إن قائد الجيش اللبناني، الذي يكنّ له اللبنانيون بمختلف مشاربهم أسمى آيات الاحترام والتقدير ليس "موظفاً" في الإدارة الأميركية بل هو مؤتمن على وحدة جيش وشعب ومؤسسات. لو جاراك العماد هيكل في سرديتك لسقطت عنه المعايير الوطنية، ولخان القسم الذي أقسمه بحماية لبنان ووحدته. هو يعلم، وأنت تجهل، أن حزب الله مكوّن أساسي وتوأم سياسي واجتماعي لبيئته ولا يمكن لأي قائد جيش – مارونياً كان أم من أي طائفة أخرى – أن يطعن في نسيج وطني يواجه اليوم عربدة إسرائيلية لا تبقي ولا تذر.
“البوصلة”
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
لم يكن مستغرباً ذلك المشهد “الهوليوودي” الرخيص الذي حاول السيناتور الأميركي ليندسي غراهام تسويقه عقب لقائه قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل في واشنطن. فالرجل، الذي احترف التقلب السياسي والانتهازية لسنوات ظنّ واهماً أن منصة “إكس” يمكنها أن تمنحه نصراً أخلاقياً على حساب كرامة وطنية لبنانية يمثلها قائد الجيش.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوجه غراهام وبأعلى نبرة ممكنة: انت لستَ في موقع يخولك تقييم أوضاع الدول ولا تملك من المعلومات ما يكفي لفهم تعقيدات الشرق الأوسط بل أنت مجرد شخصية ديماغوجية غارقة في الجهل السياسي المطبق.
لقد أنهى غراهام اجتماعه مع العماد هيكل لأن الأخير رفض مسايرته في سردية “الإرهاب” المعلبة.
كتب على حسابه على أكس التغريدة الآتية:
“عقدتُ للتو اجتماعًا قصيرًا جدًا مع قائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بصراحة تامة عمّا إذا كان يعتقد أن حزب الله منظمة إرهابية. فأجاب: “لا، ليس في سياق لبنان”. عند هذا الحد، أنهيتُ الاجتماع. إنهم بوضوح منظمة إرهابية. حزب الله ملطّخ بدماء أميركيين. اسألوا فقط مشاة البحرية الأميركية. لقد جرى تصنيفهم منظمة إرهابية أجنبية من قبل إدارات جمهورية وديمقراطية على حد سواء منذ عام 1997 — ولسبب وجيه. وطالما أن هذا الموقف قائم لدى القوات المسلحة اللبنانية، فلا أعتقد أننا نملك شريكًا يمكن الاعتماد عليه. لقد سئمتُ الازدواجية في الخطاب في الشرق الأوسط. فالكثير يوضع على المحكّ”.
وهنا يجب الايضاح لهذا السيناتور: إن قائد الجيش اللبناني، الذي يكنّ له اللبنانيون بمختلف مشاربهم أسمى آيات الاحترام والتقدير ليس “موظفاً” في الإدارة الأميركية بل هو مؤتمن على وحدة جيش وشعب ومؤسسات. لو جاراك العماد هيكل في سرديتك لسقطت عنه المعايير الوطنية، ولخان القسم الذي أقسمه بحماية لبنان ووحدته.
هو يعلم، وأنت تجهل، أن حزب الله مكوّن أساسي وتوأم سياسي واجتماعي لبيئته ولا يمكن لأي قائد جيش – مارونياً كان أم من أي طائفة أخرى – أن يطعن في نسيج وطني يواجه اليوم عربدة إسرائيلية لا تبقي ولا تذر.
عن أي “شريك” تتحدث يا غراهام؟ الجيش اللبناني هو من خاض معارك “فجر الجرود” واقتلع الإرهاب من المخيمات والجبهات، وهو الذي حمى لبنان والغرب معاً. وهنا تجب مكاشفتك بما تتجاهله عمداً: في ذروة الحرب السورية كان التعاون غير المباشر وتدفق المعلومات يحمي دولاً غربية من هجمات انتحارية بفضل خبرة الجيش اللبناني وميدانية المقاومة في مواجهة “داعش” و”النصرة”. الغرب الذي يمثله غراهام كان المستفيد الأول من استقرار لبنان الذي أمنه هذا التلاحم الميداني.
