برز في نيويورك جدلٌ مرتبط بتاريخ الهجرة اللبنانية إلى الولايات المتحدة بعد تدشين نصبٍ تذكاري للمهاجرين الأوائل في حديقة Elizabeth Berger Plaza في مانهاتن ضمن مشروع رعته بلدية نيويورك بالتعاون مع جمعية Washington Street Historical Society
“مصدر دبلوماسي”
نيويورك-خاص
في وقتٍ ينشغل فيه لبنان بأزماته السياسية والاقتصادية والأمنية برز في نيويورك جدلٌ مرتبط بتاريخ الهجرة اللبنانية إلى الولايات المتحدة بعد تدشين نصبٍ تذكاري للمهاجرين الأوائل في حديقة Elizabeth Berger Plaza في مانهاتن ضمن مشروع رعته بلدية نيويورك بالتعاون مع جمعية Washington Street Historical Society
الجدل لا يرتبط بوجود النصب بحد ذاته، بل بالطريقة التي قُدّمت فيها رواية الهجرة العربية الأولى إلى الولايات المتحدة والتي اعتبر متابعون لبنانيون أنّها همّشت بشكل واضح الدور الأساسي لأبناء جبل لبنان في تلك المرحلة التاريخية.
فالهجرة التي انطلقت منذ منتصف القرن التاسع عشر من مناطق جبل لبنان نحو الولايات المتحدة، شكّلت عملياً النواة الأساسية للهجرة المشرقية إلى أميركا. وتشير الدراسات التاريخية إلى أنّ القسم الأكبر من المهاجرين الذين وصلوا إلى نيويورك بين أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانوا من المناطق اللبنانية الحالية وخصوصاً من جبل لبنان والشمال والبقاع وبعض المدن الساحلية، قبل أن تلتحق بهم لاحقاً مجموعات من دمشق وفلسطين ومناطق سورية أخرى.
لكن هؤلاء المهاجرين كانوا يُسجّلون رسمياً في الوثائق الأميركية تحت تسمية “Syrians”، نظراً لأنّ المنطقة كانت آنذاك جزءاً من بلاد الشام الخاضعة للإمبراطورية العثمانية، أي قبل قيام دولة لبنان الكبير في العام 1920. وهذه الحقيقة التاريخية غالباً ما تُستخدم لتبرير اعتماد توصيف “المهاجرين السوريين الأوائل”، إلا أنّ منتقدي المشروع يعتبرون أنّ ذلك لا يبرّر تجاهل الغالبية اللبنانية التي شكّلت أساس تلك الموجة.
وتحوّل هذا الاعتراض إلى نقاش أوسع بعد الكشف عن تفاصيل النصب واللوحات المرافقة له. فالعمل الفني الذي نفّذته الفنانة الفرنسية المغربية سارة أوحدو، جاء بطابع تجريدي يعتمد على الخط العربي والموزاييك والزخارف الهندسية، من دون أي عناصر بصرية مرتبطة بالهجرة اللبنانية تحديداً أو بالبيئة التي خرج منها أوائل المهاجرين.
كما أنّ اللوحة التعريفية المرافقة للنصب تحدّثت عن “المهاجرين السوريين” وأشارت إلى أدباء المهجر ضمن هذا الإطار، ما أثار اعتراضات لبنانية بسبب عدم إبراز الهوية اللبنانية لمعظم الأسماء الأدبية المرتبطة بالمهجر، ومن بينهم جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني وإيليا أبو ماضي وعفيفة كرم، وجميعهم من أصول لبنانية.
ويعتبر معترضون أنّ المشكلة ليست في استخدام التوصيف التاريخي المرتبط ببلاد الشام، بل في غياب أي توازن داخل السردية المعروضة، بحيث بدا لبنان شبه غائب عن مشروع يفترض أنّه يوثّق بداية الهجرة العربية إلى الولايات المتحدة.
وتطرح القضية أيضاً علامات استفهام حول طريقة إدارة المشروع منذ إطلاق المسابقة الفنية عام 2017. فبحسب مصادر متابعة، لم يتم إبلاغ وزارة الثقافة اللبنانية بالمسابقة، ما حال دون مشاركة فنانين ونحاتين لبنانيين كان يمكن أن يقدّموا مقاربات مختلفة تعكس ذاكرة الهجرة اللبنانية بصورة أوضح.
كما لوحظ غياب رسمي لبناني واسع عن مواكبة المشروع خلال السنوات الماضية، باستثناء حضور السفير اللبناني مجدي رمضان في افتتاح النصب، فيما لم يظهر أي دور ثقافي أو دبلوماسي لبناني فاعل في النقاش المرتبط بالمضمون التاريخي أو الرمزي للعمل.
في المقابل، نقلت وسائل إعلام أميركية تصريحات لمسؤولين في بلدية نيويورك، بينهم كريستوفر مارت وبروس إهرمن، تحدثوا فيها عن “الهجرة السورية الأولى” إلى الولايات المتحدة، من دون توضيح الخلفية اللبنانية الأساسية لتلك المرحلة.
ويعيد هذا الجدل فتح ملف أوسع يتعلق بكيفية توثيق تاريخ الهجرة المشرقية إلى الولايات المتحدة، وخصوصاً في ظل التداخل التاريخي بين التسميات الجغرافية والسياسية قبل نشوء دول المنطقة الحديثة.
فبينما يرى البعض أنّ استخدام مصطلح “السوريين” ينسجم مع السياق الاداري والتاريخي لتلك الحقبة يعتبر آخرون أنّ تجاهل الدور اللبناني الأساسي في الهجرة الأولى وفي تأسيس أدب المهجر والصحافة العربية في أميركا يؤدي عملياً إلى إعادة صياغة الرواية التاريخية بصورة غير دقيقة.
وفي ظل غياب أي تحرّك لبناني رسمي لتوضيح هذه النقاط أو المطالبة بتعديل السردية المعروضة في المشروع، يتوقع أن يستمر الجدل داخل الأوساط الاغترابية والثقافية اللبنانية، خصوصاً أنّ القضية ترتبط مباشرة بواحدة من أهم المحطات في تاريخ الانتشار اللبناني حول العالم.
