رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قلد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري «وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر»، تقديراً «لجهوده في تعزيز العلاقات الأخوية بين لبنان والمملكة العربية السعودية
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
لا يزال السفير السعودي في لبنان وليد البخاري يودّع أصدقاءه اللبنانيين وما أكثرهم. وكان لنا نصيب أن نودّعه بين نخبة من الشخصيات الوازنة في مختلف الميادين وجميعهم من صفوة المجتمع الـ Crème de la Crème نذكر منهم الفنان وليد توفيق نظراً إلى الصداقة المتينة جداً التي تربطه بالسفير البخاري، ورئيسة المعهد الوطني العالي للموسيقى الدكتورة هبة القواس التي زيّنت الأمسية بفرقة موسيقية عربية مصغّرة من المعهد، عزفت في خلفية الحديقة الخضراء المزدانة بالورود مقطوعات وأغنيات عربية خالدة على العود والقانون والرق والناي، بينها للأخوين رحباني: «سألوني الناس عنك يا حبيبي» و«فايق يا هوى»، ولـزكي ناصيف «حبايبنا حوالينا» و«نقيلك أحلى زهرة»، ولـسيد مكاوي “قال إيه بيسألوني”.
في الحديقة الخلفية لدارة السفير المزدانة بالورود والسجاد بلون الخزامى تحلّق محبّو السفير البخاري حوله، وهو الذي اعتاد،طيلة عشر سنوات مثّل خلالها المملكة العربية السعودية في لبنان أن يرحّب بضيوفه فرداً فرداً ويجالسهم بمحبة وهدوء.
ولون الخزامى، أو البنفسجي المائل إلى الأزرق، بات في الاعوام الأخيرة لوناً رمزياً مرتبطاً بالمشهد البصري السعودي الحديث، واعتمده ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في عدد من المناسبات الرسمية الكبرى، بينها زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى المملكة لما يحمله من دلالات ترتبط بزهرة الخزامى البرية التي تزهر في صحارى السعودية خلال فصل الربيع.
وكان عبق البخور السعودي الفاخر يمرّ بين الحين والآخر في أرجاء الجلسة، وهو جزء أصيل من الثقافة السعودية والخليجية، حيث يُستخدم ترحيباً بالضيوف وتعبيراً عن الكرم وحسن الضيافة، إلى جانب القهوة العربية السعودية التي قُدّمت وفق التقاليد الأصيلة.
السفير الذي ارتدى زياً سعودياً أبيض اللون، أجاب على أسئلة الحاضرين، وسئل إن كان صحيحا ما نشرته صحيفة “الأخبار” اللبنانية الأسبوع الماضي عن أنه سيستقيل من السلك الدبلوماسي ويعمد إلى افتتاح سلسلة مطاعم في لبنان.
وبرحابة صدره المعهودة طيلة السنوات العشر التي أمضاها ممثلا للمملكة العربية السعودية في لبنان، أجاب السفير بالنفي، موضحاً أنه سيعود إلى وزارة الخارجية السعودية، حيث تنص الأعراف الدبلوماسية واتفاقية فيينا على أن يبقى الدبلوماسي في الإدارة المركزية فترة زمنية بعد خدمة طويلة في الخارج، ولا سيما بعدما أمضى 14 عاماً خارج المملكة، قبل أن يُعاد تعيينه في منصب جديد، كما هي الحال في الأنظمة الدبلوماسية حول العالم.
أما بالنسبة إلى سلسلة المطاعم، فقال السفير مبتسماً: «يا ليت، لأنه حينها كنت سأبقى في لبنان، هذا البلد الذي بالرغم من أنني مررت فيه بأصعب المراحل التي شهدها خلال السنوات العشر الماضية، إلا أنني أعتبره حلماً حقيقياً». وأضاف ضاحكاً أن الخبر دفع كثيرين من أصدقائه إلى الاتصال به طالبين الشراكة، إلا أنه أبلغهم بأنه سيعود إلى الرياض التي اشتاق إليها، «الرياض التي لا تنام ولو في الرابعة صباحاً»، كما اشتاق إلى عائلته وأهله، وخصوصاً أبناء العائلة من الشبان والشابات الذين كبروا خلال غيابه الطويل حتى بات يشعر أنه لم يعد يعرف بعضهم.
