عنوان صحيفة نداء الوطن اليوم: كلّن رح يفلوا ويبقى مسيحيو الجنوب
“البوصلة”
كتبت مارلين خليفة
من وحي غلاف صحيفة “نداء الوطن” اليوم الاربعاء في 1 نيسان\ابريل 2026
“كلن رح يفلوا ويبقى مسيحيو الجنوب
في الجنوب، لا أحد يسأل عن طائفتك حين يبدأ القصف.
ولا أحد يملك ترف أن يختار كيف يخاف، أو متى ينزح، أو لماذا يبقى.
هناك، كل شيء أبسط وأقسى في آن: إمّا أن تنجو، أو تعيش على حافة النجاة.
لهذا يبدو مؤلماً، بل جارحاً، أن يخرج خطاب إعلامي يوحي وكأن هناك من سيبقى لأنه “مختلف”، ومن سيرحل لأنه “يشبه الآخرين”. وكأن الجنوب يمكن تقسيمه إلى حكايتين: واحدة لمسيحييه، وأخرى لسائر أبنائه. الحقيقة التي يعرفها الناس هناك، والتي لا تحتاج إلى تنظير، هي أن الوجع واحد، والخطر واحد، والمصير غالباً واحد أيضاً.
المسيحيون الذين بقوا في قرى الجنوب ليسوا مشهداً منفصلاً، ولا قصة تُروى بمعزل عن محيطها. هم جزء من هذا المكان، من تفاصيله اليومية، من خوفه الجماعي، ومن صموده أيضاً. يعيشون الحرب كما يعيشها جيرانهم، يتقاسمون القلق نفسه، ويعدّون الأيام الثقيلة نفسها، ويواجهون الغياب والخسارة نفسها. لا أحد هناك “أكثر صموداً” من أحد، ولا أحد “أقل خوفاً” من أحد.
حين نضع الناس في قوالب كهذه، نرتكب ظلماً مزدوجاً: نظلم الذين بقوا لأننا نحولهم إلى عنوان سياسي أو طائفي، ونظلم الذين اضطروا إلى المغادرة لأننا نلمّح إلى أن رحيلهم خيار أو ضعف. بينما الحقيقة أبسط بكثير: كل واحد تصرّف وفق ما استطاع، وفق ظروفه، وفق ما سمحت به حياته.
في الجنوب، قد تجد بيتاً مسيحياً مفتوحاً لجيرانه، وبيتاً شيعياً يحتضن من نزح، ولن تعرف أين تبدأ الطائفة وأين تنتهي. لأن ما يجمع الناس هناك ليس الشعار، بل الحاجة، والخوف، والرغبة في البقاء أحياء. هذه التفاصيل الصغيرة، اليومية، هي الحقيقة التي تغيب حين تختصرها عناوين كبيرة، قاسية، ومجتزأة.
ليس المطلوب الدفاع عن فئة في وجه أخرى، بل رفض هذا المنطق من أساسه. رفض فكرة أن نرى الناس من خلال انتماءاتهم فقط، خصوصاً في لحظة هشّة كهذه. لأن أخطر ما يمكن أن نفعله، ونحن نعيش حرباً، هو أن نضيف إليها حرباً أخرى: حرب الكلمات، والتصنيفات، والتمييز.
إذا أردنا أن نكتب بصدق عن مسيحيي الجنوب، فلنكتب عنهم كما هم: أناس عاديون في ظروف غير عادية. نخاف معهم، لا عنهم. نرى تعبهم، لا نستخدمه. نضع قصصهم في سياقها الطبيعي، لا في إطارٍ يفصلهم عن محيطهم.
الجنوب لا يُختصر بطائفة، ولا يُروى بلون واحد.
ومن بقي فيه، أيّاً كان، لا يحتاج إلى من يميّزه… بل إلى من يفهمه.
في النهاية، النجاة لا دين لها.
والألم أيضاً.
