في مقابلة مع موقع “السياسة” شدد جعجع على أن “الوضعية المثالية هي التفاهم مع دول الخليج والمملكة العربية السعودية على موعد السلام مع إسرائيل”، في إشارة واضحة إلى أن المرجعية الفعلية لأي مسار سلام لا تكمن في تفسير النصوص القانونية اللبنانية، بل في الالتزام بالإطار العربي الذي أقرته قمة بيروت 2002. وإذ أقرّ بأن الأولوية الآنية تبقى لوقف الانهيار الاقتصادي، محذراً من تراجع مداخيل الدولة بنسبة تتراوح بين 35 و45 في المئة مقابل ارتفاع النفقات".
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
في لحظة لبنانية يطغى عليها الجدل القانوني حول التفاوض مع إسرائيل، خرج رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ليقلب المقاربة رأساً على عقب معيداً توجيه النقاش من التفاصيل الدستورية إلى جوهره السياسي الإقليمي.
ففي مقابلة مع موقع “السياسة” شدد جعجع على أن “الوضعية المثالية هي التفاهم مع دول الخليج والمملكة العربية السعودية على موعد السلام مع إسرائيل”، في إشارة واضحة إلى أن المرجعية الفعلية لأي مسار سلام لا تكمن في تفسير النصوص القانونية اللبنانية، بل في الالتزام بالإطار العربي الذي أقرته قمة بيروت 2002. وإذ أقرّ بأن الأولوية الآنية تبقى لوقف الانهيار الاقتصادي، محذراً من تراجع مداخيل الدولة بنسبة تتراوح بين 35 و45 في المئة مقابل ارتفاع النفقات”.
إن موقف جعجع يختصر معادلة أساسية: كل الفذلكات القانونية تسقط أمام حقيقة أن قرار السلام ليس تقنياً بل سياسي تحدده المبادرة العربية بقيادة السعودية لا الاجتهادات الداخلية.
ينطلق موقف الدكتور سمير جعجع من نقطة مفصلية غالباً ما يجري القفز فوقها في النقاش اللبناني: السلام مع إسرائيل ليس قراراً لبنانياً صرفاً، بل هو جزء من توازن إقليمي تقوده عملياً المملكة العربية السعودية. حين يقول إن “الوضعية المثالية هي التفاهم مع دول الخليج والمملكة العربية السعودية على موعد السلام مع إسرائيل”، فهو لا يطرح مجرد موقف دبلوماسي، بل يحدد إطار القرار نفسه: توقيت السلام ليس بيد بيروت وحدها.
هذا الطرح يعيدنا مباشرة إلى قمة بيروت 2002، حيث أُطلقت المبادرة العربية للسلام بقيادة سعودية والتي قامت على معادلة واضحة: انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي المحتلة عام 1967 مقابل تطبيع عربي شامل. هذه المبادرة لم تكن مجرد اقتراح بل شكلت منذ ذلك الحين السقف السياسي الجماعي للدول العربية، بما فيها لبنان الذي التزم بها رسمياً في بياناته الوزارية المتعاقبة.
من هنا، يصبح السؤال الذي أثاره جعجع أكثر عمقاً: لماذا لا يمكن للبنان أن يذهب منفرداً إلى سلام مع إسرائيل؟ ولماذا الإصرار على “التوقيت السعودي” تحديداً؟ إن هذا الامر تشرحه لموقع مصدر دبلوماسي أوساط دبلوماسةي واسعة الاطلاع:
أولاً، لأن السعودية تعتبر نفسها المرجعية السياسية للعالم العربي في هذا الملف، وأي خروج فردي عن المبادرة يُضعف الموقف العربي الجماعي ويفكك أوراق الضغط التفاوضية. فإذا ذهب لبنان إلى اتفاق منفرد، فهو عملياً ينسف مبدأ “الأرض مقابل السلام” الذي قامت عليه المبادرة، ويقدم لإسرائيل ما تريده: تطبيع بلا ثمن شامل.
ثانياً، لأن الجغرافيا تلعب دوراً حاسماً. لبنان ليس دولة بعيدة عن إسرائيل أو عن ساحات النزاع، بل هو خط تماس مباشر، وأي اتفاق منفرد قد يعيد رسم موازين القوى على حدود حساسة، بما يؤثر على سوريا وفلسطين معاً. لذلك، لا يمكن للسعودية أن تتعامل مع خطوة لبنانية منفردة كحدث معزول، بل كتحول استراتيجي يطال المنطقة كلها.
ثالثاً، وهو الأهم، أن الحسابات السعودية لا تنطلق من إسرائيل فحسب، بل من توازن أوسع في المنطقة، حيث تشكل إيران طرفاً أساسياً في معادلة النفوذ. ورغم التنافس الحاد مع إيران، فإن ذلك لا يعني أن إسرائيل أصبحت “الخطر الأكبر” الذي يستدعي تجاوز كل الضوابط. بل على العكس، ترى الرياض أن أي سلام غير متوازن قد يمنح إسرائيل تفوقاً إضافياً من دون معالجة جوهر الصراع، فيما يبقى النفوذ الإيراني قائماً. لذلك، تسعى إلى مقاربة مزدوجة: احتواء إيران من جهة، وعدم منح إسرائيل مكاسب مجانية من جهة أخرى.
رابعاً، أن السعودية، رغم انخراطها في مسارات تهدئة إقليمية، لا تزال تربط أي تطبيع كامل بتحقيق تقدم فعلي في القضية الفلسطينية. وبالتالي، فإن أي خطوة لبنانية منفردة نحو السلام تُحرجها سياسياً وتضعف قدرتها على التفاوض ضمن إطار عربي جامع.