وفي الأحاديث الجانبية، تحدّث السفير البخاري كثيراً عن حبه للبنان. وعن هذه العلاقة يقول الفنان وليد توفيق الذي تعرّف إليه منذ عشرة أعوام: «من أحلى السفراء الذين جاؤوا إلى لبنان، كان عظيماً في تعاطيه الدبلوماسي والإنساني، وهو محب للناس، يقدّر الفنون، وصديق ذوّاقة». أما أجمل أغنية لديه، بحسب وليد توفيق، فهي: “وحدك حبيبي”.
أما الفنان التشكيلي شوقي دلال الذي قدّم له لوحة فنية، فقال لموقع :” مصدر دبلوماسي” أود الإشارة إلى أن ثمة مشروع معرض ننسقه مع سعادة السفير بعنوان: “ألوان السعودية بريشة لبنان”. رسمنا أربعين لوحة كعربون وفاء ومحبة للمملكة العربية السعودية ستُعرض قريباً في الرياض”.
وعن اللوحة التي أهداها إليه، قال: “رسمتها لأكبر أرزة من أرزات لبنان في غابة الأرز. اخترت إهداءها له لأنني لمست فيه حباً للبنان أكثر من كثير من اللبنانيين، والأرز كان وفياً عبر التاريخ لكل الناس الذين جاؤوا إلى لبنان، وكان وفياً لهم”.
وفي كلمته خلال الأمسية، رحّب السفير البخاري بالحضور، مؤكداً أنه لم يُرد مغادرة لبنان قبل توديع أصدقائه وإخوته. ووجّه تحية مودّة للفنان وليد توفيق قائلاً مازحاً: «الله يسامحه، فهو يشتغل فينا ويسهرنا الليالي منذ أغنية “على كوبري ستة أكتوبر”.
وقال السفير إن كل شخص يسجّل في ذاكرته عاطفة وجدانية عميقة تجاه لبنان، مضيفاً: «لبنان والإنسان اللبناني عزيزان على قلبي، وربي يحمي لبنان والإنسان اللبناني الذي عانى عبر الحقب التاريخية». وأشار إلى أن الفيلسوف الألماني هيغل تحدّث عن الإنسان اللبناني، كما لفت إلى أنه قرأ في إحدى المجلات عن «أمثولة الإنسان اللبناني» الذي تعرّض لأزمات هائلة واكتسب قدرة استثنائية على الصمود، معتبراً أن هذه السمة منحت اللبناني قدرة على التعايش مع كل الأمواج المتلاطمة. وأضاف أن أكثر ما لفت نظره خلال السنوات العشر التي أمضاها في لبنان هو “صمود الإنسان اللبناني العجيب”.
وأشار إلى أنه تمنّى على وفد أكاديمي من الجامعة الأميركية في بيروت أن تتم دراسة هذه الظاهرة في علم السوسيولوجيا. وشرح أن ما تعرّض له اللبنانيون يفوق، من حيث القهر الاجتماعي والتداعيات النفسية والسياسية، بكثير ما شهدته مجتمعات أخرى، مستشهداً بالحالة التونسية العام 2010 بعد حادثة إحراق محمد البوعزيزي نفسه، معتبراً أن دراسة العقل الجمعي اللبناني وما راكمه من قدرة على الاحتمال والصمود تشكّل مادة عميقة في علم الاجتماع السياسي.
وأكد السفير البخاري أن لبنان “قادم على خير كبير، ولا يجب أن نفقد الأمل”.
