إجتماع رئيس الحكومة نواف يلام ووزير الخارجية اللبناني يوسف رجي مع الرئيس الايراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي في نيويورك طرح قضية السفير الايراني في لبنان محمد رضا شيباني وبرز تشبث ايراني بتثبيته سفيرا في لبنان
“مصدر دبلوماسي”
نيويورك
خاص
دخلت الدورة الحادية والثمانون للجمعية العامة للأمم المتحدة أسبوعها رفيع المستوى تحت عنوان «استعادة الثقة، وإدارة التحول: أمم متحدة تحقق النتائج للجميع»، في لحظة دولية شديدة الاضطراب تتداخل فيها الحروب في الشرق الأوسط وأوكرانيا مع أزمة النظام المتعدد الأطراف، وأمن الطاقة والممرات البحرية، ومستقبل الذكاء الاصطناعي، وإصلاح المؤسسات الدولية. وشارك في المناقشة العامة نحو 130 رئيس دولة وحكومة، فيما اتخذت نيويورك مرة أخرى موقعاً مركزياً للقاءات الثنائية التي تجاوزت في كثير من الأحيان ما طرح رسمياً من على منبر الجمعية.
واللافت أن هذه الدورة كانت أيضاً آخر دورة عامة يخاطبها الأمين العام أنطونيو غوتيريش في نهاية ولايته. ففي كلمته الافتتاحية حذر من عالم يتعمق فيه الانقسام، ومن الاعتقاد بأن القوة العسكرية وحدها تستطيع تحقيق السلام، ودعا إلى إعادة بناء الثقة والتعاون المتعدد الأطراف وإصلاح مجلس الأمن. كما وضع الحروب في غزة وأوكرانيا، والتفاوت الاقتصادي، وتغير المناخ، والذكاء الاصطناعي غير المنظم، ضمن منظومة واحدة من التحديات التي لا تستطيع الدول مواجهتها منفردة.
أولاً: المشهد العام – الجمعية العامة كساحة لإدارة الأزمات أكثر منها لصنع تسويات
يمكن تلخيص حصيلة الأسبوع الأول من المناقشة العامة بأن الجمعية العامة تحولت إلى منصة لتثبيت المواقف وإدارة الاتصالات أكثر من كونها مكاناً لإبرام اتفاقات كبرى.
فالحرب بين الولايات المتحدة وإيران احتلت موقعاً مركزياً في النقاش، ليس فقط بسبب الملف النووي، بل بسبب مضيق هرمز والطاقة والملاحة الدولية، فيما امتد الصراع إلى اليمن عبر هجمات الحوثيين على السعودية والممرات البحرية.
وفي الوقت نفسه بقيت غزة وفلسطين في قلب النقاشات العربية والأوروبية، بينما حضرت أوكرانيا بقوة في اللقاءات الأميركية ـ الأوروبية والأوكرانية، مع محاولة واشنطن الدفع نحو مسار تفاوضي جديد.
أما لبنان، فكان حاضراً بصورة مختلفة: ليس فقط باعتباره دولة متأثرة بالصراع الإقليمي، بل باعتباره ملفاً سياسياً قائماً بذاته يحاول إعادة تعريف علاقته بإسرائيل وإيران وسوريا والمجتمع الدولي، بالتوازي مع اقتراب انتهاء مهمة اليونيفيل.
ثانياً: أنطونيو غوتيريش – آخر خطاب أمام الجمعية العامة وتحذير من انهيار الثقة الدولية
كان خطاب غوتيريش أحد أهم الخطابات السياسية في افتتاح المناقشة العامة، لأن الأمين العام لم يكتفِ بعرض أزمات السنة، بل قدم نوعاً من حصيلة عقد أمضاه على رأس المنظمة.
حذر غوتيريش من أن العالم يشهد تراجعاً في الثقة بالقانون الدولي والمؤسسات متعددة الأطراف، وأن القوى الكبرى لا تستطيع وحدها حل أزمات العالم. وربط بين الحروب واللامساواة والتغير المناخي والتكنولوجيا غير المنضبطة، مؤكداً أن الأمم المتحدة أنشئت تحديداً للتعامل مع مثل هذه الأزمات.
وفي الملف الأوكراني، كان موقفه مباشراً: وصف الغزو الروسي واسع النطاق بأنه انتهاك لميثاق الأمم المتحدة، ودعا إلى الدفاع عن الميثاق «من دون معايير مزدوجة.
