جهان صغيران يحملان حكاية حرب... طفلا الشهيد إسماعيل نصر الله يشاركان في إحياء عاشوراء وصورة والدهما تسبق خطواتهما.
“مصدر دبلوماسي”
خاص
لم تكن عاشوراء 2026 في الضاحية الجنوبية مجرد ذكرى دينية أو مناسبة شعبية بل بدت حدثاً سياسياً بامتياز. ففي الشوارع التي ما زالت تحمل آثار الحرب وبين الرايات السوداء وصور القادة والأناشيد والهتافات رسمت البيئة المؤيدة لحزب الله صورة أرادت من خلالها القول إن المفاوضات التي تُدار في العواصم لا تزال تصطدم بحسابات الشارع، وإن أية تفاهمات إقليمية أو دولية لن تكون قادرة على تجاوز واقع سياسي وشعبي ما زال يعتبر أن كربلاء ليست مجرد ذكرى تاريخية، بل إطاراً رمزياً يفسر من خلاله الصراع الدائر اليوم بين مشروع المقاومة وخصومه في المنطقة.

في الوقت الذي كانت فيه واشنطن تستضيف جولات من المفاوضات السياسية والعسكرية بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، كانت الضاحية الجنوبية لبيروت ترسم مشهداً مختلفاً تماماً. هناك، لم تكن عاشوراء مجرد مناسبة دينية لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين، بل تحولت، كما في كل عام، إلى عرض سياسي وشعبي يعيد تثبيت هوية البيئة الحاضنة لحزب الله، ويبعث برسائل تتجاوز الحدود اللبنانية إلى الإقليم والمجتمع الدولي.
منذ ساعات الصباح الأولى، بدأت الحشود تتدفق إلى محيط مرقد الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصر الله، الذي تحول إلى نقطة الانطلاق الرمزية للمسيرة العاشورائية الكبرى. آلاف الرجال والنساء والأطفال ارتدوا السواد، فيما علت على جباه الصغار عصبات كُتب عليها “يا حسين”، وإلى جانبها شعارات حزب الله، في مشهد امتزج فيه الديني بالسياسي بصورة يصعب الفصل بينهما.

وانطلقت المسيرة لتجوب شوارع الضاحية وصولاً إلى قلبها، قرب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، في امتداد جغرافي يحمل دلالات سياسية لا تقل أهمية عن رمزيته الدينية، وكأن المسار نفسه يرسم خطاً يصل بين الذاكرة العقائدية والواقع السياسي الذي يعيشه لبنان والمنطقة.
ولم تكن الحرب التي شهدها لبنان قبل أشهر، والتي امتدت لنحو مئة يوم، حاضرة فقط في الذاكرة، بل بدت ماثلة في وجوه المشاركين. جرحى أصيبوا خلال الحرب ساروا مستندين إلى العصي أو بمساعدة مرافقيهم، في مشهد اختلطت فيه آثار المعارك بطقوس إحياء كربلاء، فيما حمل كثيرون صور أقارب فقدوهم خلال المواجهات الأخيرة، لتصبح عاشوراء هذا العام مناسبة تجمع بين ذكرى استشهاد الإمام الحسين وذكرى شهداء الحرب الأخيرة.

النساء حضرن بكثافة، وكذلك الأطفال الذين ساروا إلى جانب ذويهم، بينما غطت الرايات السوداء معظم الأبنية والشوارع. وعلى الأرصفة انتشرت المضافات التي اعتادت الضاحية إقامتها في عاشوراء، حيث تولت عائلات ومتطوعون إعداد الهريسة في قدور ضخمة، فيما توزعت نقاط تقديم المياه والعصائر والحلويات على طول الطرقات، في طقس اجتماعي متوارث يشارك فيه آلاف السكان كل عام.

لكن المشهد لم يكن منفصلاً عن الحرب التي تركت آثارها على الضاحية نفسها. ففي الأحياء التي تعرضت لأضرار واسعة نتيجة الغارات الإسرائيلية، مرّت المسيرة بين مبانٍ ما تزال تحمل آثار الدمار، في تذكير دائم بأن المناسبة تأتي بعد واحدة من أكثر المواجهات كلفة على البيئة الشيعية في لبنان.

وفي شارع يحمل اسم قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، تجمعت الحشود حول تمثاله، فيما برز في المكان أيضاً مجسم كبير لمجتبى خامنئي، في مشهد يعكس استمرار الحضور الرمزي الإيراني داخل الفضاء العام للضاحية. وارتفعت إلى جانب الأعلام اللبنانية رايات حزب الله، كما حمل عدد من المشاركين الأعلام الإيرانية، بينما صدحت الأناشيد التي تمجد الإمام الحسين والإمام المهدي والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

وفي أكثر من محطة، دوّت الهتافات التقليدية التي باتت تشكل جزءاً ثابتاً من المشهد العاشورائي منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حين تبنى الإمام روح الله الخميني شعار “الموت لأمريكا” بوصفه تعبيراً سياسياً عن رفض السياسات الأميركية في المنطقة، قبل أن يتحول لاحقاً إلى أحد أبرز شعارات محور المقاومة. ومع تأسيس حزب الله في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، انتقلت هذه الشعارات إلى لبنان، لتصبح جزءاً من الخطاب السياسي للحزب في المناسبات الكبرى، ولا سيما في عاشوراء ويوم القدس.
ولهذا، ترددت مجدداً هتافات “الموت لأمريكا… الموت لإسرائيل”، إلى جانب الصرخة العاشورائية التاريخية “هيهات منا الذلة”، التي يستحضرها الشيعة باعتبارها من أبرز الشعارات المنسوبة للإمام الحسين في مواجهة الظلم، فيما أصبحت في العقود الأخيرة ركناً أساسياً في خطاب حزب الله ومحور المقاومة، للدلالة على رفض الخضوع للضغوط السياسية والعسكرية.

وتكتسب هذه الشعارات هذا العام بعداً إضافياً، إذ جاءت بينما تشهد واشنطن حراكاً سياسياً وأمنياً مكثفاً يتعلق بمستقبل الجنوب اللبناني، وتطبيق ترتيبات وقف إطلاق النار، والبحث في ملفات أمنية وعسكرية بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية. وبينما تناقش الوفود الرسمية خرائط الانتشار والضمانات الأمنية وآليات تثبيت الاستقرار، كانت آلاف القبضات المرفوعة في الضاحية تعلن رفضها لأي مسار يمكن أن يُفهم على أنه تطبيع مع إسرائيل أو تراجع عن خيار المقاومة.

وفي هذا السياق، بدا المشهد الشعبي بمثابة استفتاء داخل البيئة المؤيدة لحزب الله، يؤكد استمرار الالتفاف حول الحزب رغم حجم الخسائر البشرية والمادية التي خلفتها الحرب الأخيرة. فالدمار الذي أصاب الضاحية والقرى الجنوبية، وسقوط عدد كبير من القتلى والجرحى، لم يمنع عشرات الآلاف من النزول إلى الشوارع، في رسالة أراد منظموها التأكيد أن الحرب لم تُضعف القاعدة الشعبية للحزب، بل عززت شعورها بالتماسك والانتماء.

وجاء خطاب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم منسجماً مع هذا المشهد، إذ شدد على رفض أي مسار للتطبيع مع إسرائيل، وربط بين إحياء عاشوراء واستمرار خيار المقاومة، معتبراً أن المعركة لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية، بل تشمل أيضاً الضغوط السياسية والدبلوماسية التي تُمارس على لبنان.
