ميشال عيسى في زوطر الغربية: واشنطن تختبر اتفاق الإطار ميدانياً
مصدر دبلوماسي
خاص
لم تكن زيارة السفير الأميركي لدى لبنان ميشال عيسى إلى زوطر الغربية أمس مجرد جولة في الجنوب اللبناني، بل جاءت في توقيت سياسي دقيق يجعل منها محطة ميدانية في مسار اتفاق الإطار الذي ترعاه واشنطن بين لبنان وإسرائيل. فالسفير اختار إحدى المناطق التجريبية لمعاينة الواقع على الأرض، في وقت لا تزال فيه ترتيبات الاتفاق تواجه تحديات مرتبطة بالانسحاب الإسرائيلي، وانتشار الجيش اللبناني، وعودة السكان إلى بلداتهم.
وتكتسب زوطر الغربية أهمية خاصة لكونها تقع شمال نهر الليطاني، ضمن قضاء النبطية، وتشكل إحدى المناطق التجريبية في المرحلة الأولى من اتفاق الإطار. وهي تمثل في هذا المسار حالة لافتة، إذ انتقل إليها الجيش اللبناني بعد انسحاب القوات الإسرائيلية منها، ما يجعلها اختباراً عملياً لمدى قدرة الدولة اللبنانية على تثبيت حضورها في منطقة كانت خاضعة للوجود العسكري الإسرائيلي.
وقد شملت جولة عيسى زوطر الغربية وجسر قعقعية الجسر، الذي أعيد تأهيله بعد تدميره خلال الحرب، فيما اطلع على الواقع الميداني ودور الجيش اللبناني. واكتسبت الجولة دلالة إضافية مع استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في المنطقة المقابلة في زوطر الشرقية بما في ذلك التحركات العسكرية وتحليق المسيّرات، وفق التقارير الميدانية.
بيان السفارة ورسالة واشنطن
بعد الجولة، أصدرت السفارة الأميركية بياناً أكدت فيه أن عيسى زار جنوب لبنان «لتقييم الأوضاع على الأرض والاطلاع مباشرة على التقدم المحرز والتحديات في المناطق التجريبية”.
وأضافت أن الولايات المتحدة «تواصل التزامها بدعم الحكومة اللبنانية والقوات المسلحة اللبنانية في تعزيز سلطة الدولة، وحماية المدنيين، وتوفير الخدمات، وتهيئة الظروف اللازمة للمساعدة في تحقيق سلام واستقرار دائمين»، مؤكدة أنها «ستواصل العمل مع جميع الأطراف المعنية لدعم مزيد من الأمن والاستقرار في جنوب لبنان».
ونقل البيان عن عيسى قوله إنه تمكن خلال زيارته من «معاينة التحديات التي تواجه المجتمعات المحلية»، مضيفاً أنه «يتعاطف بشدة مع السكان الذين عانوا من النزوح وعدم اليقين»، وأنه يتفهم «رغبتهم الملحة في العودة إلى منازلهم وإعادة بناء حياتهم بأمان وكرامة”.
وتكشف هذه الصياغة أن واشنطن لا تنظر إلى المناطق التجريبية من زاوية عسكرية فحسب فالمعادلة التي تطرحها تشمل انتشار الجيش اللبناني وتعزيز سلطة الدولة، بالتوازي مع حماية المدنيين وتوفير الخدمات وتهيئة الظروف لعودة السكان. وبذلك يصبح نجاح التجربة مرتبطاً بقدرة الدولة على استعادة وظائفها الطبيعية في الجنوب، وليس بمجرد انتشار عسكري محدود.
كما أن زيارة جسر قعقعية الجسر تحمل بعداً يتجاوز البنية التحتية. فإعادة فتح طرق الربط بين مناطق الجنوب تعني استعادة جانب من الحركة الطبيعية للسكان، وهو ما ينسجم مع تركيز عيسى على العودة وإعادة بناء الحياة اليومية في البلدات المتضررة.
عيسى بين بيروت والجنوب وواشنطن
تأتي الزيارة في سياق مواقف لافتة أطلقها عيسى خلال الأسابيع الأخيرة. فقد أكد أن واشنطن مستعدة للتفاوض مع حزب الله، لكن من خلال الدولة اللبنانية، في إشارة إلى أن أي مسار سياسي يتعلق بمستقبل لبنان ينبغي أن يمر عبر المؤسسات الرسمية.
ولا يعني ذلك تغييراً في الموقف الأميركي من مسألة سلاح حزب الله، التي لا تزال واشنطن تضعها ضمن أولوياتها، لكنه يعكس تركيزاً متزايداً على الدولة اللبنانية باعتبارها قناة التفاوض والجهة التي يفترض أن تضطلع بتنفيذ الترتيبات الأمنية والسياسية.
ومن هنا تبدو زيارة زوطر الغربية امتداداً عملياً لهذا الخطاب. فعيسى انتقل من الحديث في بيروت عن الدولة والجيش والتفاوض إلى منطقة يفترض أن تكون نموذجاً لاختبار هذه المعادلة على الأرض.
وتزداد أهمية تحركاته بالنظر إلى علاقته بالرئيس الأميركي دونالد ترامب. فعيسى، رجل الأعمال اللبناني الأصل، اختاره ترامب سفيراً للولايات المتحدة في لبنان، ويرتبط به بعلاقة شخصية قديمة، وقد وُصف بأنه صديق شخصي للرئيس الأميركي. ولا يعني ذلك أن كل موقف يصدر عن السفير هو بالضرورة موقف شخصي من ترامب، إلا أن قربه من الرئيس يضيف إلى موقعه السياسي أهمية خاصة، ولا سيما في ملف يحظى باهتمام مباشر من الإدارة الأميركية.
وتتحرك واشنطن في الوقت نفسه على أكثر من خط: اتصالات مع المسؤولين اللبنانيين، تواصل مع الجانب الإسرائيلي، دعم للجيش اللبناني، ومحاولة إبقاء مسار التفاوض قائماً. وفي هذا السياق، تأتي زيارة عيسى إلى زوطر الغربية كعملية تقييم ميداني قبل الانتقال إلى مراحل جديدة من اتفاق الإطار.
فالسؤال العملي بالنسبة إلى واشنطن هو مدى قابلية النموذج التجريبي للتوسع: هل يستطيع الجيش اللبناني تثبيت حضوره؟ هل يمكن للسكان العودة؟ هل تستطيع الدولة إعادة الخدمات والبنية التحتية؟ وهل تقابل الخطوات اللبنانية خطوات إسرائيلية تسمح بتقدم المسار؟
لذلك، فإن أهمية زيارة ميشال عيسى لا تكمن في كونها جولة لسفير أميركي في بلدة جنوبية فحسب، بل في أنها تنقل جزءاً من اختبار اتفاق الإطار من غرف التفاوض إلى الأرض نفسها.
وفي زوطر الغربية، الواقعة شمال الليطاني، يبرز الاختبار بصورة واضحة: الجيش اللبناني موجود، السكان ينتظرون العودة وإعادة الإعمار والواقع الإسرائيلي لا يزال حاضراً في المناطق المقابلة. وبين هذه الوقائع تحاول واشنطن اختبار ما إذا كان التفاهم السياسي الذي ترعاه يمكن أن يتحول إلى ترتيبات ميدانية مستقرة وقابلة للتوسع.