أما الرسالة الأوسع فكانت أن إصلاح النظام الدولي لم يعد ترفاً مؤسسياً. فغوتيريش أعاد طرح إصلاح مجلس الأمن وتمثيل إفريقيا بصورة أكثر عدلاً، في وقت تشهد فيه الأمم المتحدة نفسها أزمة ثقة بين القوى الكبرى.
ثالثاً: الولايات المتحدة وإيران – المواجهة النووية تتحول إلى أزمة هرمز وطاقة وممرات بحرية
كان الملف الإيراني ـ الأميركي الأكثر سخونة في نيويورك.
ترامب: ضغط أقصى مع إبقاء باب الصفقة مفتوحاً
ألقى الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطابه في 22 أيلول، ووجه رسالة شديدة اللهجة إلى إيران، محذراً من أن بلاده يمكن أن «تقضي» على إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سلام، ودعا الدول الأخرى إلى المشاركة في عزل إيران اقتصادياً. وفي الوقت نفسه قال إنه يتوقع إمكانية التوصل إلى اتفاق بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في 3 تشرين الثاني.
وهنا ظهر التناقض الأساسي في الموقف الأميركي: خطاب تهديدي شديد، بالتوازي مع إبقاء احتمال التفاوض قائماً.
إيران: هرمز يصبح ورقة تفاوض
قبل خطاب ترامب، كانت طهران قد نقلت عبر وسطاء استعدادها لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام إذا خففت واشنطن الضغط العسكري ورفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية، مع العودة إلى المسار الدبلوماسي. وأكد مسؤول إيراني أن وفد بلاده الموجود في نيويورك يملك صلاحية إعادة إحياء الدبلوماسية مع واشنطن.
لكن ترامب رفض المقترح الإيراني، في حين أصر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على أن طهران مستعدة للتفاوض لكنها لن تقبل لغة القوة أو الإكراه. وفي خطابه أمام الجمعية العامة اتهم بزشكيان الولايات المتحدة بانتهاج «عقلية تنمر»، لكنه كرر في الوقت نفسه استعداد إيران لحل التوتر عبر المفاوضات. وغادرت البعثة الأميركية القاعة عند بدء خطابه.
لماذا هرمز مهم؟
المسألة لم تعد نووية فقط. مضيق هرمز أصبح جزءاً من بنية التفاوض نفسها، لأن تعطيل الملاحة يهدد الطاقة العالمية ويضع دول الخليج أمام خطر اقتصادي وأمني مباشر.
ولهذا طرحت الولايات المتحدة، بالتوازي، مبادرة مع حلفائها العرب لتطوير بنية تحتية بديلة للطاقة يمكنها تجاوز هرمز جزئياً، بينما بدأت فرنسا البحث في مشروع قرار لمجلس الأمن يتعلق بحماية حرية الملاحة في المضيق.
وهذا يعني أن الأزمة الإيرانية تحولت من نزاع أميركي ـ إيراني إلى أزمة دولية في أمن الطاقة والملاحة والنظام الاقتصادي العالمي.
رابعاً: السعودية واليمن والحوثيون – انتقال الأزمة من حرب يمنية إلى أزمة أمن إقليمي
كان الملف اليمني حاضراً بقوة في نيويورك، خصوصاً بعد تحول الحوثيين إلى عنصر مباشر في المواجهة مع السعودية والممرات البحرية.
في 21 أيلول، أصدر وزراء خارجية مجموعة السبع بياناً دعوا فيه إيران إلى وقف تسليح ودعم الحوثيين، ووصفوا الهجمات الحوثية في اليمن وعلى السعودية بأنها تصعيد غير مقبول يهدد التجارة العالمية والاستقرار الدولي. وطالبوا الحوثيين بوقف الهجمات على الملاحة المدنية والعودة إلى المسار السياسي
وفي 22 أيلول، أصدرت تركيا ومصر والسعودية وباكستان بياناً مشتركاً أكد حق السعودية في الدفاع عن نفسها وفق القانون الدولي، ودعا إلى حماية الملاحة وإيجاد حلول سياسية للأزمة اليمنية.
