حمّل الرئيس عون إسرائيل مسؤولية مباشرة عن عرقلة استكمال انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
أعادت وقائع جلسة مجلس الوزراء الأخيرة يوم الجمعة في 5 أيلول/سبتمبر المسار الداخلي إلى سكّته الطبيعية، بعدما كان قد جنح في الأسابيع السابقة نحو التوتر الذي كاد يجرّ لبنان إلى المجهول.
فقد ثبّتت الخطة التي عرضتها قيادة الجيش جدّية المؤسسة العسكرية في تولي المهام الموكلة إليها مع الإقرار بأن التنفيذ يبقى رهناً بالقدرات والإمكانات والوقائع الميدانية وخصوصاً أن أي قوة سياسية أو عسكرية لا تستطيع وضع سقف زمني للخطوات من دون معرفة حجم السلاح ومخازنه في ظل اعتراض “حزب الله” على القرارات.
وبذلك، طرح الرئيس العماد جوزاف عون مقاربة سياسية مرنة استندت إلى الخطة التقنية التي قدّمها الجيش فأعطاها بعدا عمليا قابلا للتنفيذ من دون الانجرار إلى سجالات حول المهل الزمنية. هذه المقاربة شكّلت دليلا اضافيا على التزام الدولة اللبنانية الجاد بترجمة قرار حصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، كما منحت لبنان موقع قوة أمام المجتمع الدولي، إذ لم يعد في مقدور إسرائيل الادعاء بوجود تقصير لبناني أو التذرع بانعدام الجدية في تنفيذ التعهدات.
فقد كرّس قرار مجلس الوزراء يوم الجمعة في 5 ايلول\سبتمبر الجاري وقف إطلاق النار بشكل نهائي وعدم الرد على الاعتداءات الإسرائيلية بالتوازي مع إقرار خطة شاملة لحصر السلاح، ووضع الجيش خطة عسكرية مفصّلة وافق عليها المجلس. كما جدد لبنان التزامه بالاتفاقيات الدولية وبالخطوط العريضة التي رسمها خطاب القسم والبيان الوزاري، فاتحاً الباب أمام بلورة استراتيجية وطنية للأمن.
وتمكن رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من تثبيت التوازن بين متطلبات الأمن الوطني اللبناني والالتزامات الدولية -الذي ارساه يوم الجمعة في مجلس الوزراء- مرة جديدة اثناء لقائه الاحد مع قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الاميرال براد كوبر، وذلك عبر التمسك بصيغة سياسية – دبلوماسية متكاملة جمعت بين حماية الداخل ومخاطبة المجتمع الدولي.
وكأن عون يفرض على الأميركيين إدخال التعديلات اللبنانية على ورقة الموفد توم براك تقديم اولويات لبنان بما يضمن التطبيق الكامل للقرار 1701 بكامل مندرجاته من خلال وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وانسحاب جيش الاحتلال من التلال والأراضي المحتلة والتي بلغت النقاط التسعة [تلة الحمامص شرقا، بوابة فاطمة\كفركلا، تلة المحافر شرق العديسة، خلة الدواوير \مركبا\حولا، جل الدير\مقابل عيترون، جبل الباط \بين مارون الراس وعيترون، وجبل بلاط مقابل راميه] والإفراج عن الأسرى.
هذه الخطوات، كما شدّد الرئيس عون هي المدخل العملي لتكريس حصرية السلاح بيد القوات المسلحة اللبنانية وهو ما أكده مجلس الوزراء الذي رحّب بالخطة العسكرية التي وضعتها قيادة الجيش لهذه الغاية.
وقد جاء في نص اللقاء الحرفي مع الأميرال كوبر:
“وطلب [الرئيس عون] من قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركي الاميرال براد كوبر خلال استقباله له بعد ظهر امس الاحد في قصر بعبدا في حضور السفيرة الأميركية في بيروت السيدة ليزا جونسون، تفعيل عمل لجنة الاشراف على وقف الاعمال العدائية “الميكانيزم”، لتأمين تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في شهر تشرين الثاني\نوفمبر الماضي لجهة وقف الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان والانسحاب من التلال والأراضي التي تحتلها، وإعادة الاسرى بحيث يتم تطبيق القرار 1701 بكافة مندرجاته، خصوصاً ان هذه الخطوات تساعد في تنفيذ القرار الذي اتخذته الحكومة اللبنانية لجهة حصرية السلاح في ايدي القوات المسلحة اللبنانية، لاسيما وان مجلس الوزراء رحب بالأمس بالخطة العسكرية التي وضعتها قيادة الجيش لهذه الغاية.”
تحميل إسرائيل مسؤولية العرقلة

وفي موازاة ذلك، حمّل الرئيس عون إسرائيل مسؤولية مباشرة عن عرقلة استكمال انتشار الجيش اللبناني حتى الحدود الدولية. فخلال اجتماع الاحد الذي حضره رئيس لجنة ما يعرف بالـ “MECHANISM”
الجنرال مايكل ليني، لفت إلى أن استمرار الاعتداءات الإسرائيلية من شأنه أن يعرقل مهام الجيش، رغم إنجازه التمركز في أكثر من 85 في المئة من المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، ومواصلته منع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر. وأكد أن هذه المهام الصعبة، التي أودت بحياة 12 ضابطاً وعسكرياً خلال تفكيك الألغام ونقل الذخائر تعكس حجم التضحيات التي يقدمها الجيش، في وقت بدأ بتسلّم السلاح الفلسطيني من بعض المخيمات بموجب الاتفاق الذي تم خلال زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى لبنان.
الالتزام بالشرعية الدولية وحصرية السلاح
من خلال هذه المقاربة، أرسى الرئيس عون صيغة لبنانية متوازنة: فهي لا تستفز الداخل ولا تعطي ذرائع للخارج، ولكنها في الوقت نفسه تجدد التزام الدولة بخطاب القسم والبيان الوزاري وبالشرعية الدولية، بما في ذلك التوجّه لوضع استراتيجية وطنية للأمن. هذه الخطوات، بحسب مصادر سياسية، وضعت إسرائيل في موقع حرج أمام المجتمع الدولي وأفقدتها القدرة على الادعاء بأن لبنان يتقاعس عن التزاماته.
كذلك شدد الرئيس عون أمام الأميرال كوبر على أهمية استمرار الدعم الأميركي للجيش اللبناني، وتأمين التجهيزات والآليات اللازمة لتمكينه من أداء مهامه في حفظ الأمن، ومنع التهريب والإرهاب، وضبط الحدود مع سوريا. واعتبر أن تعزيز قدرات الجيش يصبّ مباشرة في استقرار البلاد، خصوصاً في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العسكريون. كما أشار إلى أن التنسيق القائم مع قوات “اليونيفيل” يعزز هذا الاستقرار، الذي انعكس تقدماً اقتصادياً وفتح الباب أمام استعداد دول صديقة وشقيقة للمساهمة في إعادة إعمار لبنان بعد عودة الهدوء.