الدكتورة رانيا المشاط
“مصدر دبلوماسي”
بقلم نبيل أبو ضرغم*
عيّن الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في تاريخ 20 نيسان/أبريل 2026 الدكتورة رانيا المشاط (جمهورية مصر العربية) أمينة تنفيذية للجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا) خلفاً للدكتورة رولا دشتي (الكويت). وأعرب عن تقديره لخدمات الدكتورة دشتي المخلصة للمنظمة. كما وجّه الشكر للدكتور مراد وهبة (مصر) الذي سيواصل مهامه أميناً تنفيذياً بالإنابة لحين تولي الدكتورة المشاط مهام منصبها.
وبتعيين الدكتورة المشاط تكون مصر قد ترأست الإسكوا لثلاث عهود منذ تأسيسها عام 1973، بعد الدكتور حازم الببلاوي (2000-1999) والدكتورة مرفت تلّاوي (2007-2000).
الببلاوي
ولا بدّ من توجيه التحيّة إلى مصر التى قدمت للإسكوا أمينين تنفيذيين سابقين من أكفأ القيادات. فالدكتور حازم الببلاوي الشديد الضمير يُعد من المرجعيات الاقتصادية والمالية وله مؤلفات متعددة كانت تُدرّس على المستوى الجامعي في المنطقة العربية والخارج.
وهو الأمين التنفيذي الذي عمل في نهاية التسعينات من القرن الماضي مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري ووزير الخارجية آنذاك فارس بويزعلى عودة الإسكوا إلى مقرّها النهائي والدائم في بيروت. وبذلك أصبحت العاصمة اللبنانية أحد المقرّات الإقليمية الرئيسية للأمم المتحدة. وهو الأمين التنفيذي الذي أرسى عملية التوظيف على قاعدة الامتحانات الخطيّة والمقابلات المهنية الشفافة التي أشرف عليها شخصياً بعيد وصول الإسكوا إلى بيروت لتتمركز في ساحة رياض الصلح في مقرٍّ أُنجز في مدة قصيرة وشكّل علامة فارقة من ناحيةِ الهندسة والبُنى التحتية.

تلّاوي
أما الدكتورة مرفت تلّاوي، فكانت هي نقطة التحول الجذرية في مسيرة الإسكوا. ففي عهدها حازت اللجنة على اهتمام الإعلام اللبناني والعربي من خلال الأحداث الهادفة إلى التكامل الإقليمي التي وضعتها على برامج العمل ونظمتها في لبنان والمنطقة ومن خلال خطة للإعلام والعلاقات العامة أشرفت عليها وتابعتها، فأصبحت اللجنة قبلة الموفدين العرب والدوليين وأصحاب الإنجازات المتميّزة.
وخلال عهدها نال لبنان بجهودها جائزة الأمم المتحدة للإعمار التي يمنحها برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية من خلال إنجازات الرئيس رفيق الحريري في إعادة الإعمار. وهي الأمينة التنفيذية التي ساندت موظفي الإسكوا، محليين ودوليين، في آمالهم وتطلعاتهم المهنية وبالأخص خلال الظروف القاسية التي عانوا منها في حرب العام 2006. وهي الأمينة التنفيذية الأولى بتاريخ الإسكوا التي منحها رئيس الجمهورية اللبنانية آنذاك العماد إميل لحود وسامين رفيعين تقديراً لنوعية عملها وخدماتها وعلاقاتها الودية المتساوية مع المكوّنات اللبنانية من دون استثناء. ولن تفي هذه السطور حق مرفت تلّاوي.

فربما يستطيع ذلك الإعلامي الراقي شادي معلوف في الكتاب الذي يعدّه حول سيرة أحد الموظفين الدوليين السابقين. إلا أن سيرة مرفت تلّاوي في الإسكوا يُمكن أن تُختصر بما قاله سفير المملكة العربية السعودية آنذاك الدكتور عبد العزيز بن محي الدين خوجه خلال تكريمها أمام حشدٍ من الشخصيات الوزارية والدبلوماسية: تذهبين مرتاحة الضمير.
المشاط
ولم يأتِ تعيين الدكتورة رانيا المشاط على رأس الإسكوا صدفة. فالأمين العام أنطونيو غوتيريش يعلم ويعي وضع الإسكوا وظروفها من الناحيتين الموضوعية والإدارية ويعلم ما تحتاجه حالياً من خبرات إستثنائية على رأس أمانتها التنفيذية في مرحلة يواجه فيها العالم تحديات كبيرة على كافة الصعد وتواجه فيها المنطقة العربية ضغوطاً سياسية واقتصادية واجتماعية مصيرية يجب أن تدفع بالإسكوا لأن تكون جاهزة لدعم الدول ال21 الأعضاء بسياسات اقتصادية واجتماعية قادرة على مواجهة التحديات وتحويلها إلى فرصٍ وخطوات عملية قابلة للتنفيذ.

كما يعي غوتيريش أهمية وجود مقرّ الإسكوا في لبنان الذي يشكّل مهداً رحباً للفكر الحرّ وحرّية التعبير والذي لا يخلو من التعقيدات في مكوّناته السياسية والاجتماعية والثقافية وهذا تطلّبَ شخصية عليمة بتاريخه وشخصية إيجابية تتعامل مع مكوّناته بحكمةٍ ودراية. ومنذ دراستها الجامعية ومن ثم كمشاركة في مواقع المسؤولية وفي ضوء خبراتها العالية في مجال الدبلوماسية الاقتصادية، آمنت الدكتورة رانيا المشاط بأهمية التعاون متعدد الأطراف في تأكيدٍ على أن الدول لا تستطيع مواجهة تحديات عالم اليوم بمفردها.
ومع انتقالها إلى دورها على رأس الإسكوا، تؤكد الأمينة التنفيذية الجديدة على ان الدول الأعضاء، بالرغم من خصوصيتها، “تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية مشتركة ما يجعل التعاون الإقليمي ليس أمراً مهماً فحسب بل ضرورة حقيقية. وعلى هذا المستوى يمكن ترجمة الأطُر العالمية إلى سياساتٍ قابلة للتنفيذ، ويمكن للدول تبادل الخبرات، ويمكن أن تنشأ حلولٌ مهمة مُصممة وفقاً لخصوصية كل حالة”.
هذا الفكر الإنمائي الإستراتيجي والإيجابي الذي تتمتع به الأمينة التنفيذية الجديدة في الإسكوا إذا ما اقترن برؤية إدارية مبنية على الشفافية والعدالة والتوازن يعززُها وجود فريق عملٍ من الموظفين والمستشارين، محليين ودوليين، يفكرون بنيّات وذهنية صافية وبمصلحة الأجيال العربية ومستقبلها بعيداً عن المصالح الشخصية، سوف يسمح للإسكوا بأن تقوم بخطوات تاريخية نحو المستقبل تجعلُها صرحاً رئيسياً لصياغة سياسات إنمائية “أكثر تركيزاً على الإنسان”، ولاقتراح آليات للتنفيذ وإظهار النتائج الملموسة في هذا الإطار. وإذا ما استطاعت الإسكوا أن تتقدم في خطواتٍ ثابتة في هذا الإتجاه، ستصبح الدنيا أمامَها واسعة… وواسعة للغاية!!!
*نبيل طي ابو ضرغم: رئس مركز الامم المتحدة للاعلام في بيروت، في فترة دقيقة شهدت تحرير الرهائن الغربيين، من خلال وساطة للأمم المتحدة.وهو المسؤول الاعلامي الاسبق في الاسكوا وكان مساعدا خاصا للأامين التنفيذي بين عامي 2008 و2010.