أما وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، فاختار الجمعية العامة نفسها لرفع سقف الرسالة. ففي كلمته يوم 26 أيلول، دعا إلى تعاون دولي جدي لحماية حرية الملاحة، وطالب بإعادة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل 28 شباط، ورفض استخدام الممرات البحرية الحيوية أداة للضغط أو التهديد. كما ربط بين هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن باعتبارها منظومة واحدة لأمن الطاقة والتجارة العالمية. (وهنا تظهر نقطة مهمة: السعودية لا تتعامل مع اليمن كملف منفصل عن إيران. فالموقف السعودي في نيويورك وضع الحوثيين ضمن معادلة أوسع تتعلق بأمن المملكة وأمن الملاحة والطاقة.
خامساً: الاجتماع العربي ـ الإسلامي مع ترامب – محاولة لصياغة ترتيب إقليمي جديد
من أهم اجتماعات نيويورك ذلك الذي عقده الرئيس ترامب مع قادة ومسؤولين عرب ومسلمين، وشارك فيه ممثلون عن السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان ومصر والأردن والعراق وسوريا ولبنان وتركيا.
تناول الاجتماع الأمن الإقليمي وتداعيات الحرب على إيران، وأمن الملاحة والطاقة، والترتيبات المحتملة لمرحلة ما بعد الحرب.
وجود لبنان وسوريا إلى جانب دول الخليج وتركيا ومصر والأردن والعراق في هذا الإطار مهم بحد ذاته، لأنه يعكس محاولة أميركية لطرح الأمن الإقليمي في إطار جماعي بدلاً من معالجة كل ساحة منفصلة.
ومن الواضح أن ملفي هرمز واليمن كانا حاضرين في الخلفية، لأن أمن الطاقة والممرات البحرية بات أحد العناصر التي تجمع دول المنطقة حتى عندما تختلف في ملفات أخرى.
سادساً: لبنان – الحضور الأبرزوالأكثر تماسكاً في السياسة الخارجية اللبنانية
لبنان لم يذهب إلى نيويورك فقط لعرض موقف من الحرب الإسرائيلية، بل حاول رئيس الحكومة نواف سلام أن يقدم تصوراً متكاملاً لمستقبل الدولة اللبنانية وعلاقاتها الإقليمية والدولية.
وكانت زيارة سلام مكثفة على مستوى اللقاءات. ففي 21 أيلول التقى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، كما استقبل السيناتورة الأميركية جين شاهين. وفي اليوم نفسه التقى رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني. (
وفي 22 أيلول عقد لقاءات مع الملك عبدالله الثاني، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، والرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب، ورئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي، ووزير الخارجية البحريني عبداللطيف الزياني، إضافة إلى السيناتورة الأميركية جين شاهين، كما شارك في الاجتماع المتعدد الأطراف الذي دعا إليه ترامب.
وفي 24 أيلول التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، والرئيس السوري أحمد الشرع، ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ومسؤولين إماراتيين، إضافة إلى لقاءات أوروبية وعربية أخرى.
كما شارك في اجتماع رفيع المستوى بعنوان «Moving Beyond Crisis»، دعت إليه لبنان والاتحاد الأوروبي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بمشاركة المفوضة الأوروبية للمتوسط دوبرافكا شويتسا ومدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ألكسندر دي كرو، للبحث في الانتقال من إدارة الأزمات إلى التعافي وإعادة الإعمار وبناء مؤسسات الدولة. (
لقاء سلام وغوتيريش: ما بعد اليونيفيل
كان لقاء سلام مع غوتيريش في 21 أيلول بالغ الأهمية.
ركز سلام على ضرورة استمرار وجود دولي في جنوب لبنان برعاية الأمم المتحدة بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، ليس بالضرورة بصيغة اليونيفيل نفسها، وإنما من خلال استمرار وظائف المراقبة ورفع التقارير والاتصال، ومنع حصول فراغ أمني.
وقال سلام إن لبنان لا يريد فراغاً بعد انتهاء المهمة، وإن أي ترتيب جديد ينبغي أن يكون بقرار من مجلس الأمن. كما ناقش مع غوتيريش الوضع الإنساني وعودة النازحين والانتقال من الاستجابة الطارئة إلى التعافي وإعادة الإعمار.
وهذه النقطة مهمة جداً لأن انتهاء ولاية اليونيفيل مقرر في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، بينما لم تكن هناك حتى صباح اليوم صيغة نهائية معلنة لقوة بديلة.
لقاء سلام مع إيران: رسالة «دولة إلى دولة»
في 24 أيلول، عقد سلام لقاءً مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.
