تأتي زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي لى بيروت امس الاثنين في سياق حراك قطري يهدف إلى تعزيز الاستقرار في لبنان ودعم مؤسساته الرسمية، في مرحلة تتقاطع فيها حسابات التهدئة الميدانية مع مشاريع إعادة رسم الجغرافيا الأمنية على الحدود الجنوبية.
كتبت مارلين خليفة
تأتي زيارة وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي لى بيروت امس الاثنين في سياق حراك قطري يهدف إلى تعزيز الاستقرار في لبنان ودعم مؤسساته الرسمية، في مرحلة تتقاطع فيها حسابات التهدئة الميدانية مع مشاريع إعادة رسم الجغرافيا الأمنية على الحدود الجنوبية.
وفي مؤتمر صحافي عقده في السراي الحكومي مع نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور طارق متري عقب لقاء موسع مع الوفد القطري مع رئيس الحكومة نواف سلام أعلن الخليفي عن تقديم قطر منحة بقيمة 40 مليون دولار أميركي دعما لقطاع الكهرباء في لبنان، بالتزامن مع ذلك مشروع اقتصادي لدعم القطاع نفسه بقيمة 360 مليون دولار أميركي ليستفيد منها نحو مليون ونصف مشترك في معظم مناطق لبنان.

وفي قطاع التعليم ستقدم قطر 185 منحة دراسية على مدى ثلاث سنوات لدعم التحصيل العلمي للشباب اللبناني. بالاضافة الى مبادرة رياضية لصالح نحو 4400 طفل وشاب في المناطق المتأثرة بالنزاع في لبنان ، الى مشاريع في قطاع الصحة كاعادة بناء مستشقى الكرنتينا كذلك اطلق مشروع دعم العودة الطوعية والآمنة للسوريين من لبنان الى سوريا بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة بتكلفة أولى هي 20 مليون دولار ويستهدف قرابة الـ100 الف شخص ، وجدد التأكيد على دعم الجيش اللبناني.
تراجع عنوان اعادة الاعمار
وعلى الرغم من أن الكلمة المكتوبة للوزير القطري لم تتطرق صراحة إلى ملف إعادة إعمار القرى الحدودية، إلا أن إجاباته “الدبلوماسية” عند سؤاله عن هذا الملف وما رافقها من تسريبات سابقة في وسائل الاعلام اللبنانية حول إعمار 6 قرى (كفركلا، عيتا الشعب، يارين، الجبين، طير حرفا، وعلما الشعب) عبر شركات أميركية تعكس نموذجاً كلاسيكياً لـ “الدبلوماسية الحذرة” التي تنتهجها الدوحة. وقال الوزير القطري حرفيا:” إن الدعم القطري للبنان ليس لديه حدود، وإن كل مسارات الدعم والمساندة هي محل تقييم وبحث وحوار جاد بين الحكومة القطرية والحكومة اللبنانية. ونستمر في تقييم هذه الفرص والمبادرات أملا بالكشف عن مبادرات جديدة نسعى من خلالها الى عودة لبنان الى دوره المحوري في المنطقة وايضا الدفع بعجلة التنمية والاستقرار في لبنان”.
وبحسب مصدر دبلوماسي لبناني واسع الاطلاع تحدث لموقع “مصدر دبلوماسي”، فإن هذا الغموض المتعمد يرتبط بانتظار “ضمانات مكتوبة” طلبتها قطر من واشنطن لضمان عدم استهداف إسرائيل لهذه القرى بعد إعمارها إذ يفضل الموفد القطري عدم إلزام بلاده بتعهد علني قد “يتبخر” في حال حدوث تصعيد عسكري مفاجئ قبل نضوج هذه الضمانات.