كما كرّر خلال اللقاء فرضيته حول تطور التاريخ السياسي اللبناني، مشيراً إلى أن المؤرخين الذين درسوا الحقب التاريخية لاحظوا ظواهر تتكرر كل مئة أو خمسمئة عام، وأطلق عليها تسمية «اكتمال الفواجع الرمزية للمكوّنات التاريخية». وشرح فكرته بالقول إن كل طائفة دفعت أثماناً باهظة وقدّمت «فاجعة رمزية» من رموزها، مستشهداً باغتيال كمال جنبلاط ورفيق الحريري وبشير الجميل والسيد حسن نصر الله والسيد علي خامنئي، معتبراً أن اكتمال هذه «الفواجع الرمزية» لدى مختلف المكوّنات قد يدفع بحسب قراءة مستوحاة من أفكار المؤرخ فيليب حتي، نحو العودة إلى القواسم المشتركة.
وأشار أيضاً إلى قراءة متعمقة للمؤرخ أسد رستم، وإلى كلام للمؤرخ كمال الصليبي الذي رأى أن المنتصر الحقيقي في المراحل التاريخية الحساسة ليس من يحمل السلاح، بل من يحمل “بوادر العقل الجمعي للعقد السياسي الاجتماعي”.
وبالرغم من أنه لم يكن يرغب في التحدث في السياسة، سُئل السفير البخاري عن اتفاق الطائف وما إذا كان الاقتراب منه ينطوي على خطورة في حال وُجدت رغبة بتجاوزه. فأجاب باختصار مستعيداً مقولة الرئيس حسين الحسيني، عرّاب الطائف، بأن “البديل الوحيد عن الطائف هو تنفيذ بنود الطائف”.
وأكد أنه يلحظ نقصاً لدى بعض الخبراء والأكاديميين والإعلاميين في التفريق بين وثيقة الوفاق الوطني وآليات الدستور اللبناني، موضحاً أن هناك قضايا إجرائية يمكن للبنانيين تعديلها إذا رأوا ضرورة لذلك ضمن الدستور، فيما لا يجوز المساس بالقضايا الجوهرية، وعلى رأسها أن «لبنان عربي الهوية والانتماء». وأضاف أن بعض القضايا الإجرائية التي قد تكون ضرورية لتحفيز تنفيذ وثيقة الوفاق الوطني يمكن للبنانيين أنفسهم اتخاذ القرار بشأنها، “من دون أن ينتظروا أحداً ليبتّها عنهم”.
وسام «الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر» للبخاري
وكان رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون قلد سفير المملكة العربية السعودية في لبنان وليد البخاري «وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط أكبر»، تقديراً «لجهوده في تعزيز العلاقات الأخوية بين لبنان والمملكة العربية السعودية، ولدعمه الدائم خلال مسيرة طويلة عنوانها المحبة والعطاء»، وذلك خلال استقباله له في قصر بعبدا لمناسبة انتهاء مهامه الدبلوماسية في لبنان.

ونوّه الرئيس عون بالدور الذي لعبه السفير البخاري خلال سنوات عمله في بيروت، متمنياً له التوفيق في مهامه الجديدة.
واعتبر الرئيس عون أن ما يجمع لبنان والمملكة العربية السعودية يتجاوز العلاقات الأخوية والتاريخية التقليدية بين دولتين شقيقتين، لأن هذه العلاقة قامت، على حدّ تعبيره، على أسس راسخة من الاحترام المتبادل والتعاون البنّاء. وأكد أن المملكة شكّلت على مرّ السنوات سنداً ثابتاً للبنان في مختلف الظروف، فيما عكست مبادراتها المتكررة حرصاً دائماً على استقراره وازدهاره.
وأشار الرئيس اللبناني إلى أن لبنان يثمّن عالياً رعاية خادم الحرمين الشريفين سلمان بن عبد العزيز آل سعود، ويرى في الدور الذي يقوده ولي العهد السعودي محمد بن سلمان رؤية طموحة تتجاوز حدود المملكة لتنعكس إيجاباً على المنطقة بأسرها، بما يعزز فرص التنمية والاستقرار.
وأكد التزامه العمل على تعزيز التعاون بين بيروت والرياض في مختلف المجالات، آملاً أن تستمر العلاقات الثنائية بما يخدم مصلحة البلدين الشقيقين.
