جان عزيز
مصدر دبلوماسي
بقلم مارلين خليفة
في مقال نشره في موقع Just Security، يطرح المستشار السياسي لرئيس الجمهورية جوزاف عون، جان عزيز، قراءة لافتة للمأزق الذي وصل إليه اتفاق الإطار الذي وقع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل محذرا من أن يؤدي تعثره إلى نتيجة معاكسة للهدف الذي يفترض أن الاتفاق قام من أجله: أي تعزيز سلطة الدولة اللبنانية وتقليص الدور العسكري لحزب الله.
لكن أهمية المقال لا تكمن فقط في ما يدعو إليه، بل في ما يعترف به ضمنا.
فعزيز، وهو يدافع بوضوح عن حصرية السلاح بيد الدولة وعن إنهاء الدور العسكري لحزب الله، يقر في الوقت نفسه بأن لهذا السلاح وظيفة أمنية وسياسية شكلت على مدى عقود جزءا من مصدر مشروعيته في البيئة التي احتضنته.
فهو يقول بصراحة إن الحزب برر ترسانته جزئيا بالقول إن الدولة اللبنانية عاجزة عن حماية الأراضي اللبنانية من إسرائيل أو إجبارها على الانسحاب من الأراضي المحتلة، وإن إنهاء دوره العسكري لا يمكن أن يتم بمجرد إدانة هذا المنطق بل يتطلب أن تثبت الدولة أنها قادرة على تحقيق النتائج الأمنية التي يقول الحزب إن سلاحه وحده يستطيع تحقيقها.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية في المقال: فعزيز في رفضه شرعية سلاح حزب الله، يقر ضمنا بالمنطق الذي يستند إليه الحزب وأنصاره ومفاده أن غياب الدولة وعجزها عن حماية الأرض والناس وإنهاء الاحتلال هو ما جعل السلاح في نظرهم ضرورة للدفاع عنهما. وهذا يعني أن نزع السلاح لا ينفصل عن معالجة الأسباب التي شكلت أساس حجته ومصدر تأييده.
عزيز يريد إنهاء شرعية السلاح خارج الدولة، لكنه يضطر، في معرض تبرير هذا الهدف، إلى الاعتراف بالمشكلة التي شكلت أساسا من أسس شرعية هذا السلاح: الاحتلال، واستمرار الوجود العسكري الإسرائيلي، وعجز الدولة اللبنانية تاريخيا عن فرض الانسحاب أو توفير الحماية التي ينتظرها قسم من اللبنانيين.
وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن الاعتراف بمصدر المشروعية السياسية للسلاح يساوي الاعتراف بشرعيته القانونية أو يمنح حزب الله حقا دائما في الاحتفاظ به. وهذه نقطة يحرص عزيز نفسه على توضيحها. لكن الفرق بين الأمرين مهم: يمكن رفض شرعية السلاح من جهة، والاعتراف في الوقت نفسه بأن الظروف التي أنتجت مبرراته السياسية لم تختف من جهة أخرى.
ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي الذي يطرحه المقال أكثر تعقيدا من مسألة نزع السلاح وحدها: هل تستطيع الدولة أن تطلب من بيئة الحزب التخلي عن الوظيفة الأمنية التي ارتبط بها السلاح، في وقت لا تزال فيه إسرائيل تحتل أجزاء من الأراضي اللبنانية وتواصل عملياتها العسكرية؟
هذه هي الحلقة التي لا يستطيع اتفاق الإطار تجاوزها بسهولة.
فالترتيب الذي كان يفترض أن ينظم المرحلة الانتقالية يقوم بحسب المقال، على مسار متدرج: انسحاب إسرائيلي ثم توسع في انتشار الجيش اللبناني ثم عودة المدنيين ثم بدء إعادة الإعمار وثم معالجة مسألة السلاح الموجود خارج سلطة الدولة.