وفي ذات السياق، يهدف التجنب القطري للإعلان المباشر عن دور الشركات الأميركية في إعمار القرى الست إلى تفادي الحرج مع “الأطراف المحلية”، حيث يمثل الحديث عن إعمار حدودي بإشراف دولي وتنسيق مع “مجلس الجنوب” توازناً دقيقاً. فالدبلوماسية القطرية لا تريد أن تظهر بمظهر من يتجاوز القوى المحلية في بيئتها، ولا بمظهر من يفرض “وصاية دولية” وخصوصا مع كلام الرئيس الاميركي دونالد ترامب عن رغبته في اقامة منطقة اقتصادية في جنوب لبنان هي تغطية لمنطقة عازلة منزوعة السلاح، لذا كان التشديد على أن المبادرات تتم “بالتعاون مع الحكومة اللبنانية” لرمي الكرة في ملعب الشرعية.
وتعتمد قطر هنا سياسة “الغموض البناء” عبر وصف المشاريع بأنها “مسارات بحث وتقييم”، مما يمنحها مساحة للمناورة والتراجع أو التعديل في حال تعقدت الشروط الأمنية، مثل مطالب نزع السلاح أو الرقابة التقنية الصارمة في تلك المناطق.
من جهة ثانية، يرى مصدر سياسي لبناني في تحليل لمخرجات المؤتمر الصحافي أن كلام الخليفي ينطوي على “مقايضة سياسية” غير معلنة (الإعمار مقابل التهدئة). فمشروع القرى الست ليس مشروعاً خيرياً محضاً بل هو “مشروع تثبيت استقرار” يهدف لتثبيت السكان في قراهم على الحافة الأمامية للخط الأزرق. ويشكل وجود “شركة أميركية” مشرفة أداة لتوفير “رقابة تقنية وأمنية” تضمن عدم استخدام هذه الأبنية لأغراض عسكرية، وهو المطلب الذي تصر عليه إسرائيل وواشنطن للموافقة على الإعمار جنوب الليطاني، مما يحوّل هذه الشركات إلى “درع” يحمي المنشآت الجديدة من الاستهداف.
كما يتقاطع هذا التوجه مع سعي الدوحة لتعزيز دور “الدولة” والجيش اللبناني، حيث أكد الخليفي أن التمويل سيمر عبر القنوات الرسمية، وهو ما يدعم خطط تعزيز سلطة الجيش في الجنوب ضمن رزمة المساعدات التي يحملها للمؤسسات الأمنية. ويعتبر اختيار هذه القرى تحديداً، الواقعة على خط التماس، مؤشراً على أن المشروع جزء من “ترتيبات حدودية” أوسع مرتبطة بتقدم مفاوضات القرار 1701، حيث يبدو أن “الشيك القطري جاهز” بانتظار اكتمال المراسيم التنفيذية والبيئة الأمنية التي تطلبها الشركات الدولية.
أما في إجابته عن “الميكانيزم” والتنسيق مع واشنطن، فقد وصف الدبلوماسي اللبناني رد الخليفي بأنه “جوهرة دبلوماسية”، إذ وضع التحرك القطري ضمن غطاء دولي شرعي عبر بوابة “التكامل مع المجموعة الخماسية”.
وفي القصر الجمهوري بعد لقائه رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون أكد الخليفي “ان القيادة القطرية حريصة كل الحرص على متابعة التطورات في لبنان لا سيما في ما يتعلق بالأوضاع الداخلية والاعتداءات الإسرائيلية واعمال لجنة “الميكانيزم” بالاضافة الى الحوار ومحاولة إيجاد الحلول اللازمة، فانه لفت الى ان قطر هي جزء لا يتجزأ من المجموعة الخماسية وعلى تنسيق مع الاشقاء والاصدقاء في المجموعة، ولديها رغبة في التعاون بشكل اكبر مع لبنان لمعالجة أي تحدي من التحديات الأساسية”.

وبقوله في مؤتمره الصحافي إن الحوار مع الجانب الأميركي “مستمر”، أعطى الخليفي تأكيداً غير مباشر على الشراكة مع الولايات المتحدة الاميركية كآلية تضمن حصانة أي مشروع اعمار مستقبلي يرتكز الى الاستقرار.كما أن استخدامه لمصطلح “المسارات” بدلاً من “المشاريع” يربط الإعمار بالاستقرار السياسي والأمني كعملية طويلة الأمد تشمل انتخاب رئيس وتطبيق ترتيبات حدودية.
