الخارطة لا تقول إن هذه القرى "محتلة بالكامل" عسكرياً وبشكل دائم، بل تصنفها "منطقة عمليات" يهدف الجيش الإسرائيلي لتطهيرها من البنية التحتية للمقاومة لخلق واقع أمني جديد.
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
وزّع جيش العدو الإسرائيلي خريطة رسم عليها مناطق باللون الأصفر [هي بالأحمر في الخريطة المرفقة مع هذا التقرير] أطلق عليها تسمية “منطقة خط الدفاع الأمامي”.
هذه الخارطة التي أثارت سيلا من التحليلات لا تزال تخضع لتمحيص دقيق يكشف الفوارق الشاسعة بين الأهداف الدعائية للعدو وبين الحقائق الصلبة على أرض الميدان.
وتشير التقارير الميدانية الموثقة إلى أن الإعلام الحليف لإسرائيل يروج لأرقام مضخمة جداً حول القرى التي تم التوغل فيها، حيث يتم الحديث عن احتلال 55 قرية في حين أن الواقع العسكري قبل اشتداد المواجهات كان يقتصر على خمسة إلى ثمانية مواقع حدودية فحسب.
وهنا لا بد من استعادة السياق التاريخي القريب فلبنان بأسره، من الجنوب إلى البقاع وصولاً إلى بيروت، كان مستباحاً بالقتل والتدمير حتى قبل اندلاع المواجهة البرية، حيث سجل استهداف نحو 500 شخص فضلاً عن اعتداءات كبرى مثل تدمير عشرة أبنية في الضاحية الجنوبية في ضربة واحدة ليلة عيد الأضحى من العام 2024، مما يعني أن محاولة العدو تصوير “إنجازاته” الحالية هي محاولة للتغطية على واقع استباحته السابقة لكل المحرمات.
وفي تفنيد لمزاعم السيطرة، يظهر جلياً أن الخارطة الموزعة [بحسب خبيرين عسكريين] تبالغ في أعداد القرى المشمولة، حيث قفزت الأرقام في الإعلام المعادي من 29 قرية إلى 55 قرية دون مستند ميداني حقيقي. كما أن إدراج قرى مسيحية مثل رميش وعين إبل ضمن “المناطق الحمراء” لا يعدو كونه تعميماً جغرافياً فهذه القرى لا يوجد فيها أي تواجد عسكري للمقاومة ودخول جيش العدو إلى أطرافها أو محيطها هو أمر متاح عسكرياً لا يشكل أي إنجاز استراتيجي أو مواجهة عسكرية تُذكر.
وتؤكد القراءة العسكرية أن هذه الخارطة تمثل “آخر طموح” للعدو الإسرائيلي بعد أن كُبحت أحلامه الكبرى بالوصول إلى مدينة صيدا ومن ثم إلى نهر الليطاني.
إنها خارطة “التمنيات” لا الواقع إذ إن أكثر من نصف المساحة المشار إليها باللون الأحمر ليست تحت سيطرة اسرائيل والبرهان الأكبر على ذلك هو فشل العدو الذريع في السيطرة على مدينة بنت جبيل الاستراتيجية، رغم تأخير البدء الفعلي للهدنة لإعطاء فرصة لقواته لتحقيق هذا الخرق، كما أن صمود قرية “كونين” في القطاع الأوسط حال دون سقوط بنت جبيل، وهو ما ينسحب أيضاً على قرى الشقيف ويحمر في القطاع الشرقي، والتي زارها الأهالي فور إعلان الهدنة في تحدٍ واضح للاحتلال.
أما المشهد الرمزي الذي اختصر حقيقة التواجد الإسرائيلي، فكان في قلعة الشقيف، حيث قام أحد المواطنين باقتلاع العلم الإسرائيلي ورميه أرضاً، وهو العلم الذي وضعه العدو بواسطة “محلقة” (طائرة مسيرة) خلال الحرب لعجزه عن تثبيت نقاط عسكرية دائمة داخل القلعة. وهذا يؤكد أن التواجد الإسرائيلي في كثير من النقاط كان “تواجد نار” واستعراض، وليس سيطرة “تمكين” واستقرار.
حقيقة تجريف القرى
وعلى مقلب آخر، تبرز الحقيقة المأساوية المتمثلة في سياسة “الأرض المحروقة” وتجريف القرى. فبالرغم من فشل العدو في السيطرة العسكرية المستدامة بعمق 10 كيلومترات كما تروج الشائعات — حيث لم يتجاوز التوغل الفعلي في معظم النقاط 2 إلى 5 كيلومترات — إلا أنه عمد إلى تدمير ممنهج للقرى الحدودية مثل ميس الجبل وبليدا ويارون وغيرها. وتتم عمليات التجريف هذه عبر وحدات هندسية متخصصة تستخدم أطنان المتفجرات لتفجير أحياء كاملة، أو جرافات ضخمة لمسح المنازل، بهدف خلق منطقة عازلة خالية من المعالم السكانية، وهو ما يمثل الوجه الأبشع للعدوان.