إلا أن إسرائيل باتت وفق عرض عزيز تربط الانسحاب الإضافي بإثبات الجيش اللبناني قدرته على فرض السيطرة في مناطق لا تزال القوات الإسرائيلية موجودة فيها، وبإحراز تقدم في ملف نزع سلاح حزب الله. في المقابل، ترى بيروت أن الجيش لا يستطيع أن يمارس سيطرة كاملة على أرض لا تزال محتلة.
هنا لا يعود الخلاف مجرد خلاف على التنفيذ أو على ترتيب الخطوات. إنه خلاف على من يتحمل أولا كلفة الانتقال.
إسرائيل تقول، عمليا، إن عليها أن تتأكد من قيام واقع أمني لبناني جديد قبل أن تتخلى عن مواقعها. ولبنان يقول إن قيام هذا الواقع يحتاج أولا إلى إنهاء الاحتلال وإتاحة المجال للجيش كي ينتشر على كامل الأرض. وبين الموقفين، يجد حزب الله مادة لإعادة إنتاج حجته التقليدية: إذا بقيت إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية، فإن الحديث عن انتهاء مبرر السلاح يصبح، بالنسبة إليه، غير مقنع.
واللافت أن عزيز نفسه يصف هذا الوضع بأنه دائرة مغلقة: إسرائيل تستند إلى سلاح حزب الله لتبرير استمرار وجودها، وحزب الله يستند إلى استمرار الوجود الإسرائيلي لتبرير بقاء سلاحه، فيما يطلب من الدولة اللبنانية تفكيك أحد طرفي المعادلة من دون أن تمتلك وحدها القدرة على إزالة الطرف الآخر.
هذه ليست نقطة تفصيلية في المقال، بل هي جوهر المشكلة التي يكشفها.
على الدولة تقديم دليل ملموس لا اعلانا سياسيا
فإذا كان المطلوب من الدولة اللبنانية أن تستبدل منطق المقاومة المسلحة بمنطق الدولة، فإن عليها أن تقدم بديلا ملموسا لا مجرد إعلان سياسي. والبديل، كما يفهم من مقال عزيز، لا يقتصر على الجيش. المطلوب دولة قادرة على حماية الحدود، وتأمين عودة السكان، وإعادة إعمار الجنوب، وتشغيل المؤسسات، وتوفير الخدمات، وإعادة دمج المقاتلين، وضمان عدم تحول التخلي عن السلاح إلى خسارة سياسية أو اجتماعية أو أمنية للبيئة التي ارتبطت بالحزب.
وهنا أيضا يذهب عزيز أبعد مما قد يبدو للوهلة الأولى. فهو لا يتعامل مع حزب الله باعتباره مجرد تشكيل عسكري يمكن جمع أسلحته وتسليمها للدولة. بل يقر بأن الحزب بنى على مدى عقود شبكة سياسية واجتماعية ومؤسساتية وخدماتية داخل بيئته، وأن قسما من تأييده، ولا سيما في البيئة الشيعية، ارتبط أيضا بالأمن والخدمات والحماية في ظل ضعف مؤسسات الدولة. وبالتالي فإن الانتقال من وضع إلى آخر يحتاج إلى أكثر من قرار بنزع السلاح.
لكن هنا تبرز ثغرة أخرى : المقال يفترض أن الدولة تستطيع أن تحل محل هذه الوظائف، لكنه لا يقدم إجابة كاملة عن كيفية حدوث ذلك في دولة تعاني أصلا من أزمة مالية ومؤسساتية عميقة.
فالجيش اللبناني قد يكون الأداة الأساسية لاستعادة الاحتكار الشرعي للقوة، لكنه لا يستطيع وحده أن يكون بديلا عن دولة كاملة. وإذا كانت البلديات في الجنوب تفتقر إلى الموارد، وإذا كانت عملية إعادة الإعمار تحتاج إلى تمويل دولي، وإذا كانت الخدمات العامة والاقتصاد والمؤسسات الرسمية لا تزال تعاني من أزمات متراكمة، فإن نزع السلاح يتحول إلى مشروع دولة طويل الأمد، وليس إلى بند أمني يمكن تنفيذه بقرار سياسي.
