السؤال الأكثر حساسية سيبقى: من سيكون بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي عندما تنتهي مهمة اليونيفيل؟
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
مع اقتراب انتهاء عمليات قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» في 31 كانون الأول 2026، تتبلور أربعة سيناريوهات لما يمكن أن يحلّ مكانها أو يتولى بعض مهامها: تفعيل دور مراقبي الهدنة، الاستعانة بشركات أمنية خاصة، تشكيل قوة متعددة الجنسيات بتفويض دولي، أو عدم إنشاء قوة بديلة وترك الجيش اللبناني يتولى وحده المسؤولية الأمنية في الجنوب.
ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ضوء معلومات دبلوماسية تفيد بأن إسرائيل لا تريد قوة دولية تحل محل اليونيفيل، فيما لم تُحسم حتى الآن آلية التحقق من المناطق التجريبية المنصوص عليها في اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل.
وكان مجلس الأمن قد قرر في آب 2025 أن يكون تمديد ولاية اليونيفيل حتى 31 كانون الأول 2026 هو التمديد النهائي، على أن تبدأ بعد ذلك عملية انسحاب تدريجية خلال عام، بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في جنوب لبنان.
مراقبو الهدنة: خيار قائم على اتفاق 1949
أحد الخيارات المطروحة هو تفعيل دور مراقبي الأمم المتحدة المرتبطين باتفاقية الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية لعام 1949.
وتنص المادة السابعة من الاتفاقية على إنشاء لجنة الهدنة اللبنانية ـ الإسرائيلية المختلطة، وتمنحها صلاحية الاستعانة بمراقبين من العسكريين التابعين للطرفين أو من أفراد هيئة الأمم المتحدة لمراقبة الهدنة، بالعدد الذي تراه ضروريًا لأداء مهماتها. ولا تحدد الاتفاقية سقفًا عدديًا ثابتًا للمراقبين.
وقد سبق أن عمل عشرات المراقبين في لبنان ضمن «مجموعة مراقبي لبنان» التابعة لـUNTSO؛ وبلغ عددهم 59 مراقبًا عام 1994، وكانوا غير مسلحين ويعملون في نقاط مراقبة وفرق متنقلة
لكن تحويل هذه الآلية إلى بديل لليونيفيل يواجه عقبة أساسية: مراقبو الهدنة ليسوا قوة عسكرية لتنفيذ المهام الأمنية أو فرض الالتزام. فمهمتهم الأساسية المراقبة والتحقق ورفع التقارير، ولا يملكون صلاحيات إنفاذ.
وبالتالي، فإن توسيع دورهم ممكن من حيث المبدأ، لكن تحويلهم إلى قوة بديلة لليونيفيل يحتاج إلى ترتيبات وولاية مختلفة.
شركات الأمن الخاصة
السيناريو الثاني هو الاستعانة بشركات أمنية خاصة، وهو خيار يرفضه الجيش اللبناني، وفق المعلومات التي حصل عليها “مصدر دبلوماسي”.
ويبرز هنا نموذج شركة «بلاك ووتر» التي عملت في العراق في مجال حماية الأشخاص والمنشآت والقوافل. لكن تجربتها هناك، ولا سيما حادثة ساحة النسور في بغداد عام 2007 التي قتل فيها 14 مدنيًا عراقيًا وأصيب 18 آخرون، جعلت نموذج شركات الأمن الخاصة موضع جدل واسع.
ويمكن لهذه الشركات، من حيث طبيعة عملها، توفير حماية مسلحة للأفراد والمنشآت والقوافل، لكنها لا تشكل قوة حفظ سلام ذات تفويض دولي، ولا يمكن أن تحل تلقائيًا محل اليونيفيل من حيث الولاية أو الدور السياسي والأمني.
قوة متعددة الجنسيات
الخيار الثالث هو تشكيل قوة متعددة الجنسيات للمساعدة في مرحلة ما بعد اليونيفيل.
غير أن هذا الخيار يحتاج إلى تحديد واضح للولاية والمهام وقواعد الاشتباك والقيادة والتمويل وضمانات سلامة القوات. كما أن وجود قوة متعددة الجنسيات لا يعني بالضرورة أنها ستكون قوة تابعة للأمم المتحدة، ما يجعل مسألة التفويض والشرعية الدولية عنصرًا حاسمًا.