وفق ما نقلته مصادر متعددة عن اللقاء، حمل سلام إلى الرئيس الإيراني رسالة واضحة: لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو ورقة لتبادل الرسائل بين طهران وواشنطن.
كما طلب الجانب اللبناني فتح صفحة جديدة في العلاقات اللبنانية ـ الإيرانية على قاعدة «دولة إلى دولة»، واحترام سيادة لبنان، وطرح مسألة ترشيح سفير إيراني جديد لدى بيروت. (هذا اللقاء شديد الأهمية سياسياً، لأنه جاء بعد أيام قليلة من خطاب سلام الذي أعلن فيه أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً في يد الدولة اللبنانية.
أي أن الرسالة إلى طهران لم تكن قطع العلاقة، بل إعادة تعريفها: لبنان يريد علاقة مع إيران، لكنه يريدها علاقة بين دولتين وليس علاقة تمر عبر قوى غير حكومية.
لقاء سلام مع أحمد الشرع: فتح صفحة جديدة مع سوريا
في نيويورك التقى سلام الرئيس السوري أحمد الشرع بحضور وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ووزير الخارجية السوري أسعد الشيباني.
وقال سلام بعد اللقاء إن لبنان يعمل على فتح صفحة جديدة مع سوريا على أساس الثقة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والمصالح المشتركة.
واللقاء مهم في ضوء محاولة البلدين الانتقال من إرث طويل من العلاقات غير المتوازنة إلى علاقة مؤسساتية جديدة.
وقد تزامن ذلك مع تحرك سوري واسع في نيويورك لتثبيت انفتاح دمشق على العالم، حيث التقى الشرع مسؤولين أوروبيين، بينهم رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، وبحث معهم العلاقات السورية ـ الأوروبية وإعادة الإعمار والسيادة السورية.
لقاء سلام ـ لافروف
التقى سلام وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في 24 أيلول، في إطار سلسلة لقاءات بحثت العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية ومرحلة ما بعد اليونيفيل.
أهمية اللقاء الروسي تكمن في أن موسكو لا تزال لاعباً مهماً في ملفات سوريا والمنطقة، كما أن لبنان يحتاج إلى إبقاء اتصالاته مفتوحة مع القوى الكبرى في وقت يعاد فيه تشكيل النظام الإقليمي.
اللقاء مع باكستان
في 24 أيلول التقى سلام رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف. ويدخل اللقاء ضمن شبكة الاتصالات التي وسعها لبنان في نيويورك مع الدول الإسلامية والآسيوية، خصوصاً أن باكستان نفسها أصبحت طرفاً مهماً في المعادلة الأمنية الإقليمية بسبب تعاونها الدفاعي المتزايد مع السعودية.
اللقاء مع قطر
كان اللقاء مع رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مهماً أيضاً، إذ بحث التعاون الثنائي والتطورات الإقليمية وجهود خفض التصعيد، وأكد الجانب القطري دعمه لاستقرار لبنان وسيادته ووحدة أراضيه.
وتكتسب قطر أهمية إضافية بسبب دورها في الوساطات المتعلقة بالحرب الإيرانية ـ الأميركية والملفات الإقليمية الأخرى.
سابعاً: كلمة نواف سلام أمام الجمعية العامة – محاولة لإعادة تعريف الدولة اللبنانية
ألقى نواف سلام كلمة لبنان في 25 أيلول، ويمكن اعتبارها أكثر خطاب لبناني وضوحاً في السنوات الأخيرة في ما يتعلق بمسألة القرار الوطني.
استند سلام إلى ثلاثة تحديات مصيرية:
- استعادة ثقة اللبنانيين بعد الانهيار المالي وانفجار مرفأ بيروت.
- استعادة القرار الوطني، بحيث لا تكون هناك سلطة فوق سلطة الدولة، ولا سلاح خارج القوات المسلحة، ولا قرار بالحرب والسلم خارج المؤسسات الدستورية.
- استعادة الأراضي اللبنانية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها)
والعبارة الأكثر دلالة كانت:
«لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية».
وهي ليست مجرد عبارة سياسية، بل تحمل رسالة إلى أكثر من طرف في الوقت نفسه: إلى إسرائيل بأن التفاوض يجب أن يكون مع الدولة اللبنانية، وإلى إيران بأن لبنان ليس ورقة في أي تفاوض أميركي ـ إيراني، وإلى الداخل اللبناني بأن قرار الحرب والسلم لا يمكن أن يبقى خارج مؤسسات الدولة.
