية. كانت هذه التقديمات أكثر من مجرد رموز، بل بدت كرسائل صامتة تقول إن الجنوب، رغم البعد، لا يزال حيًا في تفاصيلهم الصغيرة.
وفي حديث مع موقع “مصدر دبلوماسي”، أوضحت رئيسة الجمعية نسرين حسني أن “ريد إن سيركل” تأسست عام 2014 على يد مجموعة من الشباب والصبايا المتطوعين الذين “أحبوا أن يبنوا مجتمعًا أفضل، بالإنسانية والخدمة”، مشيرة إلى أن الاهتمام بملف النزوح بدأ مع الحرب في العام 2024. وأكدت أن النشاط اليوم يضم قرابة 430 عائلة، فيما يشارك في القداس ما يقارب الألف شخص، في مشهد يعكس حجم الألم المشترك كما يعكس أيضًا قوة التلاقي.

وشددت حسني على أن هذه العائلات “ليست موجودة في مراكز إيواء، بل نزحت إلى منازل، وقد تواصلنا معهم عبر المسؤولين في بلداتهم، سواء كانوا مخاتير أو رؤساء بلديات”، لافتة إلى أن الهدف من النشاط لا يقتصر على تقديم مساعدات مادية أو عينية، “فهذا تحصيل حاصل بين الأهل”، بل يتجاوز ذلك نحو تقديم دعم نفسي ومعنوي، مضيفة: “الأهم أن يشعروا أننا إلى جانبهم، وهذا ما يحتاجونه أكثر من الماديات”. وأوضحت أن اللقاء صُمم ليكون مساحة مشاركة حقيقية “بلقمة محبة”، سواء من خلال الصلاة في القداس أو اللقاء الاجتماعي الذي تلاه.
وعن المتابعة، أكدت حسني أن الجمعية على تواصل دائم مع هذه العائلات، وتقدم لهم إرشادات حول كيفية الحصول على أدوية وحليب للأطفال واحتياجات أساسية أخرى، إلى جانب توفير دعم نفسي عبر ربطهم بمعالجين مختصين لمساعدتهم على تجاوز هذه المرحلة، مشيرة إلى أن الجمعية أسست أيضًا أكاديمية للعلاج بالموسيقى للأطفال وسواهم، في محاولة لاستخدام الفن كوسيلة للشفاء من آثار الصدمة.

غير أن الطريق لا يخلو من تحديات، إذ لفتت حسني إلى أن معظم المساعدات التي تصل إلى النازحين تذهب إلى مراكز الإيواء، فيما يُترك أولئك الذين لجأوا إلى منازل خاصة خارج دائرة الدعم الكافي، موضحة أن العديد منهم تركوا منازلهم من دون أن يكون لديهم أقارب يستضيفونهم، فاضطروا إلى استئجار منازل لا تتوافر فيها مستلزمات تكفي لفترة نزوح طويلة.
بدوره، أكد عضو الجمعية طوني درويش أن هدف النشاط والمتابعة هو مساعدة النازحين وتثبيتهم في أرضهم، مشيرًا إلى أن المشاركين ينتمون إلى مختلف القرى المسيحية الممتدة من قضاء صور إلى النبطية ومرجعيون، وصولًا إلى جزين وبنت جبيل والقوزح وسواها، في صورة تعكس اتساع رقعة النزوح ووحدة المعاناة. ولفت إلى أن هؤلاء نزحوا خلال الحرب الأخيرة، فمنهم من لجأ إلى منازل أقاربه، ومنهم من قصد مراكز الإيواء، فيما سيتم تسجيل أسمائهم لدى جمعية “بروتيرا سانتا” التي ستؤمن لهم أدوية مجانية، إلى جانب متابعة للصحة النفسية عبر جمعية مختصة.

وفي زاوية من القاعة، تختصر شهادات النازحين القصة بأكملها. تقول إحدى النازحات من بلدة دردغيا، واسمها غلادس، إن النزوح جاء بدافع الخوف بعد أن تعرضت بلدتهم، التي تضم نحو 1600 عائلة، للقصف في المرة السابقة، مضيفة أنهم علموا بأن أشخاصًا دخلوا إلى منازلهم عنوة واستهلكوا ما فيها من طعام واحتياجات. أما جبران، وهو أيضًا من دردغيا، فيشير إلى أنهم لا يعرفون ما إذا كان هؤلاء الذين دخلوا المنازل مقاتلين أم مدنيين، لكنه يؤكد أن عمليات سرقة لم تسجل، في رواية تعكس ضبابية الواقع وخشية الناس من المجهول أكثر من أي شيء آخر.

وفي العظة، استعاد الكاهن الذي سبق أن تهجّر من بلدته في الشمال معنى الاقتلاع ومعنى الثبات في آن، قائلاً: “الكل يتهجر، ولكن من المستحيل ترك الإيمان بالله وبالأرض وبالإنسان والهوية”، مضيفًا أن البعد الجغرافي لا يلغي الارتباط الوجداني: “قد نكون بعيدين عن بيوتنا، لكن وجداننا مرتبط بالأرض والهوية التي تسكن فينا كما يسكن فينا الله الحاضر بيننا”. وأشار إلى أن هذه المرحلة هي زمن انتظار لمعرفة كيف سيجدد الله دعوة الناس ورسالتهم عند عودتهم إلى أرضهم، مؤكدًا أن “لنا دعوة في هذه الأرض”.

أضاف: “نحن نتألم ولكننا شهود، قد نهجر أرضنا ولكن لا نهجر إيماننا وكرامتنا وهويتنا”، مضيفًا أن السعي مستمر لتحقيق “لبنان السيادة والاستقلال” مهما كانت الكلفة، معتبرًا أن الطريق مكلف لكنه يشبه مسار الخلاص الذي تحقق عبر التضحية. وختم بكلمات حملت وعدًا يتجاوز اللحظة الراهنة: “ستكون العودة شعاعًا ورسالة سنعيشها إلى أبد الآبدين”.