ومن هنا تبدو إحدى أهم نقاط الضعف في اتفاق الإطار: تحميل لبنان التزامات تتصل ببناء سلطة الدولة، في حين أن جزءا أساسيا من الشروط اللازمة لبناء هذه السلطة يقع خارج قدرة لبنان المباشرة.
فالولايات المتحدة، بحسب المقال، مطالبة بالحفاظ على دعمها للجيش اللبناني وباستخدام نفوذها لدفع إسرائيل نحو الانسحاب. وإسرائيل مطالبة بالتخلي عن الأراضي اللبنانية. ولبنان مطالب بتعزيز مؤسساته ومعالجة السلاح خارج الدولة وتنفيذ إصلاحات اقتصادية وسياسية.
وبذلك يصبح استعادة السيادة اللبنانية مرتبطة، paradoxically، بقدرة واشنطن على إدارة التوازن بين لبنان وإسرائيل، فيما يفترض أن تكون نتيجة الاتفاق تعزيز استقلال القرار اللبناني.
وهذا ما يجعل الدور الأميركي في اتفاق الإطار أكبر من مجرد دور وسيط. فالمفاوضات التي عقدت في روما لم تتمكن حتى الآن من تجاوز الخلافات الأساسية حول الانسحاب والمناطق التجريبية، فيما تستمر إسرائيل في الاحتفاظ بمنطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية. وقد أكدت واشنطن أن الاتفاق الذي ترعاه هو المسار العملي لاستعادة السيادة اللبنانية وضمان أمن إسرائيل، بينما بقيت مسائل أساسية عالقة بعد جولات عدة من التفاوض.
كما أن اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل في نهاية عام 2026 يضيف طبقة أخرى إلى المعضلة. فالنقاش لم يعد يقتصر على من يراقب الحدود، بل بات يتعلق بمن سيتولى دعم الجيش اللبناني ومواكبته بعد انتهاء المهمة الدولية، في وقت تبحث فيه دول أوروبية وعربية خيارات لمهمة لاحقة أو آليات دعم وتدريب للجيش.
وفي هذا السياق، يبدو أن مقال عزيز لا يقدم حلا للمأزق بقدر ما يكشفه.
فهو يريد نزع سلاح حزب الله، لكنه يعترف بأن استمرار الاحتلال يضعف حجج الدولة في مواجهة الحزب. ويريد للجيش أن يحل محل الحزب، لكنه يقر بأن الجيش يحتاج إلى الأرض كي يثبت قدرته. ويريد للدولة أن تصبح صاحبة القرار الأمني، لكنه يقر بأن الولايات المتحدة مطالبة باستخدام نفوذها لإجبار إسرائيل على استكمال الانسحاب. ويريد إنهاء منطق المقاومة، لكنه يلفت بنفسه إلى أن هذا المنطق يستمد جزءا من قوته من واقع لم ينته بعد.
والأهم أن المقال لا يقدم ضمانة واضحة بأن الانسحاب الإسرائيلي، حتى لو تحقق، سيؤدي تلقائيا إلى إنهاء سلاح حزب الله. فهذه نقطة لا يمكن تجاوزها أيضا. إذا كان الحزب قد نشأ وتطور ضمن سياق إقليمي أوسع، وارتبط بإيران وبشبكة سياسية واجتماعية داخل لبنان، فإن إزالة العامل الإسرائيلي لا تكفي وحدها لإثبات أن البنية العسكرية ستختفي تلقائيا. هذه مسألة سياسية لبنانية وإقليمية مستقلة، حتى لو كان استمرار الاحتلال يوفر لها مبررا إضافيا.
لذلك فإن المشكلة في اتفاق الإطار ليست فقط أن خطواته متعثرة، بل أن كل طرف يستطيع استخدام تعثر الطرف الآخر لتبرير موقفه.
إسرائيل تستطيع القول إن بقاء السلاح يمنعها من الانسحاب. وحزب الله يستطيع القول إن بقاء إسرائيل يمنع الدولة من إقناع اللبنانيين بأن السلاح لم يعد ضروريا. والدولة اللبنانية تجد نفسها مطالبة بإثبات قدرتها في ظروف تقلل أصلا من قدرتها على الإثبات.