اليوم، تبدو الهدنة، رغم هشاشتها، قائمة على وقع خروق إسرائيلية مستمرة بالقصف والتجريف مما يضعها على حافة الانهيار قبل موعدها المحدد. ومع غياب الطيران الحربي عن معظم الأجواء اللبنانية مقارنة بما كان عليه الوضع قبل الهدنة، يراقب أهالي القرى الجنوبية الوضع بحذر، بعد أن زاروا قراهم وتفقدوا ركام منازلهم، مؤكدين أن الأرض التي عجز العدو عن احتلالها عسكرياً، لن ترهبهم سياسة التجريف عن العودة إليها وإعادة إعمارها، ليبقى “الخط الأصفر” الذي رسمه العدو مجرد أوهام على ورق أمام صمود الواقع اللبناني.
ملخص عملي:
تحليل الخارطة (ماذا تقول إسرائيل؟)
الخارطة تضع القرى الحدودية ضمن ما تسميه “منطقة خط الدفاع الأمامي” (باللون الأحمر).
- العمق: بالنظر إلى المقاييس الجغرافية، هذه المنطقة الحمراء لا تصل إلى عمق 10 كلم في معظم النقاط. هي تتراوح بين 2 إلى 5 كيلومترات في أغلب المناطق وتتوسع قليلاً في مناطق معينة مثل وادي السلوقي أو باتجاه الخيام.
- الهدف الإسرائيلي: الخارطة لا تقول إن هذه القرى “محتلة بالكامل” عسكرياً وبشكل دائم، بل تصنفها “منطقة عمليات” يهدف الجيش الإسرائيلي لتطهيرها من البنية التحتية للمقاومة لخلق واقع أمني جديد.
- الوقائع:
- السيطرة مقابل التواجد: إن وجود قرية داخل “المنطقة الحمراء” لا يعني سقوطها عسكرياً. في مدن مثل بنت جبيل والخيام، حاول الجيش الإسرائيلي الدخول مراراً ولم يستطع تثبيت نقاط سيطرة دائمة داخل مراكز المدن، وظل الاشتباك قائماً حتى اللحظة الأخيرة قبل وقف إطلاق النار.
- القرى المسيحية (رميش وعين إبل): هذه القرى تقع جغرافياً ضمن “نطاق العمليات” في الخارطة الإسرائيلية، لكنها لم تشهد مواجهات عسكرية أو احتلالاً لأنها لم تكن تشكل “تهديداً” مباشراً من وجهة نظر إسرائيل، وإدراجها في الخارطة الحمراء هو تعميم جغرافي وليس عسكرياً.
- مشهد العلم في الشقيف: الوقائع تؤكد أن الكثير من التحركات الإسرائيلية كانت “استعراضية” (دخول قوة، رفع علم، تصوير، ثم الانسحاب)، وهذا يدعم قول التقرير بأن السيطرة لم تكن مستقرة.
- ما يجب لحظه:
- التقليل من حجم التدمير: لا يجب تجاهل أن إسرائيل نجحت فعلياً في تدمير (تجريف) أجزاء واسعة من قرى الحافة الأمامية (مثل محيبيب، بليدا، يارون). حتى لو لم تكن إسرائيل “موجودة” جسدياً في القرية الآن، فإنها أخرجتها من الخدمة السكنية والعسكرية عبر التفخيخ الممنهج.
- الأرقام (55 قرية): رقم 55 قرية الذي يذكره الإعلام ليس بالضرورة “احتلالاً”، بل هو عدد القرى التي طُلب من سكانها الإخلاء والتي تعرضت لعمليات برية أو غارات مكثفة.. حقيقة الـ 10 كيلومترات والتجريف
- الـ 10 كلم: هي “شائعة” إذا قصدنا بها سيطرة كاملة ومستمرة، ولكنها “حقيقة” إذا قصدنا بها المدى الناري الذي وصلت إليه القوات الإسرائيلية في بعض النقاط المتقدمة أو القصف الذي استهدف القرى.
- كيف تُجرف القرى؟ هذا هو الواقع الأشد مرارة. الجيش الإسرائيلي لا يكتفي بالدخول والانسحاب، بل يستخدم فرقاً هندسية (وحدة ياهلوم) لزرع أطنان من المتفجرات في أحياء كاملة وتفجيرها دفعة واحدة، أو استخدام الجرافات لمسح المنازل القريبة من الحدود لتوفير “رؤية مكشوفة” لقواته ومنع المقاومة من استخدام المباني لاحقاً.
الخارطة الإسرائيلية هي خارطة “طموح أمني“ ومنطقة عازلة مفترضة، وليست خارطة سيطرة فعلية مستقرة على الأرض. المقاومة لا تزال تملك القدرة على الحركة في الكثير من هذه المناطق والدليل هو عودة الأهالي لبعض النقاط فور وقف النار.
ومع ذلك، يجب الحذر من أن “عدم السيطرة الإسرائيلية” لا يعني أن هذه القرى بخير فالحقيقة أن إسرائيل مارست سياسة “المسح الجغرافي“ في القرى الملاصقة للحدود وهو ما يجعل هذه القرى حالياً غير صالحة للسكن بغض النظر عن الطرف الذي يسيطر عليها عسكرياً الآن.
