جلسة مع مجموعة من النازحين من الضاحية وصديقين في البيال
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
كانت واجهة “البيال” البحرية في بيروت رمزا للاحتفالات والمعارض الكبرى لكنها اليوم تحولت إلى مسرحٍ لواحدة من أقسى صور الوجع الإنساني. هنا، حيث تضرب رياح البحر خيام النايلون الهشة تعيش نحو 300 عائلة لبنانية و150 عائلة سورية نزحت من جحيم القصف في الضاحية الجنوبية وقرى الجنوب لتجد نفسها في مواجهة جحيم من نوع آخر: العراء المطبق وغياب الدولة وصراع البقاء اليومي.

نظافة مفقودة
في جولة بين هذه الخيام، تلتقي بـ “علي”، الشاب الذي يحمل بين يديه رضيعاً هو نجل شقيقه. علي لا يتحدث عن أحلام كبرى بل عن “علبة حليب” و”حفاضات” ينتظر أن تجود بها إحدى الجمعيات. لكن الوجع الأكبر الذي يغصّ به علي ليس الجوع بل “النظافة”. في هذا التجمع الضخم، لا يوجد سوى حمام واحد فحسب لقرابة 450 عائلة والأنكى من ذلك أنه لا يوجد أي مكان للاستحمام.
يقول علي بمرارة إنه لم يستحم منذ فترة طويلة جداً، مفضلاً عدم تحديد المدة خجلا من واقع مفروض عليه. علي، ابن منطقة الغبيري، فقد منزله جزئياً فالسقف تداعى ولم يعد البيت صالحاً للسكن فاستبدل سقف الإسمنت بقطعة نايلون لا تقي حراً ولا برداً.

هذه المعاناة تنسحب بشكل مضاعف على النساء والأطفال. فغياب الخصوصية وانعدام أماكن الاستحمام يحولان التفاصيل اليومية البسيطة إلى مشقة تفوق مشقة تأمين الطعام والشراب.
عند الساعة الرابعة عصراً، رصدنا تجمعاً لنازحين ينتظرون دورهم أمام خيمة صغيرة تقدم “السندويشات”. المشهد كان سريالياً؛ فالطعام الذي يُوزع في وقت العصر هو “ترويقة” صباحية (لبنة ومارتديلا). الكميات قليلة والناس كثر والمبادرات فردية وعشوائية.
في زاوية أخرى، يروي “يوسف”، المهجر من الغبيري، مأساة “الخيمة المكسورة”. منذ 15 يوماً، عصفت الرياح بخيمته وحطمتها،وحين طلب مساعدة من أحد موزعي الخيام قوبل بالرفض لسبب مجهول. ينام يوسف وأمثاله على “طبليات” خشبية وفرش رقيقة في وضعية نوم تفتقر لأدنى مقومات الراحة الجسدية.

9 أطفال في خيمة واحدة
السيدة “غنوى” التي تعاني من ضيق التنفس تعيش تجربة قاسية مع أطفالها التسعة. ينام الجميع في خيمة واحدة ضيقة تفتقر للأوكسجين والخصوصية. تقول غنوى بحرقة إنها تحتاج لخيمة ثانية لتوزع أطفالها، لكن “لا حياة لمن تنادي”.
أما “إلهام” النازحة من منطقة الليلكي مع أطفالها الثلاثة، فتقول إن الاهتمام تراجع بشكل حاد بعد شهر رمضان. “كل واحد عم يدبّر حاله”، جملة تختصر واقع الحال؛ فالمساعدات التي كانت تتدفق سابقاً نضبت، وبات النازح اللبناني يشعر بأنه متروك لمصيره.
عقدة “المساعدات”: اللبناني يشعر بالتهميش
من الملاحظات الصارخة التي نقلها أكثر من نازح لبناني هي الشعور بالتمييز في توزيع المساعدات. يشير “يوسف” وغيره إلى أن بعض المؤسسات الإغاثية ومنها “مؤسسة مخزومي” تركز في تقديماتها على النازحين السوريين وتستثني اللبنانيين في كثير من الأحيان.
تروي سيدة نازحة كيف أن مجموعة من “البيجامات” وزعت اخيرا، فكان نصيب الأسد منها للنازحين السوريين الذين “يتزاحمون ويأخذون الكثير” بينما يبقى اللبناني المتخفف من عادات “التزاحم” خالي الوفاض.
“وائل”، النازح من بلدة “الخيام” الحدودية، يختصر مأساة الإيجارات. يقول: “التهجير صعب، لكن الأقسى هو استغلال الناس. لم نستطع استئجار منزل في بيروت بسبب الغلاء الفاحش”. وائل لديه منزل في “الشياح”، لكنه لا يجرؤ على العودة إليه بسبب التهديدات الإسرائيلية المتواصلة للضاحية ومحيطها.

وفي مقلب آخر، تجد “فادي ومهدي وعباس ومصطفى”، وهم أقرباء وأصدقاء من قرية “صديقين”. يروي عباس كيف قاد دراجته النارية لمدة 7 ساعات ليصل من الجنوب إلى البيال تحت وطأة الخوف. مهدي يتذكر كيف ناموا يومين على قارعة الطريق في صيدا قبل الوصول إلى هنا. هؤلاء الذين كانوا يملكون “بيوتاً وقصوراً” في قراهم، يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة شعار “كل مين إيدو إلو”.

مؤسسات الدولة غائبة كلياً
المشترك بين جميع من التقيناهم هو الإجماع على غياب الدولة اللبنانية وأجهزتها الإغاثية. لا وجود لمؤسسات رسمية في مجمع “البيال” والمساعدات الحكومية -إن وجدت- تتوجه فقط نحو النازحين في المدارس الرسمية، أما من افترشوا العراء في البيال، فهم “ساقطون من حسابات الهيئة العليا للإغاثة”.