وهذا هو التناقض الذي يجعل اعتراف عزيز بمصدر مشروعية سلاح حزب الله، ولو جاء في سياق الدعوة إلى نزعه، أهم من كثير من العبارات السياسية المباشرة في مقاله.
فالمقال يقول، في جوهره، إن الدولة لا تستطيع أن تنهي وظيفة المقاومة بمجرد إعلان انتهاء الحاجة إليها. عليها أن تستبدلها بوظيفة دولة قابلة للتصديق. وهذه الوظيفة لا تبدأ من السلاح وحده، بل من الأرض والسيادة والأمن وإعادة الإعمار والمؤسسات.
ومن هنا، فإن نجاح المسار لا يتوقف فقط على قدرة لبنان على تنفيذ ما عليه، بل أيضا على ما إذا كان الاتفاق سيحافظ على مبدأ المعاملة بالمثل الذي يفترض أن يكون أساس أي تسوية بين طرفين: أن تكون التزامات لبنان قابلة للتنفيذ بالتوازي مع خطوات إسرائيلية واضحة وقابلة للقياس، وفي مقدمتها الانسحاب من الأراضي اللبنانية.
أما إذا تحول الانسحاب إلى مكافأة مؤجلة إلى أجل غير مسمى، مرتبطة كل مرة بشرط لبناني جديد، فإن الاتفاق قد ينتج النتيجة التي يحذر منها عزيز نفسه: بدلا من أن يضعف الحجة التي يستند إليها حزب الله في تبرير سلاحه، قد يمنحها وقائع جديدة.
وهنا تحديدا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها: المقال الذي كُتب للتحذير من أن يثبت اتفاق السلام صحة حجة حزب الله، يقدم بنفسه أقوى تفسير للظروف التي جعلت تلك الحجة قابلة للحياة أصلا.
وبقدر ما يشكل ذلك اعترافا بمأزق اتفاق الإطار، فإنه يضع الدولة اللبنانية أمام امتحان أكبر من مجرد جمع السلاح. المطلوب هو أن تصبح الدولة قادرة، على الأرض لا في النصوص، على أن تقول للبنانيين إن السيادة يمكن أن تستعاد من دون قوة موازية للدولة، وإن الأمن يمكن أن يتحقق من دون احتلال، وإن الانسحاب الإسرائيلي يمكن أن يكون نتيجة للتفاوض لا ثمنا دائما لمطالب جديدة.
عندها فقط يصبح نزع السلاح انتقالا من منطق إلى آخر، لا مجرد إزالة لأداة من دون إزالة الأسباب التي جعلت وجودها قابلا للتبرير السياسي.
نص المقال
لا تدعوا اتفاق السلام اللبناني يثبت صحة رواية حزب الله
جان عزيز
مستشار لرئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون.
بعد ستة أسابيع بالكاد على دخول لبنان وإسرائيل في أهم اتفاق بينهما منذ عقود، بدأت العملية بالفعل تتعثر. فقد انتهت أحدث المحادثات التي جرت بوساطة أميركية في روما من دون اتفاق على توسيع «المناطق التجريبية» التي يُفترض أن تنسحب القوات الإسرائيلية منها، وأن تتولى القوات المسلحة اللبنانية السيطرة عليها. وتطالب إسرائيل بأن يثبت الجيش اللبناني فرض سيطرة فعالة على المناطق التي جرى تسليمها بالفعل، بالتزامن مع إحراز تقدم في نزع سلاح حزب الله، قبل أن تتخلى عن مزيد من الأراضي. ويتمثل الموقف اللبناني في أن الجيش لا يستطيع الانتشار بصورة كاملة في أراضٍ لا تزال القوات الإسرائيلية تحتلها.
وهذا أكثر من مجرد خلاف بشأن ترتيب الخطوات. إنه تناقض يهدد المنطق السياسي للاتفاق بأكمله.