لبنان وإسرائيل
حدد سلام أهداف لبنان من المفاوضات التي تجري برعاية أميركية: وقف الحرب، تثبيت وقف إطلاق النار، الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، إطلاق الأسرى اللبنانيين، وعودة السكان إلى قراهم وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.
وأكد أن لبنان دخل المفاوضات مع إسرائيل برعاية أميركية، لكنه طالب بأن تتحول «اتفاقية الإطار» التي جرى التوصل إليها في حزيران إلى خطوات عملية ضمن جدول زمني واضح وآلية تحقق.
وقال بوضوح إن نجاح أي اتفاق لا يقاس بالنوايا المعلنة وإنما بتنفيذ الالتزامات. (وهنا تظهر أهمية الموقف اللبناني: بيروت لا تريد اتفاقاً سياسياً عاماً فحسب، بل تريد آلية تنفيذية قابلة للتحقق.
ثامناً: 1701 واليونيفيل – السؤال الأصعب الذي حمله سلام إلى نيويورك
اعتبر سلام القرار 1701 مرجعاً أساسياً للعلاقة بين لبنان وإسرائيل، وربط بين احترام القرار وبين سيادة الدولة.
وأشاد باليونيفيل ودورها، لكنه حذر من أن انتهاء ولايتها من دون ترتيبات بديلة يمكن أن يخلق فراغاً خطيراً في الجنوب.
وطلب تحديداً استمرار ثلاث وظائف:
المراقبة، ورفع التقارير، والاتصال.
وهذا يعني أن لبنان لا يطرح بالضرورة استمرار اليونيفيل بالشكل الحالي، بل يبحث عن ترتيب دولي جديد بغطاء من مجلس الأمن يكمل بعض وظائفها، ويكون مكملاً للترتيبات الأمنية التي يفترض أن تنتج عن الاتفاق اللبناني ـ الإسرائيلي.
تاسعاً: حصرية السلاح – لبنان يربط السيادة بالقرار العسكري
لم يفصل سلام بين الانسحاب الإسرائيلي وحصرية السلاح.
ففي خطابه أكد أن السيادة «غير قابلة للتجزئة»، وأنها تعني في الوقت نفسه خروج إسرائيل من الأراضي اللبنانية وبسط سلطة الدولة عبر قواتها، مع حصر السلاح بالدولة.
وهذا الطرح يعني أن الحكومة اللبنانية تحاول بناء معادلة جديدة:
لا سيادة لبنانية كاملة مع احتلال إسرائيلي، ولا سيادة كاملة أيضاً مع وجود قرار عسكري خارج مؤسسات الدولة.
وهذا هو جوهر السياسة التي تحاول حكومة سلام تقديمها للمجتمع الدولي.
وقد سبق لسلام أن أكد في اجتماعات نيويورك أن الحكومة لا تكتفي بإعلان المبدأ، بل تعمل على ترجمة حصرية السلاح إلى قرارات حكومية وخطوات عملية.
عاشراً: الإصلاحات اللبنانية – محاولة لإقناع الخارج بأن الدولة تقوم بدورها
لم تكن كلمة سلام أمنية فقط.
فهو عرض أمام المجتمع الدولي برنامجاً لإعادة بناء الدولة، متحدثاً عن إصلاح الإدارة العامة، وتعزيز استقلال القضاء، وتحديث قانون الإعلام، وإلغاء عقوبة الإعدام، والإصلاحات المالية والمصرفية، والتفاوض مع صندوق النقد الدولي. وهنا حاول سلام نقل الرسالة التالية:
لبنان لا يطلب من المجتمع الدولي أن يقوم بواجباته عنه.
بل يقول إن الدولة اللبنانية تقوم بالإصلاحات وتعمل على استعادة سلطتها، وفي المقابل يريد من المجتمع الدولي المساعدة في حماية السيادة وتنفيذ القرارات الدولية ودعم الجيش وإعادة الإعمار.
وهذه المعادلة ظهرت أيضاً في اجتماع «Moving Beyond Crisis»، حيث جرى التشديد على دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتجنب إنشاء هياكل موازية لها، والانتقال من الإغاثة الطارئة إلى التعافي وإعادة الإعمار.
