وصل وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى بيروت مساء الخميس في زيارة رسمية تحمل طابعاً سياسياً وأمنياً دقيقاً، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، لإجراء مناقشات توصف بالحاسمة حول استقرار لبنان ومسارات دعمه.
“مصدر دبلوماسي”
مارلين خليفة
وصل وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو إلى بيروت مساء الخميس في زيارة رسمية تحمل طابعاً سياسياً وأمنياً دقيقاً، في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، لإجراء مناقشات توصف بالحاسمة حول استقرار لبنان ومسارات دعمه. ومن المقرر أن يلتقي بارو، يوم الجمعة 6 شباط/فبراير 2026، كبار المسؤولين اللبنانيين، في مقدمهم رئيس الجمهورية جوزيف عون، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيس الحكومة نواف سلام، وزير الخارجية يوسف رجي، وقائد الجيش العماد رودولف هيكل، في حال عودته من واشنطن.
وبحسب مصادر دبلوماسية، ستتركز المحادثات على ثلاثة عناوين مترابطة: الأمن الحدودي وتثبيت وقف إطلاق النار، الإصلاحات الداخلية كشرط للدعم الدولي، والتحضير لمؤتمر باريس المقرر في 5 آذار/مارس المقبل لدعم الجيش اللبناني، مع التأكيد على تجنيب لبنان الانخراط في دوامة التصعيد الإقليمي.
التحضير لمؤتمر باريس: الجيش في صلب المقاربة
يتصدر التحضير للمؤتمر الدولي لدعم الجيش اللبناني جدول أعمال الزيارة. المؤتمر، الذي أُعلن عنه في كانون الثاني/يناير 2026 ويرأسه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، سيجمع نحو خمسين دولة وعشر منظمات دولية، بهدف حشد دعم سياسي ومالي مستدام للمؤسسة العسكرية وقوى الأمن الداخلي، في إطار مقاربة تدريجية لنزع سلاح الجماعات غير الحكومية.
وتؤكد الرئاسة اللبنانية أن المؤتمر سيفتتح بكلمة لماكرون، في إشارة واضحة إلى التزام باريس الطويل الأمد. وقد سبقت التحضيرات مشاورات مكثفة مع “الخماسية” (الولايات المتحدة، فرنسا، السعودية، مصر وقطر)، وزيارات قام بها مبعوثون فرنسيون، أبرزهم جان-إيف لودريان.
ميدانياً، أنجز الجيش اللبناني المرحلة الأولى من خطة انتشاره جنوب نهر الليطاني، حيث صادر أسلحة وفكك منشآت، على أن يعرض قائده رؤية المرحلة الثانية التي تشمل المنطقة الممتدة بين شمالي الليطاني ونهر الأولي. ويُنتظر أن يقيّم بارو هذا التقدم، رابطاً أي دعم دولي إضافي باستمرارية خطوات نزع السلاح وتعزيز سلطة الدولة. وتشير مصادر رسمية إلى أن المؤتمر قد يفتح الباب أمام تحرير أموال لتحديث الجيش، وهو ما شدد عليه الرئيس عون سابقاً باعتباره شرطاً أساسياً لاستعادة هيبة الدولة.
أمن الحدود والانتهاكات الإسرائيلية
سيطغى ملف أمن الحدود على اللقاءات، في ظل استمرار الخروقات. وتبقى آلية مراقبة وقف إطلاق النار، التي أعيدت صياغتها عام 2024 برئاسة الولايات المتحدة ومشاركة فرنسا ولبنان وإسرائيل واليونيفيل، أداة مركزية، وإن كانت مصادر لبنانية تشير إلى تركيزها على نزع سلاح حزب الله جنوب الليطاني مقابل تجاهل متكرر للانتهاكات الإسرائيلية.
ففي شباط/فبراير 2026، شنت إسرائيل غارات على أربعة معابر حدودية لبنانية-سورية، بذريعة استهداف طرق تهريب أسلحة، كما سُجلت حوادث رش مواد كيميائية في الجنوب، وصفها الرئيس عون بأنها “جريمة صحية”. وأسفرت هذه العمليات عن تدمير مبانٍ في قرى مثل كفرتبنيت وعين قانا، ومقتل كادر رفيع في حزب الله في حاروف. وفيما تبرر إسرائيل عملياتها بمخاوف إعادة التسلح، يعتبر لبنان ذلك تصعيداً غير مبرر.