من هذا المنطلق، يتضح أن ما قاله جعجع ليس تفصيلاً عابراً، بل هو مفتاح لفهم الإشكالية برمتها: لبنان لا يملك ترف تحديد توقيت السلام منفرداً، لأن هذا القرار مرتبط ببنية إقليمية أوسع تقودها السعودية.
الاشكالية اللبنانية الداخلية في التفاض: الفذلكة الدستورية
في ضوء ذلك، يمكن الانتقال إلى الإشكالية اللبنانية الداخلية كما هي مطروحة في النقاش الدائر:
هل يمكن للبنان أن يتفاوض مع إسرائيل؟
برز في اجتماع التفاوض الثاني بين لبنان واسرائيل في واشنطن موقف لافت للرئيس الأميركي دونالد ترامب أكّد فيه على ضرورة الغاء قانون مقاطعة اسرائيل، ليسلّط الضوء على هذا الموضوع الذي بدأ التداول به على نطاق واسع في لبنان. يتفق حزب الله وخصومه على السواء، على كون قانون المقاطعة يشكّل عقبةً امام المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل. ففي حين يريد حزب الله أن يجعل من القانون عقبةً يصعب ازاحتها وذلك لتعطيل مسار المفاوضات، يسعى خصومه الى تسويق فكرة أنّ الغاء القانون هو المقدّمة الطبيعية للتفاوض المباشر والتي يقتضي بالتالي انجازها.
في المحصلة هناك نظريتان:
نظرية تقول بضرورة تعديل قانون مقاطعة اسرائيل كشرط مسبق للدخول في مفاوضات مع اسرائيل.
والنظرية الثانية تقول بان قانون مقاطعة اسرائيل لا يمنع لبنان من التفاوض معها.
تفاعل هذا الموضوع بشكل متقدّم بعد نشر القاضي محمد فواز رأياً قانونياً عنوانه “أي اتفاق حلٍّ للنزاع بين لبنان واسرائيل؟” عرض فيه لكون قانون مقاطعة اسرائيل لا يشكّل عائقاً امام اجراء هذه المفاوضات، على اعتبار أنّ القانون المذكور يتعلّق حصراً بالتعاملات المالية والاقتصادية وهو بكل الاحوال ادنى مرتبةً من الدستور الذي يخوّل في مادتيه 52 و65 السلطة التنفيذية اجراء هذا التفاوض.
“السيء في النظرية الاولى هي اننا نعطي الكثير في هذه المرحلة دون مقابل واننا نذهب بعيدا في تقديم ما هو غير مطلوب الى هذا الحد للقيام بما هو مقدور عليه دون الحاجة لتعديل قانون المقاطعة” يقول أحد السفراء الضليعين بالشأن الدستوري والتفاوضي.
حين خيض مسار ١٧ ايار من العام ١٩٨٣، كان قانون المقاطعة ساري المفعول ولم يُصار حينها الى تعديله من اجل الذهاب الى المفاوضات. فكما ذكر القاضي فواز في مقاله ان الغاء القانون سيكون نتيجة لاتفاق السلام وليس شرطاً مسبقاً له. أما الغاءه اليوم حتى قبل التوقيع، نكون بذلك نتنازل ونرمي من يدنا ورقة تفاوضية قوية بصورة مجانية.
من الجهة الرسمية المخولة ان تتخذ قرار التفاوض، وفي حال سلمنا بإمكانية الذهاب الى التفاوض دون تعديل قانون المقاطعة، تبرز مسألة الصلاحيات الدستورية.
قبل الطائف، كانت الصلاحيات الرئاسية شبه مطلقة، ومع ذلك آثر الرئيس أمين الجميل إشراك مجلسي الوزراء والنواب في اتفاق 17 أيار لتحصينه سياسياً، ومع ذلك سقط.
أما اليوم، فالدستور واضح:
تنص المادة ٥٢ الفقرة الاولى على التالي:
يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وابرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة.
ولا تصبح مبرمة الا بعد موافقة مجلس الوزراء.
وتنص المادة ٦٥ الفقرة الاخيرة على التالي:
اما المواضيع الاساسية فانها تحتاج الى موافقة ثلثي عدد اعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها.
ويعتبر مواضيع اساسية ما يأتي:
تعديل الدستور, اعلان حالة الطوارىء والغاؤها, الحرب والسلم, التعبئة العامة, الاتفاقات والمعاهدات الدولية, الموازنة العامة للدولة, الخطط الانمائية الشاملة والطويلة المدى, تعيين موظفي الفئة الاولى او ما يعادلها, اعادة النظر في التقسيم الاداري, حل مجلس النواب, قانون الانتخاب, قانون الجنسية, قوانين الاحوال الشخصية, اقالة الوزراء.
ما يعني أن قرار السلم بحد ذاته هو من صلاحية مجلس الوزراء، وليس رئيس الجمهورية، وأن التفاوض يأتي لاحقاً بعد اتخاذ هذا القرار.
وهنا تعود الإشكالية التي فهمها جعجع: المشكلة ليست في آلية التفاوض فحسب أو قانون المقاطعة فحسب بل في المرجعية السياسية التي تحكم هذا القرار. فلبنان ملتزم بالمبادرة العربية، وأي خروج عنها يحتاج قراراً حكومياً واضحاً، وهو ما لم يحصل حتى الآن.
وبالتالي فإن العقدة ليست قانونية بل سياسية بامتياز: بين التزام عربي تقوده السعودية وتوازنات داخلية تحدد من يملك قرار السلم وضغوط دولية تريد تسريع الاتفاق. وبين هذه العوامل كلها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تملك السلطة اللبنانية القدرة على فهم هذه المعادلة المعقدة كما طرحها جعجع، أم أنها ستتعامل مع الملف وكأنه مجرد نقاش تقني حول قانون المقاطعة؟
