الزميلة الشهيدة آمال خليل
آ
موقع مصدر دبلوماسي
لم تكن آمال خليل مجرد صحافية تمرّ على الأحداث لتنقل أخبارها، بل كانت هي “الخبر
والنبض والمرآة الصادقة التي لم تنكسر يوماً فمنذ
الرابع عشر من آب 2006، ومع بزوغ فجر العدد الأول من جريدة “الأخبار”، نذرت آمال
نفسها لتكون صوت الجنوب اللبناني حتى استحقّت بجدارة لقب
“مراسلة الجنوب” الذي التصق باسمها كوشمٍ لا يُمحى.
وبالأمس، وفي بلدة الطيري
الجنوبية الصامدة، اختارت آمال أن تلعب جولتها الأخيرة مع الموت الذي طالما
لاحقها، فأبت إلا أن تهزمه بطريقتها الخاصة لترحل شهيدةً تحت سقف منزلٍ ظنته سيحميها من شظايا الحقد،
فكان هو المحطة الأخيرة في رحلة عشقها للأرض التي لم تغادرها يوماً.
بدأت فصول المأساة حين كانت آمال، كعادتها، في الخطوط الأمامية لتغطية صمود القرى
المحاذية لبنت جبيل، برفقة الزميلة المصورة زينب فرج، وبينما كان الطيران المسيّر
يملأ السماء، استهدفت اسرائيل سيارة مدنية كانت تسير أمامهما، فترجّلت آمال بفروسية
الصحافي المقاوم لتبلغ الفرق الصحية عن استشهاد المختار علي نبيل بزي والشاب
محمد أيمن حوراني.
في تلك اللحظة، كان الجيش الاسرائيلي الذي حرّض عليها علانيةً قبل أيام عبر الناطق بإسمه يتربص بها، فأغار
مجدداً ليعطل سيارتها ويجبرها على اللجوء إلى أحد المنازل للاحتماء، في وقتٍ
كان فيه “الميكانيزم” الدولي يتلكأ في إعطاء الإذن للصليب الأحمر للتحرك، وكأن
العالم كان يتواطأ بالصمت ليمنح آلة القتل الاسرائيلية وقتاً كافياً لتنفيذ
جريمتها الموصوفة، حيث انقضّ الطيران الحربي على البيت الذي احتمت فيه
الزميلتان، لتُفقد آمال تحت ركام سقفين انهارا عليها، حتى وجدتها فرق الدفاع
المدني عند منتصف الليل شهيدة جديدة للصحافة.
إنّ ملاحقة الاحتلال لآمال خليل ليست وليدة اللحظة، بل هي ضريبة ثباتها لسنوات في
مواجهة نار القذائف التي كانت تنجو منها بالأمتار، وهي التي دُمّر منزل ذويها في
أيلول الماضي ونجت من الموت بفارق ثوانٍ، لكنها لم تتراجع، بل زادتها التهديدات
إصراراً على نقل صور انكسار “الجيش الذي لا يقهر” في تلال الخيام وأزقة
الناقورة. لقد استطاعت آمال، بمعدات بسيطة وقلبٍ جسور، أن تهزم الماكينات
الإعلامية التي تنفق المليارات لتشويه الحقيقة، فصوّرت صمود الجنوبي في أرضه حتى
وهو يزرعها تحت أزيز المسيّرات، ونقلت للعالم معنى أن يكون الصحافي شريكاً في
القضية لا مجرد مراقبٍ لها، فكانت كلمتها وصورتها أصدق من كل الدعاية
الصهيونية.
يتقدم موقع “مصدر دبلوماسي” بأحر التعازي والمواساة من أسرة
الشهيدة آمال خليل، ومن أسرة جريدة “الأخبار” كما يتقدم بلتعزية إلى الجسم الصحافي اللبناني عموما.