ما في ما يخص استحضارك لـ”دماء المارينز” والمظليين الفرنسيين في العام 1983، فعليك أن تقرأ التاريخ جيداً قبل أن تنطق. إن تلك العمليات التي نفذها القائد العسكري الذي اغتالته دولتك في دمشق عام 2008، عماد مغنية، جاءت في سياق زمن مختلف كلياً؛ كان لبنان حينها يرزح تحت وطأة احتلال إسرائيلي غاشم، وكانت هناك مشاريع لتحويل بلدنا إلى قاعدة انطلاق لمخططاتكم في الشرق الأوسط. نحن، انطلاقاً من مبادئنا، ضد القتل لأي جنسية كانت، أميركية أم فرنسية، نستنكر إزهاق الأرواح في المطلق، ولكن لا يمكن لعقل سياسي وازن أن يسقط وقائع العام 1983 على واقع حزب الله اليوم. حزب الله اليوم هو حزب سياسي ممثل في البرلمان والحكومة، خطابه تحت سقف الدولة، وجلّ ما يطالب به هو تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته أميركا نفسها في نوفمبر 2024، وهو جاهز للتفاوض والكلام، فكيف تحرض قائد الجيش على تصنيف مكون لبناني يدافع عن أرض منتهكة وأرواح مستباحة لمجرد أنك تابع لترامب وتريد فرض إملاءاتك؟
انظر إلى بيانات وزارة الخارجية اللبنانية، التي يرأسها دبلوماسي محترم مثل يوسف رجي، والذي بالرغم من التزامه بالتوجهات الدولية، لم يعد قادراً على الصمت أمام الانحياز الأميركي الأعمى. فقدّم شكوى رسمية لمجلس الأمن الدولي توثق 2036 خرقاً إسرائيلياً للسيادة اللبنانية في ثلاثة أشهر فقط! أين كنت يا غراهام من هذه “العربدة”؟ أين أنت من تقارير “اليونيفيل” التي تتهم إسرائيل برش مواد كيميائية سامة وقاتلة على القرى والسهول اللبنانية؟
إن الولايات المتحدة، التي تقود اليوم “ميكانيزم” المراقبة برئاسة عسكري أميركي، تثبت عجزها الفاضح عن لجم إسرائيل التي قتلت لليوم أكثر من 400 شخص وجلهم مدنيين ، بينما يتعاون الجيش اللبناني وقائده إلى أقصى الحدود وفق المقررات السياسية، ولكن ضمن حدود الوحدة الوطنية التي هي “الخط الأحمر” الذي لن نسمح لأمثالك بتجاوزه.
عن أي إرهاب تتحدث ؟الإرهاب الحقيقي هو ما تمارسه بلادك التي تختار “رؤوس الإرهاب” لتنصبهم رؤساء لدول، وتغض الطرف عن مقتل آلاف المدنيين والأطفال في غزة، بل وتذهب أبعد من ذلك في البلطجة الدولية عبر “خطف” رئيس دولة وزوجته كما حدث اخيرا في فنزويلا؟ هذا هو الإرهاب الممنهج الذي تمثله سياساتكم. .
وعن أي “شراكة” تتحدث؟ وأنتم الذين تحرمون الجيش اللبناني من أي سلاح “كاسر للتوازن” خوفاً على ربيبتكم إسرائيل؟ تريدون جيشاً يعمل “ناطوراً” لمصالحكم ولأمن إسرائيل، بينما هو في الحقيقة من خاض معارك “فجر الجرود” واقتلع الإرهاب من المخيمات، وحمى لبنان والغرب معاً. وهنا نعود نذكرك: في ذروة الحرب السورية، كانت معلومات الجيش اللبناني، وبالتعاون غير المباشر مع المقاومة، هي التي تحمي عواصمكم من الهجمات الانتحارية.
ختاماً، يا سيناتور غراهام، من كان بيته من زجاج لا يرشق الناس بالحجارة. إن الفضائح الجنسية والاخلاقية تضج بها أروقة واشنطن ووزارة العدل الأميركية والتي تلوث سمعة النخبة التي تنتمي إليها، تجعلنا نقول لك: “اخجل من نفسك”. عندما تتحدث إلى شخصية بوقار ونزاهة قائد جيشنا، عليك أن تضع رأسك في الأرض. أنت لست سوى “إبستيني” في ثياب سيناتور سناتور، وسيظل الجيش اللبناني وقائده أكبر من تحريضك الصبياني وأرفع من ديماغوجيتك الرخيصة.