وبحسب المعلومات التي حصل عليها «مصدر دبلوماسي»، فإن حزب الله يرفض شركات الأمن الخاصة، ويتمسك بأن تكون أي قوة موجودة في الجنوب خاضعة لتفويض من الأمم المتحدة.
السيناريو الأكثر حساسية: لا بديل لليونيفيل
أما السيناريو الرابع، فيتمثل في عدم التوصل إلى قوة بديلة، بحيث يتولى الجيش اللبناني وحده المسؤولية الأمنية على الأرض.
وهذا الاحتمال يكتسب حساسية خاصة في ظل استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي والتوتر على الحدود. وتخشى بيروت، وفق مصدر دبلوماسي لبناني واسع الاطلاع، أن يؤدي غياب القوة الدولية إلى وضع الجيش اللبناني في تماس مباشر مع الجيش الإسرائيلي، وبالتالي أمام واقع قد يفرض نوعًا من التنسيق العسكري المباشر.
ويشدد المصدر على أن التفاوض شيء والتنسيق شيء آخر، مشيرًا إلى الموانع القانونية والسياسية اللبنانية المتعلقة بالتواصل مع إسرائيل.
ولا يمكن، في المقابل، القول إن اتفاق الإطار يجعل الجيش اللبناني «خاضعًا لأوامر الجيش الإسرائيلي» من دون نص صريح يثبت ذلك. الأدق أن غياب القوة الدولية قد يضع الجيش اللبناني أمام واقع ميداني يرفضه، يتمثل في التعامل المباشر مع الجيش الإسرائيلي.
عقدة المناطق التجريبية
وبالتوازي مع البحث في مستقبل اليونيفيل، لا تزال آلية التحقق من المناطق التجريبية ضمن اتفاق الإطار عالقة.
وكان أندريا تيننتي قد أوضح لـ«مصدر دبلوماسي» أن دولًا مثل إيطاليا وفرنسا أبدت استعدادها للمساعدة، لكن المشكلة ليست في العثور على دول مستعدة للمشاركة، بل في تحديد الولاية والشرعية السياسية والضمانات الأمنية التي ستعمل في ظلها.
وبحسب مصدر دبلوماسي لبناني واسع الاطلاع، ترفض إسرائيل حتى الآن تحديد مناطق إضافية للانسحاب منها، بحجة عدم قيام الجيش اللبناني بما يكفي لتفتيش ومصادرة منشآت مرتبطة بحزب الله، ولا سيما في زوطر الغربية.
وتقع زوطر الغربية شمال الليطاني، وبالتالي خارج منطقة عمليات اليونيفيل الحالية.
أما الدولة الأكثر تداولًا للمشاركة في آلية التحقق فهي إيطاليا، لكن مشاركتها تحتاج إلى استكمال إجراءاتها الداخلية وضمانات أمنية لقواتها، فيما تواجه مشاركة دول أخرى، بينها فرنسا وإسبانيا، اعتراضات إسرائيلية، بحسب المصدر.
ويؤكد المصدر أن قوة التحقق من المناطق التجريبية ليست بالضرورة القوة التي ستحل محل اليونيفيل، وإن كان من الممكن أن تتداخل المهمتان لاحقًا.
بين دعم الجيش وتركه وحيدًا
وفي موازاة ذلك، تتجه بعض الجهود الدولية إلى دعم الجيش اللبناني بالتدريب والتجهيز واللوجستيات وبناء القدرات، فيما تحظى زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى إيطاليا والأردن بأهمية في هذا السياق.
وبحسب المعلومات المتوافرة، أبدت إيطاليا اهتمامًا بالمساعدة وبترتيبات ما بعد اليونيفيل، لكن من دون قرار نهائي حتى الآن. كما يبدي الأردن اهتمامًا بدعم لبنان والجيش، ويجري اتصالات مع دول عربية للمساعدة في إنجاح مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني.
وهنا تكمن المسألة الأساسية: هل يجري إعداد الجيش اللبناني ليتولى مسؤوليات أكبر ضمن ترتيبات دولية واضحة، أم أن الدعم الدولي له سيكون مقدمة لغياب القوة الدولية وتركه وحده في الجنوب؟
فبين مراقبي الهدنة، وشركات الأمن الخاصة، والقوة المتعددة الجنسيات، واحتمال عدم وجود بديل لليونيفيل، لا يزال شكل المرحلة المقبلة غير محسوم.
لكن السؤال الأكثر حساسية سيبقى: من سيكون بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي عندما تنتهي مهمة اليونيفيل؟