وسيبحث بارو هذه الانتهاكات داعياً إلى احترام متبادل لوقف إطلاق النار. كما يُتوقع أن يتطرق إلى اللقاءات المدنية غير المسبوقة التي عُقدت في الناقورة في كانون الأول/ديسمبر 2025 بين وفود لبنانية وإسرائيلية لبحث التعاون الاقتصادي وترسيم الحدود، وهي مسار تدعمه باريس باعتباره شرطاً أساسياً لجذب الاستثمارات الدولية.
الإصلاحات الاقتصادية: شرط المساعدة
يشكل مسار الإصلاحات الداخلية محوراً ثالثاً للزيارة. فمنذ تشكيل حكومة نواف سلام في شباط/فبراير 2025، أُحرز تقدم نسبي، أبرزُه إقرار قانون معدل للسرية المصرفية في نيسان/أبريل 2025 بما يتوافق مع متطلبات صندوق النقد الدولي ومجموعة العمل المالي، في محاولة لاستعادة الثقة بنظام مصرفي مأزوم منذ 2019. كما أطلقت الحكومة شبكة الأمان الاجتماعي الوطنية واستراتيجية اجتماعية للفترة 2026-2030 بتمويل دولي، ووافق البنك الدولي على برامج للحماية الاجتماعية والتحول الرقمي.
غير أن قانون “الفجوة المالية”، الضروري لتوزيع خسائر تُقدّر بنحو 80 مليار دولار وإعادة هيكلة المصارف، لا يزال عالقاً في البرلمان، وسط مطالب صندوق النقد بتوضيح تراتبية الديون وحماية صغار المودعين. ويرى سلام أن هذه الإصلاحات تشكل المدخل الوحيد لجذب الاستثمارات العربية والدولية، مشيراً إلى أن الاقتصاد اللبناني قد يحقق نمواً حقيقياً بنحو 4% في 2026 إذا استمرت الإصلاحات، وفق تقديرات البنك الدولي. ومن المرتقب أن يربط بارو أي مساعدة فرنسية إضافية بترجمة هذه التعهدات إلى أفعال.
اليونيفيل ومستقبلها
ملف اليونيفيل سيكون بدوره حاضراً بقوة. فولاية القوة الدولية، المجددة في آب/أغسطس 2025 بموجب القرار 2790، تنتهي في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، مع نص على انسحاب منظم بحلول نهاية 2027. وتضم اليونيفيل نحو 10 آلاف جندي من 47 دولة، وتدعم الجيش اللبناني في مراقبة تطبيق القرار 1701، وقد سجلت منذ وقف إطلاق النار عام 2024 أكثر من عشرة آلاف انتهاك إسرائيلي.
يطالب لبنان بقوة دولية محايدة لما بعد 2026 لتوثيق الانتهاكات والحفاظ على الاستقرار، فيما تؤكد فرنسا، بوصفها من الدول المساهمة، ضرورة تعزيز قدرات الجيش اللبناني لملء أي فراغ محتمل. وقد شدد وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان-بيير لاكروا على استمرار دعم اليونيفيل للجيش حتى نهاية ولايتها، في ظل تزايد الحوادث العدائية ضد “القبعات الزرق”.
تحييد لبنان عن صراعات الإقليم
في الخلفية، يسعى بارو إلى تثبيت مقاربة فرنسية-أميركية مشتركة تهدف إلى عزل لبنان عن ديناميكيات الصراع الإقليمي، في ظل التوترات الأميركية-الإيرانية والمفاوضات الجارية في عُمان. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن باريس تعتمد نهجاً براغماتياً، مستفيدة من الضعف العسكري والمالي الذي أصاب حزب الله بعد مواجهات 2024، للدفع نحو نزع سلاح تدريجي وتخفيف المخاطر، من دون الانزلاق إلى مواجهة أهلية.
وفي هذا السياق، تأتي الاتصالات غير المعلنة بين السفارة الفرنسية في بيروت وحزب الله، التي تجددت الأسبوع الماضي في إطار استكشاف سبل خفض التصعيد بالر غم من عدم التخطيط لأي لقاء رسمي مع بارو.