كان من المفترض أن ينشئ الإطار انتقالاً تدريجياً في جنوب لبنان: تنسحب القوات الإسرائيلية، ويوسع الجيش اللبناني سلطته، ويعود المدنيون، وتبدأ إعادة الإعمار، وتعالج الدولة استمرار وجود الأسلحة خارج سيطرتها. وكان يُفترض أن يجعل كل جزء من هذه العملية الجزء التالي أكثر قابلية للتحقق.
لكن بدلاً من ذلك، تتعامل إسرائيل بصورة متزايدة مع الانسحاب باعتباره شيئاً يتعين على لبنان أولاً أن يستحقه من خلال إثبات السيطرة على أراضٍ لا يمتلكها بالكامل بعد.
وفي الوقت نفسه، استمرت العمليات العسكرية. فقد قُتل جنديان إسرائيليان هذا الأسبوع في انفجار أثناء قيامهما بعمليات داخل لبنان، وبعد ذلك شنت إسرائيل غارات في أنحاء الجنوب؛ وسجلت قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) 113 مقذوفاً إسرائيلياً في يوم واحد، وهو أعلى مستوى منذ 21 حزيران.
وهذه تحديداً هي الديناميكية التي كان الاتفاق يهدف إلى إنهائها.
وهذا هو أيضاً سبب أهمية زيارة الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن في 21 تموز. فلم تكن الزيارة مهمة بسبب مراسمها، بل لأنها بدت وكأنها أرست الدعم السياسي الأميركي المطلوب لجعل عملية انتقال لبنانية بالغة الصعوبة أمراً ممكناً. وقد تعهد الرئيس دونالد ترامب بأن تساعد الولايات المتحدة لبنان بصورة كبيرة، بينما سعى عون إلى استمرار الدعم الأميركي للقوات المسلحة اللبنانية، وإلى ممارسة الضغط من أجل انسحاب إسرائيلي كامل.
وهذه الصفقة تخضع الآن للاختبار.
يريد لبنان أن تمد الدولة سلطتها على كامل أراضيها، وأن تتولى القوات المسلحة اللبنانية المسؤوليات الأمنية التي كانت، على مدى عقود، موزعة بين الدولة وجيوش أجنبية وتنظيمات مسلحة. كما يريد معالجة أسلحة حزب الله من خلال عملية تعيد في نهاية المطاف احتكار الدولة للقوة.
لكن النية السياسية وحدها لا يمكنها تحقيق هذه النتيجة. فلا تستطيع الدولة اللبنانية بصورة ذات صدقية أن تطلب من المجتمعات دعم نزع السلاح فيما تبقى القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية وتستمر العمليات العسكرية من حولها.
وهنا يجب أن يبدأ النقاش حول تفكيك حزب الله.
لا يعني التفكيك مجرد جمع الأسلحة. فمن الناحية السياسية العملية، يعني إنهاء الوظيفة الحمائية التي ادعت تلك الأسلحة أنها تؤديها. وفي لبنان، لطالما برر حزب الله ترسانته جزئياً بالحجة القائلة إن الدولة لا تستطيع حماية الأراضي اللبنانية من إسرائيل أو إرغام إسرائيل على الانسحاب من الأراضي المحتلة.
ولذلك، فإن أي عملية جادة لإنهاء الدور العسكري لحزب الله يجب أن تعالج هذه الحجة، لا أن تكتفي بإدانتها.
وهذا لا يمنح حزب الله حقاً غير محدد المدة في الاحتفاظ ببنية مسلحة خارج سلطة الدولة. بل إنه يعترف بأمر أكثر أساسية: إذا كانت الدولة اللبنانية ستستبدل منطق المقاومة المسلحة، فعليها أن تثبت أن مؤسسات الدولة قادرة على تحقيق النتائج الأمنية التي تدعي المقاومة أن الأسلحة الموجودة في أيدي حزب الله وحدها قادرة على توفيرها.
ويصبح ذلك أصعب بكثير عندما يصبح الانسحاب نفسه مشروطاً باتخاذ لبنان إجراءً مسبقاً.
