يقدّم التاريخ الأميركي سابقة كاشفة لا يمكن القفز فوقها: فضيحة ووترغيت، حين لم يسقط رئيس الولايات المتحدة لأن النظام قرّر تطهير نفسه، بل لأن الصحافة رفضت التواطؤ مع الصمت. بوب وودورد وكارل برنشتاين لم يطاردا إشاعات ولا خصوماً سياسيين، بل وقائع موثّقة كشفت تورّط البيت الأبيض في عهد نيكسون في التجسّس والتستّر والكذب، وأثبتت أن الديمقراطية الأميركية لا تُختبر في الخطب، بل في القدرة على محاسبة أعلى سلطة فيها.
“مصدر دبلوماسي”
البوصلة
كتبت مارلين خليفة:
Billie Jean لمايكل جاكسون،
أغنية أميركية أيقونية عابرة للأجيال وهي جزء من ذاكرة جماعية صيغت على ايقاع الحرية والحلم والتمرّد الجميل.
لكن الإصغاء إليها اليوم بعد ما كشف من وثائق في قضية جيفري إبستين لم يعد فعلا بريئا بالكامل. ثمة شرخ داخلي بدأ يتسلّل إلى السمع: كيف يمكن لثقافة قدّمت نفسها بوصفها حاملة لواء حقوق الإنسان أن تتعايش بصمت طويل مع هذا القدر من الانتهاك المنهجي للأطفال وللقاصرات؟
ما كُشف في ملفات إبستين اخيرا عبر وزارة العدل الاميركية ليس مجرد فضائح جنسية بل زلزال أخلاقي أصاب سردية كاملة. سردية الغرب عن ذاته: عن العدالة والشفافية وحماية الأضعف، وعن تفوّق المنظومة المؤسسية على نزوات الأفراد.
هذه الوثائق – حتى بعد تنقيحها وحجب أجزاء واسعة منها – أظهرت كيف يمكن للنفوذ والمال والعلاقات العابرة للحدود أن تؤمّن مظلة صمت خانقة فوق معاناة فتيات قاصرات، لسن ضحايا فرد بل ضحايا منظومة حماية للنخب.
الجزيرة التي ارتبط اسمها بإبستين لم تكن مجرد مكان، بل رمز لكيف يمكن للانتهاك أن يدار بهدوء وأن يطبع وأن يُؤجَّل حسابه سنوات، فيما تُستثمر القيم ذاتها – حقوق الإنسان وحرية الجسد الانفتاح – كواجهة خطابية أنيقة تُستخدم في السياسة والثقافة والإعلام.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط ما ثبت قضائياً بل ما أُخفي طويلاً.
فالتستّر الذي أحاط بالقضية والتأخير في الإفراج عن الوثائق والتردّد الواضح في تسمية كل من وردت أسماؤهم بوضوح كل ذلك جعل من القضية امتحانا لمصداقية المؤسسات الأميركية نفسها.
حين تتحوّل حماية “السمعة” إلى أولوية تتقدّم على حق الضحايا في الحقيقة تسقط الأسطورة، مهما كانت براقة.
في هذا السياق، لا يمكن تجاهل الصدمة الرمزية التي أحدثها تورّط الأمير أندرو وتجريده لاحقاً من ألقابه. قصر باكنغهام بما يمثله من تاريخ وهيبة لم يعد محصّناً أخلاقياً من الأسئلة.
كذلك، فإن ورود أسماء شخصيات دبلوماسية دولية بارزة في محيط إبستين من بينهم تيري رود لارسن – الذي شغل لسنوات موقعاً محورياً في ملفات أممية حساسة أبرزها القرار 1559 الخاص بلبنان يطرح إشكالية أعمق:
كيف يمكن الفصل بين الدور العام والدوائر الخاصة التي سمح الصمت المؤسسي بتكوّنها؟
الحديث هنا ليس عن إدانة قضائية بل عن مسؤولية أخلاقية تطال كل من شكّل جزءاً من شبكة نفوذ أُحيطت بشبهات خطيرة، ولو من باب القرب أو الصمت أو التغاضي.
يقدّم التاريخ الأميركي سابقة كاشفة لا يمكن القفز فوقها: فضيحة ووترغيت، حين لم يسقط رئيس الولايات المتحدة لأن النظام قرّر تطهير نفسه، بل لأن الصحافة رفضت التواطؤ مع الصمت. بوب وودورد وكارل برنشتاين لم يطاردا إشاعات ولا خصوماً سياسيين، بل وقائع موثّقة كشفت تورّط البيت الأبيض في عهد نيكسون في التجسّس والتستّر والكذب، وأثبتت أن الديمقراطية الأميركية لا تُختبر في الخطب، بل في القدرة على محاسبة أعلى سلطة فيها.
اليوم، يقف ملف جيفري إبستين عند مفترق أخلاقي مشابه. إن تكرار اسم دونالد ترامب في الوثائق، من دون صدور اتهام جنائي مثبت بحقه لا يُطرح بوصفه تشهيراً، بل باعتباره تأكيداً لمبدأ جوهري: لا حصانة سياسية أو رمزية أمام التدقيق العام. فجوهر القضية لا يكمن في إسقاط أسماء، بل في كسر منطق الاستثناء. وإذا لم يقفل هذا الملف بإفصاح كامل وشجاعة مؤسسية تضع حقوق الضحايا فوق الاعتبارات كافة فإن الضرر لن يبقى في حدود المحاكم بل سيتحوّل إلى شرخ عميق في صورة الغرب عن ذاته وفي صدقية كل خطاب أخلاقي صدّره إلى العالم.
وحينها، قد تستمرّ الأغنيات في عزف لحنها الآسر،
لكنها ستسمَع دائما محمّلة بظلّ ثقيل،
ظلّ معرفةٍ لا تسمح للبراءة أن تعود كاملة كما كانت.