الحصيلة اللبنانية من نيويورك
يمكن تلخيص ما حاول نواف سلام تحقيقه في نيويورك في خمس رسائل مترابطة:
أولاً: لبنان دولة صاحبة قرار، ولا يقبل أن يكون ورقة في أي تفاوض إقليمي.
ثانياً: لبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي الكامل، لكنه يريد في الوقت نفسه تثبيت سلطة الدولة وحصرية السلاح.
ثالثاً: القرار 1701 ما زال مرجعية أساسية، لكن مرحلة ما بعد اليونيفيل تحتاج إلى ترتيبات جديدة حتى لا يحصل فراغ أمني.
رابعاً: لبنان يريد علاقات جديدة مع سوريا وإيران تقوم على العلاقات بين الدول واحترام السيادة وعدم التدخل.
خامساً: لبنان يريد تحويل الدعم الدولي من إدارة الأزمات إلى دعم بناء الدولة والإصلاح وإعادة الإعمار.
ولهذا يمكن القول إن زيارة سلام إلى نيويورك كانت، في جانب أساسي منها، محاولة لإعادة تقديم لبنان كدولة وليس كساحة.
الحادي عشر: إسرائيل وغزة – انقسام دولي واضح داخل الجمعية العامة
ظل ملف غزة في صلب أعمال الجمعية العامة، لكن اللافت كان اتساع الفجوة بين إسرائيل وعدد كبير من الدول الغربية والعربية.
في خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يوم 25 أيلول، غادرت عشرات الوفود قاعة الجمعية العامة احتجاجاً على خطابه. ورد نتنياهو بوصف المغادرين بأنهم «جبناء أخلاقياً»، ودافع بشدة عن سياسة إسرائيل في الحرب، كما هاجم عدداً من القادة الأوروبيين وقطر وتركيا
هذا المشهد يعكس تراجع قدرة إسرائيل على الحفاظ على إجماع دبلوماسي غربي حول حرب غزة، حتى مع استمرار الدعم الأميركي.
وفي المقابل، ركز عدد كبير من القادة العرب والأوروبيين على ضرورة وقف الحرب، وحق الفلسطينيين في تقرير المصير، وحل الدولتين.
الثاني عشر: الأردن – الربط بين غزة والضفة والقدس
كان الموقف الأردني من أكثر المواقف العربية وضوحاً في نيويورك.
التقى الملك عبدالله الثاني غوتيريش، وشدد على أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يتحقق من دون ضمان الحقوق المشروعة للفلسطينيين وإقامة دولة فلسطينية مستقلة على أساس حل الدولتين.
كما حذر من إجراءات إسرائيل المتعلقة بالضم والاستيطان في الضفة الغربية، ومن الانتهاكات في القدس والأماكن المقدسة.
وفي لقاءاته الثنائية، شدد الملك على أن التطورات في لبنان وسوريا أيضاً أصبحت جزءاً من الأمن الإقليمي، مؤكداً دعم الأردن لسيادة البلدين واستقرارهما. (
الثالث عشر: سوريا – أحمد الشرع يقدم دمشق كدولة عائدة إلى النظام الدولي
كان حضور الرئيس السوري أحمد الشرع في نيويورك مهماً من زاوية إعادة تموضع سوريا دولياً.
قدّم الشرع سوريا باعتبارها دولة تتجاوز مرحلة الحرب وتتجه نحو بناء مؤسسات الدولة وتعزيز الأمن والاستقرار وتوسيع العلاقات الدولية.
وأجرى سلسلة لقاءات، من بينها لقاء مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، بحث خلالها تطوير العلاقات السورية ـ الأوروبية وإعادة الإعمار والتنمية واحترام السيادة السورية. (
كما شارك الشرع في الاجتماع الذي استضافه ترامب مع القادة العرب والمسلمين، والتقى عدداً من المسؤولين الدوليين.
والرسالة السورية الأساسية في نيويورك كانت: رفع مكانة دمشق من ملف أمني وإنساني إلى شريك سياسي واقتصادي في المنطقة.
الرابع عشر: العراق – بغداد تعرض نفسها جسراً للحوار ومركزاً للطاقة
قدم رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي رؤية مختلفة نسبياً في نيويورك.
أكد أن العراق يريد الانتقال من كونه «ساحة حرب وصراع» إلى جسر للحوار والتعاون الاقتصادي.