ولذلك، فإن ترتيب الخطوات الحالي ينطوي على خطر خلق فخ يعزز نفسه بنفسه. تشير إسرائيل إلى أسلحة حزب الله باعتبارها سبباً للبقاء. ويشير حزب الله إلى استمرار الوجود الإسرائيلي باعتباره سبباً للاستمرار في حمل السلاح. وبينهما تقف دولة لبنانية يُطلب منها تفكيك أحد طرفي هذه المعادلة من دون أن تُمنح الوسائل لإزالة الطرف الآخر.
إذا استمر ذلك، فلن يضعف الاتفاق رواية حزب الله عن المقاومة. بل سيزوده بأدلة جديدة عليها.
الدولة مطالبة باستبدال أكثر من مجرد الأسلحة
لا يمكن لأي تقييم جاد لحزب الله أن يتعامل معه باعتباره مجرد مشكلة عسكرية خارجية تغذيها أطراف ثالثة.
لقد بُنيت قدراته على مدى عقود من خلال الدعم المالي والعسكري والأيديولوجي الإيراني، ولا سيما من جانب الحرس الثوري الإسلامي. وقد ربطت هذه العلاقة الأمن اللبناني باستراتيجية ردع إقليمية تشكلت إلى حد كبير خارج لبنان، وغالباً ما كانت لها عواقب مدمرة على البلاد.
لكن حزب الله أصبح أيضاً متجذراً داخل المجتمع اللبناني. فعلى مدى أربعة عقود، طور مؤسسات سياسية وشبكات اجتماعية وأنظمة للرعاية والحماية داخل مجتمعات كانت الدولة فيها غالباً ضعيفة أو غائبة. وقد دعم كثير من اللبنانيين، ولا سيما داخل الطائفة الشيعية، الحزب بسبب الأيديولوجيا، ولكن أيضاً لأن الحزب وفر أشكالاً من الأمن والمساعدة لم تكن المؤسسات العامة قادرة على توفيرها. ولذلك، فإن أي انتقال جاد بعيداً عن الدور المسلح لحزب الله يجب أن يوفر لأنصار الحزب في المجتمع الشيعي الثقة بأن حمايتهم ومكانتهم السياسية ومصالحهم الاجتماعية والاقتصادية لن تتراجع بمجرد أن تصبح أسلحة الحزب جزءاً من الدولة.
وقد أقر الرئيس عون نفسه بهذا التعقيد. وهذا أحد الأسباب التي تجعل المسألة لا يمكن اختزالها بصورة ذات صدقية في مجرد أمر بتسليم السلاح.
ويحتاج لبنان، بدلاً من ذلك، إلى عملية شاملة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج. وليس الهدف الحفاظ على الاستقلالية العسكرية لحزب الله تحت اسم آخر. بل ضمان أن يؤدي إنهاء هذه الاستقلالية إلى تعزيز الجمهورية بدلاً من إنتاج دورة جديدة من عدم الاستقرار.
وهذا يعني إيجاد الظروف التي تستطيع فيها مؤسسات الدولة فعلياً أن تحل محل الوظائف التي أدتها الهياكل الموازية.
ويحتاج المقاتل الذي يغادر تنظيماً مسلحاً إلى مستقبل مدني موثوق. وتحتاج المجتمعات التي اعتمدت على المؤسسات المرتبطة بحزب الله إلى خدمات عامة فاعلة وحكم محلي قادر على أداء وظائفه. وتحتاج البلدات الجنوبية التي دمرتها الحرب مراراً إلى إعادة الإعمار وفرص العمل والنشاط الاقتصادي. كما يحتاج المواطنون الذين يُطلب منهم أن يضعوا أمنهم حصراً في أيدي الدولة إلى أن يروا أن الدولة قادرة على حمايتهم.
ومن هذا المنظور، فإن الانسحاب الإسرائيلي الكامل ليس مطلباً دبلوماسياً منفصلاً يقف إلى جانب تفكيك البنية العسكرية. بل هو أحد الشروط التي تجعل عملية التفكيك ذات صدقية سياسية.
