جواد عدره
طرابلس
“مصدر دبلوماسي”
خاص
عند الساعة السابعة من صباح يوم الثلاثاء 17 فبراير 2026، لم يكن الصوت في أزقة طرابلس المتهالكة صوت انهيار جديد بل كانت حركة جديدة ومختلفة هذه المرة لعمال ولأدوات بدأت أعمال تدعيم طارئة لانتشال ما تبقى من كرامة العمران وحياة الإنسان.
في قلب “شارع سوريا” بـ “حي المهاجرين”، انطلقت مبادرة جمعية الإنماء الاجتماعي والثقافي (إنماء) بالتعاون مع “متحف نابو”، في محاولة لكسر حلقة الموت التي تطارد سكان المدينة.
عدره: السياسة بالعمل لا بالشعارات
رئيس جمعية “إنماء”، جواد عدره، الذي يقتحم ملف طرابلس الشائك من بوابة التنمية والثقافة لا من “نادي السياسيين التقليديين” يرى أن المقاربة الأهم تكمن في دراسة التنظيم المدني وإنشاء مساكن تليق بالبشر. وفي حديث خاص لموقع “مصدر دبلوماسي”، يضع عدره النقاط على الحروف، كاشفاً عن فجوة هائلة بين معاناة الناس واهتمامات الطبقة السياسية في المدينة.

وبنبرة تحمل الكثير من العتب والواقعية، أطلق عدره تصريحاً مدوياً حين سألناه عن تفاعل نواب ووزراء المدينة مع هذه الكارثة الإنسانية، فقال:”لم نتلقَ أي اتصال من أي سياسي طرابلسي، ولم يسأل أحد عن هذا الملف لغاية اللحظة“.
وأضاف عدره” بأن محبة الوطن بالنسبة اليه تكون عبر “الانماء والثقافة”، مشيراً الى أن الحالة الطارئة الناتجة عن الانهيارات المتكررة تتطلب حراكاً فورياً من كل قادر، بعيداً عن الانتظار العقيم.
خطة الإنقاذ: من “المهاجرين” إلى كل طرابلس
المبادرة التي انطلقت بموافقة ودعم كبيرين من رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام، وبالتنسيق مع الهيئة العليا للإغاثة التي تتعاون الى أقصى حد وكذلك بلدية طرابلس تبدأ بخطوات عملية مدروسة. يشرح عدره الخطة قائلاً: “بدأنا بتدعيم بناءين، ثم سنوسع الدائرة لتشمل خمسة مبانٍ، ونستمر بحسب الإمكانات”.
ويوضح أن الجمعية أنهت بالفعل تدعيماً مؤقتاً لأحد الأبنية بانتظار الدراسات الهندسية النهائية التي تشرف عليها الجهات الرسمية لضمان سلامة التنفيذ.
ويطمح عدره أن تكون هذه المبادرة “عدوى إيجابية”، قائلاً: “في لبنان هنالك الكثير من الغيرة بين الناس، ومعظمها غيرة ليست إيجابية، وبالتالي أحببنا أن يغاروا من هذه المبادرة وأن يشاركوننا في إنجاحها أو القيام بمثلها”.
سجل الموت: لماذا كل هذا الاستعجال؟
تأتي صرخة عدره ومبادرته على خلفية مشهد جنائزي يلف طرابلس. ففي 8 فبراير 2026 أي قبل أيام فقط من انطلاق المبادرة شهد “حي المهاجرين” نفسه أكبر فاجعة في تاريخ المدينة الحديث بانهيار “مبنى صيداوي” الذي ابتلع تحت ركامه ما بين 14 إلى 15 ضحية.

هذه الكارثة لم تكن وحيدة؛ ففي 24 يناير 2026، انهار مبنى “الرضوان” في منطقة القبة مودياً بحياة المواطن أحمد المير وابنته الممرضة أليسار. وتستعيد الذاكرة الطرابلسية بمرارة سقوط سقف مدرسة “الأميركان” في 2022 الذي خطف الطالبة ماغي محمود (16 عاماً) وانهيار مبنى في باب التبانة في يونيو 2022 أسفر عن وفاة الطفلة جومانا ديكو وصولاً إلى فاجعة مبنى “الفوال” في الميناء عام 2019 التي أودت بحياة الشاب عبد الرحمن كاخية وشقيقته راما.
خلف كل اسم ضحية، تقف أرقام مرعبة تدعم صوابية تحرك جمعية “إنماء”؛ حيث تشير إحصاءات بلدية طرابلس ونقابة المهندسين إلى وجود 114 مبنى يواجه خطر الانهيار الفوري بينما يحتاج ما بين 600 إلى 700 مبنى لتدعيم عاجل.
هذه “القنابل الموقوتة” تتوزع في أفقر أحياء المدينة: من باب التبانة والقبة إلى جبل محسن والزاهرية والميناء القديمة.

المعوقات والتحديات
رغم التعاون الذي أبداه رئيس الحكومة نواف سلام والهيئة العليا للإغاثة وبلدية طرابلس إلا أن التحدي الأكبر يبقى هندسياً ومالياً ويحتاج أيضا الى تضافر كل الجهود، فالمباني التي تجاوز عمرها 80 عاما والتي أنهكها زلزال فبراير 2023 وغياب الصيانة المزمن، تحتاج إلى مجهود وطني يفوق قدرة جمعية بمفردها.
يختم جواد عدره حديثه بالتأكيد على أن الهدف هو تقديم “المثل العملي”، تماماً كما فعل في “متحف نابو” للحفاظ على التراث، متمنياً أن يتحرك من لم يتحرك بعد، لإنقاذ طرابلس من قدرها المحتوم تحت الأنقاض، في وقت لا يزال فيه “سياسيو المدينة” خارج السمع.
