اليوم، يخرج نتنياهو ليزعم أنه "استجاب" لطلبات الحكومة اللبنانية المتكررة بالتفاوض المباشر. هذا التحول ليس "صحوة ضمير" ولا رغبة في السلام، بل هو "طوق نجاة" سياسي؛ فقد نجح نتنياهو بالالتفاف على مفاوضات باكستان عبر رده المتأخر 40 يوماً على ما طرحته الحكومة اللبنانية من تنازلات وصلت حد القبول بالتفاوض المباشر. تلك الأربعون يوماً لم تكن وقتاً ضائعاً في السياسة، بل كانت مهلة دموية قتلت فيها "إسرائيل" آلاف اللبنانيين ودمرت قرى بأكملها، ليدخل نتنياهو طاولة المفاوضات فوق جثث الضحايا وركام المنازل.
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
في وقت تتجه فيه الأنظار إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد حيث تُحاك خيوط تهدئة إقليمية بين واشنطن وطهران غدا السبت برزت المناورة الإسرائيلية الجديدة كأداة للالتفاف على أي وقف حقيقي لإطلاق النار في لبنان. وبينما أعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن استضافة مفاوضات “مباشرة” بين لبنان وإسرائيل الأسبوع المقبل في واشنطن، يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد أتقن لعبة “تبادل الأدوار” مع الإدارة الأميركية، محولاً رفضه الطويل للتفاوض إلى “استجابة” ملغومة تهدف إلى عزل لبنان عن مظلة الحماية الإقليمية.
من الرفض المتعجرف إلى “الاستجابة” المخادعة
لأكثر من اربعين يوما صمّ نتنياهو آذانه عن المبادرات اللبنانية. فبعد عروض تقنية وسياسية قدمها رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون، وخطابه الشهير أمام السلك الدبلوماسي الذي دعا فيه لإنهاء النزاعات الحدودية سلمياً، كان الرد الإسرائيلي دائماً هو التجاهل أو التصعيد.
اليوم، يخرج نتنياهو ليزعم أنه “استجاب” لطلبات الحكومة اللبنانية المتكررة بالتفاوض المباشر. هذا التحول ليس “صحوة ضمير” ولا رغبة في السلام، بل هو “طوق نجاة” سياسي؛ فقد نجح نتنياهو بالالتفاف على مفاوضات باكستان عبر رده المتأخر 40 يوماً على ما طرحته الحكومة اللبنانية من تنازلات وصلت حد القبول بالتفاوض المباشر.
تلك الأربعون يوماً لم تكن وقتاً ضائعاً في السياسة، بل كانت مهلة دموية قتلت فيها “إسرائيل” آلاف اللبنانيين ودمرت قرى بأكملها، ليدخل نتنياهو طاولة المفاوضات فوق جثث الضحايا وركام المنازل.
فك الارتباط بـ “مسار إسلام آباد“
تؤكد المعطيات أن الخطة الأميركية-الإسرائيلية تهدف بالدرجة الأولى إلى توفير حجة لواشنطن أمام المفاوض الإيراني في باكستان. فبينما تصر طهران على أن وقف إطلاق النار في لبنان هو شرط أساسي ومرتبط بكل مساراتها التفاوضية، يمنح موقف نتنياهو “الجديد” الجانب الأميركي ذريعة للقول: “هناك مسار تفاوضي قائم بالفعل بين بيروت وتل أبيب، ولا داعي لإدراج لبنان ضمن المفاوضات الإيرانية-الأميركية”.
هذا “الفصل الجغرافي والسياسي” يهدف إلى حرمان لبنان من قوة الدفع الإقليمية، وتركه وحيداً أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية تحت عنوان “التفاوض تحت النار”.
وصفة للفتنة: “نزع السلاح” كشرط مسبق
لا يكتفي نتنياهو بفرض التفاوض وسط الغارات، بل يذهب أبعد من ذلك بتحديد “النتيجة” قبل بدء الجلسات. فإعلانه أن المفاوضات ستتمحور حول “نزع سلاح حزب الله” هو اعتراف صريح بأنه يريد تحقيق بالدبلوماسية ما فشل جيشه في تحقيقه عبر حربين متتاليتين ومئات الغارات التدميرية منذ أيلول 2024.
وبحسب أوساط واسعة الاطلاع على مناخ “حزب الله”، فإن هذا الشرط هو “وصفة جاهزة للفتنة الداخلية”. فنتنياهو يلقي بكرة الفشل العسكري الإسرائيلي في حضن الحكومة اللبنانية مطالباً إياها بمواجهة المقاومة نيابة عنه.
توجّه الأوساط ذاتها انتقادات حادة للحكومة اللبنانية (حكومة عون-سلام)، معتبرة أن استجداءها للتفاوض بينما الطائرات تقصف بيروت والجنوب هو “انتحار سياسي”. وتقول هذه الأوساط: “إن التفاوض تحت النار، إذا لم ترفضه الحكومة، سيحملها مسؤولية دم كل ضحية تسقط منذ اللحظة. لقد منحت الحكومة لنتنياهو الفرصة للتملص من الالتزام بوقف إطلاق نار إقليمي فعلي، وأعطته المزيد من الوقت لقتل اللبنانيين واحتلال أرضهم.”
والأدهى من ذلك، هو ذهاب الحكومة إلى واشنطن “عارية” من أي عنصر قوة فبعد أن اعتبرت في بعض مواقفها المقاومة “خارجة على القانون”، تبرعت بتبني أجندة نزع السلاح بدءا من العاصمة بيروت وهو ما تراه الأوساط “خطيئة كبرى” تُخرج لبنان من دائرة الصمود وتضعه في دائرة الاستسلام الكامل للشروط الإسرائيلية.
سلام أم استسلام؟
بينما يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن “تفاؤل” باتفاق مع إيران، ويصف رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الهجمات بأنها “غير مقبولة”، يبقى الواقع الميداني في لبنان هو الحقيقة الوحيدة. 300 شهيد مدني في يوم واحد وأكثر من 1500 جريح وغارات لا تتوقف ومفاوضات في واشنطن تحت ظلال القاذفات.
