جولة في الضاحية الجنوبية لبيروت: بائع الكبيس أبو علي في منطقة المريجة
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
ليس من السهل أن تجول في الضاحية الجنوبية لبيروت في اللحظة التي يطلق فيها الناطق باسم الجيش الاسرائيلي أفيخاي أدرعي صفارات إنذاره عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
التحدي هنا ليس مجرد مغامرة بل هو انغماس في مختبر إنساني يفسر لماذا فشلت الآلة العسكرية الاسرائيلية في كسر إرادة هذه الرقعة الجغرافية التي تمتد قرابة المئة كيلومتر على مشارف بيروت العاصمة.

في جولة دامت ساعة، امتدت من الشياح والغبيري، وصولاً إلى حارة حريك، بئر العبد، الجاموس، الكفاءات، حي الأميركان، المريجة والصفير وغيرها كان ثمة خيط رفيع يربط بين الأنقاض والمارة: إنه “اليقين بالنصر” الذي يتجاوز لغة الأرقام والدمار.
عن “فأس” الفلاح الروسي وأهالي الضاحية
تستحضر الذاكرة التاريخية هنا واقعة شهيرة لـ”نابليون بونابرت” أثناء غزوه لروسيا حين التقى فلاحاً روسياً وأراد إذلاله، فأمر جنوده بوشم يد الفلاح بالنار باسم “نابليون” ليكون ملكاً له. وبكل برود، حمل الفلاح فأسه وقطع يده الموشومة وقال: “خذها، أما أنا فحرّ”. يومها التفت نابليون لجنوده وقال جملته الشهيرة: “لقد خسرنا الحرب”.

هذا الفلاح الروسي يسكن اليوم في كل زاوية من زوايا الضاحية. العدو يراهن على “كي الوعي” بالنار والدمار، لكن أهل الضاحية، بصمودهم الأسطوري، يقولون للعالم إنهم قطعوا يد التبعية والخوف. إنهم يخسرون بيوتهم، لكنهم يربحون هويتهم. وبقاء المرء في الشياح أو الغبيري تحت أزيز المسيرات هو “فأس” الضاحية الذي يقطع أمل الاحتلال في تحقيق أي إنجاز معنوي.
خلف عدسات الإعلام: الضاحية لا تزال واقفة
يركز بعض الإعلام ومن يدور في فلكه على مشاهد الركام وكأن الضاحية سوّيت بالأرض. الحقيقة التي رصدتها جولة موقع “مصدر دبلوماسي” مغايرة. صحيح بأن هنالك دمار موجع وأحياء نُزعت أحشاؤها، لكن الضاحية ككتلة عمرانية وبشرية لا تزال واقفة، شامخة، ولم تنحنِ. الدمار موجود بين حي وآخر، لكنه “جراحي” في كثير من الأحيان، بينما النسيج العام للمنطقة لا يزال ينبض بالحياة رغم كل شيء.
مشاهدات من “قلب العاصفة“
في بئر العبد، تجد رجلا فتح محله لبيع “الكبيس” وكأن الفصول لم تتغير. وفي زاوية أخرى، ميكانيكي يعمل في “كاراجه” لإصلاح السيارات وسط الركام. المشهد الأكثر دلالة كان لأبٍ، في أحد الأحياء، يعلّم نجله الفتي “الرماية” بمسدس حربي هنا لا تُعلّم الرماية للعدوان، بل كطقس من طقوس الاستعداد لغدٍ لا مكان فيه للضعفاء.
على مشارف الشياح، خيام نُصبت في العراء. هؤلاء ليسوا نازحين بالمعنى التقليدي بل هم حراس الذاكرة. ينامون في الخيام ليكونوا قرب بيوتهم التي يزورونها يومياً يتفقدون “رائحة المكان” ويستمدون منه شجاعة لا تلمسها خارج هذه الأسوار المعنوية.

حين يكسر الذهب منطق الحرب
الضاحية اليوم ليست مجرد جغرافيا للمواجهة، بل هي “موسوعة” إنسانية مفتوحة على التناقضات المدهشة هي المكان الذي تجد فيه “شكسبير” و”نيوتن” و”المتنبي” لافتاتٍ لمحلاتٍ شعبية صمدت لتُخبر المارين أن الثقافة هنا ليست ترفاً، بل هي هوية معلّقة على الأبواب.
في أزقتها، تذوب الفوارق التي يحاول الإعلام تكريسها فترى المحجبة والسافرة تسيران جنباً إلى جنب في رحلة تتحدى الغارات وتسمع نداء “حاج” يجمع تحت ظلاله “علي” و”إيلي” في وحدة حالٍ وطنية عفوية. لكنّ المشهد الأبلغ الذي يختصر تحطيم “رأس المال الجبان” هو ذاك المحلّ لبيع الذهب في “بئر العبد” بواجهاته اللامعة التي ترفض الإخلاء رغم التهديد. إن بقاء الذهب في واجهته ليس مجرد تجارة، بل هو إعلان سياسي بليغ: هنا الأرض أصلب من المعدن وهنا الناس لا يحزمون حقائبهم بانتظار “نهاية” الحرب
بل يعيشون داخلها وكأنها تفصيل عابر. إن هذا العناد الشعبي، الذي يجمع بين بساطة “بائع الكبيس” وجرأة “تاجر الذهب”، يثبت أن الضاحية التي أُخرجت يوماً من حسابات الدولة قد صنعت لنفسها “دولة معنوية” لا تُهزم، محوّلةً الفتات إلى معنى والرماد إلى حياة تتجدد قبل أن ينجلي الغبار.
حراس الليل والنهار
عند “مرقد السيد”، الصمت يلف المكان الذي أُقفل أمام الزوار، لكن الأرواح هناك لا تهدأ. الطرقات المؤدية إلى بعض المباني المدمرة مقفلة بسواتر رمزية أو عوائق لمنع السرقات، وتحت أعين شبان في العشرينيات، يرتدون الأسود، يحملون السلاح هم “شباب حزب الله” الذين لم يغادروا الميدان، عيونهم تراقب اللصوص وتحمي أرزاق الناس، حتى وهم تحت خطر القصف المباشر.

ستعود في ستة أيام
في طريق العودة، وبينما كانت إذاعة “النور” المشلعة وتلفزيون “المنار” المدمر نصفياً يرويان حكاية الاستهداف الإعلامي، قال لي رفيقي في الجولة بثقة مطلقة: “هذه الضاحية التي تكسّرت بعض أطرافها، ستعود إلى الحياة في ستة أيام بمجرد أن تصمت المدافع”.
إن ما يفعله أهالي الضاحية اليوم هو تعريف جديد للانتصار، الانتصار ليس في عدم التضرر، بل في عدم الانكسار. إنهم يثبتون لـ “نابليون العصر” أن اليد التي تظن أنك وسمتها بالنار، قد قُطعت بإرادة أصحابها لتبقى الروح حرة، وأن البيوت التي هُدمت هي مجرد قشور لجوهر صلب لا تصله الصواريخ.

الضاحية ليست مجرد مبانٍ من إسمنت، إنها “حالة” من العناد التاريخي. ومن يتجول فيها اليوم يدرك أن الحرب لم تُحسم بالبارود، بل حُسمت منذ اللحظة التي قرر فيها “بائع الكبيس” أن يفتح بابه في وجه “إنذارات أدرعي”. الضاحية لم تسقط، ولن تسقط، لأن أهلها ببساطة… اختاروا أن يكونوا هم “الفأس”.