التزام واشنطن يجب الآن أن يتحول إلى سياسة
ولهذا السبب أيضاً، أصبحت الالتزامات التي قُطعت خلال زيارة الرئيس عون إلى واشنطن الآن أكثر أهمية من الزيارة نفسها.
لقد أوضح لبنان الاتجاه الذي يريد أن يسلكه. فهو يريد للقوات المسلحة اللبنانية أن توسع سلطة الدولة. ويريد أن توضع الأسلحة تحت سلطة المؤسسات الشرعية. وما ينقصه هو بعض الشروط المادية والسياسية اللازمة لإتمام هذا الانتقال.
وتستطيع الولايات المتحدة التأثير في الأمرين معاً.
وينبغي الآن أن يترجم تعهد ترامب بدعم لبنان والقوات المسلحة اللبنانية إلى مساعدة عسكرية مستدامة، وتدريب، ودعم مؤسسي يتناسب مع ما يُطلب من الجيش القيام به. فمن المتوقع أن ينتشر الجيش اللبناني في أنحاء أراضٍ متنازع عليها، وأن يفرض نظاماً أمنياً جديداً، وأن يسهل عودة المدنيين، وأن يتولى في نهاية المطاف مسؤوليات كان حزب الله يمارسها سابقاً. ولا يمكن تحقيق ذلك بمجرد إعلان أن الجيش هو الجهة الأمنية الشرعية، ثم توقع أن تأتي القدرات تلقائياً.
ولا يمكن كذلك فصل المسألة العسكرية عن إعادة الإعمار.
لقد ألحقت سنوات من الصراع أضراراً بالمنازل والطرق والأعمال التجارية والبنية التحتية العامة، ولا سيما في جنوب لبنان. وتحاول البلديات خدمة السكان العائدين، فيما تعمل ضمن اقتصاد لا يزال يعاني من تداعيات سنوات الانهيار المالي. وإذا كان من المتوقع أن تصبح الدولة المصدر الرئيسي للسلطة في هذه المجتمعات، فعلى المؤسسات التي يتعامل المواطنون من خلالها مع الدولة أن تكون قادرة على أداء وظائفها.
وهذا يتطلب تمويل إعادة الإعمار، وبلديات قادرة، وإصلاحاً اقتصادياً، ومؤسسات عامة قادرة على تقديم الخدمات من دون دفع المواطنين مجدداً إلى أنظمة التبعية الحزبية. وهذه ليست مسائل إنمائية هامشية ملحقة باتفاق أمني. بل إنها تحدد ما إذا كان انتقال السلطة بعيداً عن حركة مسلحة يمكن أن يستمر.
ومن ثم، فإن الدعم الأميركي للقوات المسلحة اللبنانية ليس سوى مكوّن واحد من الالتزام الذي قطعته واشنطن في تموز. أما المكوّن الثاني فهو سياسي.
ولا يمكن السماح لإسرائيل بتحويل الانسحاب إلى مكافأة مؤجلة إلى أجل غير مسمى لقاء أداء لبنان. فالجيش اللبناني يحتاج إلى الوصول إلى الأراضي التي يُطلب منه السيطرة عليها، والحكومة اللبنانية تحتاج إلى أن تثبت لشعبها أن اختيار سلطة الدولة يؤدي إلى سيادة فعلية.
لقد ساعدت واشنطن في بناء الاتفاق تحديداً لأن أياً من الطرفين لم يكن قادراً على حل مشكلة ترتيب الخطوات بمفرده. ولا يمكن أن ينتهي دورها بمجرد توقيع الإطار.
لا يمكن لاتفاق أن يصمد من دون المعاملة بالمثل
إن الجمود الحالي بالغ الخطورة بصورة خاصة لأن لبنان يحاول تنفيذ هذا الانتقال في إطار مواجهة أوسع تشمل إسرائيل وإيران والولايات المتحدة، ولا تزال هذه المواجهة شديدة عدم الاستقرار.
