تُظهر هذه الخريطة بوضوح سبب الخطأ في القول إن إسرائيل اجتاحت كل مناطق نهر نهر الليطاني أو حتى “جنوبه” بالكامل. فعند النظر إليها، نرى أن الخط الحدودي (الخط الأزرق) يقع في أقصى الجنوب، بينما يجري الليطاني شماله داخل عمق الأراضي اللبنانية، مارًّا بعيدًا عن الحدود خصوصًا في القسم الغربي (منطقة صور والناقورة). المساحة الواقعة بين النهر والحدود ليست نقطة واحدة بل شريط واسع يضم عشرات القرى والبلدات الممتدة على عشرات الكيلومترات. لذلك، حتى لو وُجدت عمليات أو توغلات في نقاط محددة على الحدود مثل كفركلا أو الناقورة، فهذا لا يعني السيطرة على كامل هذا الشريط، ولا الاقتراب من مجرى الليطاني نفسه في معظم مناطقه. الخريطة تُظهر الفارق بوضوح: الحدود في الأسفل، الليطاني في الأعلى، وبينهما مساحة جغرافية كبيرة، ما يجعل استخدام تعبير “اجتياح جنوب الليطاني” بشكل شامل تعبيرًا مبالغًا فيه وغير دقيق جغرافيًا.
“مصدر دبلوماسي”
خاص
في خضم التغطيات الإعلامية للحرب، يتكرر استخدام تعبيرات مثل “اجتياح جنوب الليطاني” أو “الوصول إلى الليطاني”، ما يخلق انطباعًا واسعًا لدى القارئ بأن إسرائيل سيطرت على مساحة جغرافية كبيرة داخل لبنان. إلا أن التدقيق في الجغرافيا، كما تُظهره الخريطة، يكشف أن هذا الاستخدام في كثير من الأحيان مبالغ فيه وغير دقيق.
تُظهر الخريطة بوضوح أن الخط الحدودي (الخط الأزرق) يقع في أقصى الجنوب، بينما يجري نهر نهر الليطاني شماله داخل عمق الأراضي اللبنانية، مارًّا بعيدًا عن الحدود، خصوصًا في القسم الغربي (منطقة صور والناقورة). وبين هذين الخطين تمتد مساحة واسعة ليست نقطة واحدة بل شريطًا جغرافيًا كبيرًا يضم عشرات القرى والبلدات. لذلك، حتى في حال حصول عمليات أو توغلات في نقاط محددة على الحدود مثل كفركلا أو الناقورة، فإن ذلك لا يعني السيطرة على كامل هذا الشريط، ولا الاقتراب من مجرى الليطاني نفسه في معظم مناطقه.
لفهم الالتباس، ينبغي النظر إلى الخريطة كمسافات فعلية لا كمصطلحات سياسية. فالليطاني يشكّل خطًا أفقيًا داخل جنوب لبنان يمر شمال الشريط الحدودي بعدة كيلومترات، وليس ملاصقًا له. عمليًا، هناك حزام حدودي ضيّق يمتد من الناقورة غربًا إلى كفركلا شرقًا، وهو المجال الذي تدور فيه العمليات عادة. أما النهر، فيقع إلى الشمال من هذا الحزام، بحيث تفصل بينه وبين الحدود مسافة تتراوح تقريبًا بين 5 كيلومترات في أقرب نقطة شرقًا (كفركلا)، ونحو 30 إلى 35 كيلومترًا غربًا (الناقورة)، نتيجة انحناء مجراه نحو الداخل قبل أن يتجه إلى البحر.
هنا تحديدًا ينشأ التضليل: حين يُستخدم تعبير “جنوب الليطاني” في الخطاب الإعلامي وكأنه مرادف للحدود أو لخط تماس مباشر، بينما هو في الواقع مساحة واسعة تمتد بين النهر والحدود. هذا يعني أن أي وجود عسكري محدود قرب الشريط الحدودي لا يساوي السيطرة على هذه المنطقة بالكامل، بل يقتصر على أجزاء منها فقط.
كما أن من الضروري تصحيح فكرة أخرى شائعة، وهي أن الليطاني يمر بمحاذاة الحدود أو يشكّل خطًا مشتركًا مع إسرائيل. هذا غير صحيح جغرافيًا، إذ إن النهر يجري بالكامل داخل الأراضي اللبنانية، ولا توجد أي قرى “يتقاسمها” مع الجانب الآخر. في المقابل، تقع جنوبه عشرات القرى الحدودية مثل الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، مروحين، البستان، يارين، الجبين، شيحين، طيرحرفا، رامية، عيتا الشعب، القوزح، دبل، رميش، عين إبل، يارون، مارون الراس، بليدا، ميس الجبل، حولا، مركبا، العديسة، كفركلا، الوزاني وغيرها، وكلها تقع بين النهر والحدود وليس على النهر نفسه.
الخلاصة أن الخلط بين “الحدود” و“جنوب الليطاني” ليس مجرد خطأ لغوي، بل هو اختزال جغرافي يؤدي إلى تضخيم الوقائع الميدانية. فالمسافة بين الخط الأزرق ومجرى الليطاني ليست تفصيلًا، بل واقع جغرافي يمتد على عشرات الكيلومترات، واختصاره في عبارة واحدة هو ما يصنع هذا الالتباس في وعي المتلقي.