وفي خطابه، ركز على الطاقة والربط الإقليمي، خصوصاً تطوير خطوط وممرات تربط العراق بتركيا والأردن وسوريا، في محاولة لتنويع صادرات الطاقة وتقليل آثار أزمة هرمز.
والفكرة العراقية مهمة جداً: بغداد ترى أن الأزمة الحالية يمكن أن تدفع دول المنطقة إلى بناء ممرات طاقة بديلة، بدلاً من الاعتماد المفرط على طرق بحرية أصبحت معرضة للاضطراب.
كما أكد الزيدي أن الدولة وحدها يجب أن تقرر الحرب والسلام وأن تكون الأسلحة تحت سلطة المؤسسات الدستورية، في موقف يتقاطع بصورة لافتة مع الخطاب اللبناني.
الخامس عشر: مصر – الأمن الإقليمي والأمن المائي وإصلاح النظام الدولي
مثّل رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي الرئيس عبدالفتاح السيسي في الجمعية العامة، وركز الخطاب المصري على فلسطين والأمن الإقليمي وأمن مياه النيل وإصلاح النظام المالي الدولي.
ووصف مدبولي أمن مياه النيل بأنه مسألة وجودية غير قابلة للمساومة، كما تحدث عن ضرورة إصلاح مجلس الأمن والنظام المالي الدولي، وعن الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا
وشارك مدبولي كذلك في «Global Reset Dialogues»، حيث عرض الرؤية المصرية لإعادة صياغة النظام الدولي على أساس أكثر توازناً، مع تركيز خاص على مصالح إفريقيا.
السادس عشر: أوكرانيا – مسار أميركي جديد نحو مفاوضات ثلاثية
كان الملف الأوكراني أقل صخباً من إيران وغزة، لكنه شهد تطوراً مهماً.
التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ترامب في نيويورك، وناقشا إمكانات إنهاء الحرب.
وبعد اللقاء، أعلن زيلينسكي أن الولايات المتحدة اقترحت استضافة الإمارات لاجتماع ثلاثي على مستوى تقني بين الولايات المتحدة وأوكرانيا وروسيا لبحث إنهاء الحرب. وقال إن كييف تنتظر تحديد موعد، فيما أعلن الكرملين أن لقاءً ثلاثياً يمكن أن يحصل قريبا.
وهذا التطور مهم لأنه يشير إلى محاولة أميركية العودة إلى الدبلوماسية العملية المتدرجة: بدلاً من انتظار اتفاق شامل، تبدأ العملية بترتيبات تقنية أو جزئية يمكن اختبارها.
وفي الوقت نفسه، عرض زيلينسكي فكرة هدنة متبادلة في قطاع الطاقة، تتوقف بموجبها الهجمات على منشآت الطاقة من الطرفين.
السابع عشر: إصلاح الأمم المتحدة والذكاء الاصطناعي – ملفان برزا خارج الحروب
رغم هيمنة الحروب على الأسبوع، لم تكن الجمعية العامة حرباً ودبلوماسية فقط.
برز بقوة موضوع إصلاح مجلس الأمن، خصوصاً مع مطالب دول عربية وإفريقية وآسيوية بتمثيل أوسع.
كما دخل الذكاء الاصطناعي إلى صلب النقاشات السياسية. فقد وقعت مجموعة من الدول إعلاناً يدعو إلى إنشاء آلية دولية للرقابة على الذكاء الاصطناعي ووضع معايير للاختبار والشفافية، في وقت يدفع فيه آخرون باتجاه عدم فرض قيود يمكن أن تعرقل التطور التكنولوجي. (وهذا الملف سيكون أكثر أهمية في السنوات المقبلة، لأن الأمم المتحدة بدأت تتعامل مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مسألة أمن واقتصاد وحوكمة دولية وليس مجرد تكنولوجيا.
ثامن عشر: ما الذي بقي على جدول أعمال الجمعية العامة؟
حتى صباح 28 أيلول، لم تنتهِ المناقشة العامة. ووفق البرنامج الرسمي للأمم المتحدة، تستمر المناقشة اليوم، فيما يعقد اجتماع رفيع المستوى لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لاعتماد إعلان وبرنامج عمل ديربان في 28 أيلول، على أن يعقد في 29 أيلول الاجتماع الرفيع المستوى الخاص باليوم الدولي للإزالة الكاملة للأسلحة النووية.