لقد طغت الصراعات الإقليمية مراراً على السياسة اللبنانية، وهي صراعات لا يملك لبنان سوى قدر محدود من السيطرة عليها. وكانت عملية التفاوض الحالية بين لبنان وإسرائيل، بوساطة الولايات المتحدة، مهمة تحديداً لأنها أتاحت سبيلاً محتملاً لعزل الأمن اللبناني عن هذا النمط، من خلال إعادة قرارات الحرب والسلام والدفاع عن الأراضي إلى الدولة.
إن استمرار الوجود الإسرائيلي لفترة طويلة سيدفع لبنان في الاتجاه المعاكس.
وسيتمكن منتقدو الاتفاق من القول إن بيروت وافقت على التزامات كبيرة، فيما احتفظت إسرائيل بالسيطرة على الأراضي وبحرية العمل العسكري. وسيقول حزب الله إن المفاوضات فشلت في تحقيق الانسحاب الإسرائيلي، وإن وجوده المسلح لا يزال بالتالي ضرورياً للأمن اللبناني. وستكون لدى إيران كل الحوافز لتشجيع هذه الخلاصة.
وستواجه واشنطن عندها نتيجة تتعارض بصورة شبه كاملة مع أهدافها المعلنة: إذ إن اتفاقاً كان يهدف إلى تعزيز الدولة اللبنانية وتقليص الدور العسكري لحزب الله سيعيد، بدلاً من ذلك، إنتاج الظروف التي تستمد منها مطالبة حزب الله بالمقاومة المسلحة قوتها السياسية.
ويتطلب تجنب هذه النتيجة معاملة متبادلة في التطبيق، لا على الورق فقط.
يحتاج لبنان إلى مؤسسات أقوى، وجيش قادر، وإصلاح اقتصادي، ومسار جدي يتولاه اللبنانيون لمعالجة الأسلحة الموجودة خارج سلطة الدولة بصورة نهائية. وتحتاج الولايات المتحدة إلى مواصلة دعم هذه المؤسسات واستخدام نفوذها للحفاظ على مسار الانسحاب الإسرائيلي. وتحتاج إسرائيل إلى التخلي عن الأراضي اللبنانية بدلاً من استخدام استمرار احتلالها وسيلة للضغط من أجل فرض نتائج سياسية داخلية في لبنان.
هذه ليست مطالب متنافسة. بل هي الشروط التي يستطيع الاتفاق في ظلها أن يعمل.
طريق إلى السلام قائم بالفعل
ولا ينبغي كذلك الخلط بين المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل ورفض السلام.
لا يزال لبنان جزءاً من موقف عربي لطالما طرح مساراً تفاوضياً نحو تسوية أوسع. فقد أرست مبادرة السلام العربية، التي أُقرت في بيروت عام 2002، مبدأ تطبيع العلاقات مع إسرائيل في سياق الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة والتوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
ولا تكمن أهميتها اليوم في الحنين إلى وثيقة دبلوماسية كُتبت قبل نحو ربع قرن، بل في أن السلام الدائم لا يزال يتطلب معالجة الاحتلال بدلاً من إدارته إلى أجل غير مسمى.
ولا يمكن فصل السلام والأمن في لبنان بصورة كاملة عن تلك التسوية الأوسع. كما لا يمكن بناء لبنان ذي سيادة على أساس دورة دائمة يُستدعى فيها العمل العسكري الإسرائيلي لتبرير استخدام الأسلحة خارج الدولة، ثم يُستدعى وجود تلك الأسلحة لتبرير استمرار العمل العسكري الإسرائيلي.
لقد أتاح الاتفاق الذي وُقّع هذا الصيف فرصة نادرة للبدء في تفكيك هذه الدورة. ولم تختفِ هذه الفرصة، لكن لكي ينجح هذا الانتقال، يجب أن يرى المواطنون اللبنانيون أن الدولة قادرة على استعادة الأراضي من خلال الدبلوماسية، والدفاع عنهم من خلال المؤسسات الوطنية، وتقديم شيء أكثر استدامة من رواية الصراع الذي لا ينتهي، والتي يريد حزب الله إعادة بناءها.
Just Security
The link:
September\17\2026
Don’t Let Lebanon’s Peace Agreement Prove Hezbollah Right