تصريح في القصر الجمهوري
وكان الوزير الخليفي نقل الى رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بعد اجتماعه به في القصر الجمهوري تحيات امير دولة قطر ورئيس الوزراء وزير خارجيتها مشددا على وقوف بلاده الدائم الى جانب لبنان “الذي يبقى على رأس اولوياتها في اجندتها الخارجية”. وقال انه فيما تنشغل دول المنطقة بالأوضاع الإقليمية، فاننا نأمل في ان نتمكن من التصدي للتحديات القائمة وذلك “بتعاضدنا ووحدتنا”.
وأوضح الوزير الخليفي انه يأتي والوفد المرافق بتوجيهات من الأمير تميم لتقديم الدعم والمساندة للبنان، مؤكدا ان القيادة القطرية سعيدة جدا بمستوى العلاقات المميزة بين البلدين، ان على الصعيد الحكومي او على صعيد التواصل المباشر، لافتا الى انه من المهم بمكان اشراك لبنان في المباحثات الإقليمية، وحرص قطر على هذا الامر.
وإذ اكد ان القيادة القطرية حريصة كل الحرص على متابعة التطورات في لبنان لا سيما في ما يتعلق بالأوضاع الداخلية والاعتداءات الإسرائيلية واعمال لجنة “الميكانيزم” بالاضافة الى الحوار ومحاولة إيجاد الحلول اللازمة، فانه لفت الى ان قطر هي جزء لا يتجزأ من المجموعة الخماسية وعلى تنسيق مع الاشقاء والاصدقاء في المجموعة، ولديها رغبة في التعاون بشكل اكبر مع لبنان لمعالجة أي تحدي من التحديات الأساسية. وقال :”بعد لقائنا بدولة الرئيس سلام سنعلن عن مشروع العودة الطوعية للسوريين الى بلدهم ما يخفف الأعباء عن كاهل لبنان، لافتا الى امتنان الدول لاتخاذه الخطوة الاستباقية الإنسانية بفتح ابوابه امام استضافة الاشقاء السوريين في وقت الحاجة. اما الان، فان تحسن الأوضاع، يستدعي بعض المبادرات، وقطر مهتمة بها وترغب في العمل معكم ومع المعنيين في الحكومة لتوسيع دائرتها ان كان الامر متصلا بالجانب الإقليمي، او في ما يتعلق بالشأن الداخلي كالتعليم والصحة والطاقة، ولدينا العديد من المبادرات الجيدة التي تسر اللبنانيين وتشكل انطلاقة بعض المشاريع على ان ندفع في ما بعد بسلسلة اكبر منها”.
وشدد الوزير القطري على ان مجالات الاستثمار القطرية في لبنان كبيرة، لافتا الى ما تناوله في الزيارة السابقة في هذا الاطار، وبينها موضوع الطاقة الشمسية وتوفير الطاقة الكهربائية وتحويلها الى مورد استثماري.
واعرب عن ارتياح قطر للتقدم الحاصل في المباحثات القائمة على الجانب الاقتصادي بين البلدين لافتا في المقابل الى ان قطر على رأس الدول الداعمة للجيش اللبناني، و”هو ما يزيدها فخرا”، وهي لا تزال مهتمة في هذا المجال بطريقة ممنهجة ووفق خطة واضحة كي لا تتشتت الاعمال بل تكون المساعدات في خدمة الخطط التي تسير الحكومة من خلالها.
واستقبل رئيس مجلس النواب الاستاذ نبيه بري في مقر الرئاسة الثانية في عين التينة وزير الدولة القطري الدكتور محمد عبد العزيز الخليفي والوفد المرافق بحضور السفير القطري لدى لبنان الشيخ سعود بن عبد الرحمن آل ثاني والمستشار الاعلامي للرئيس بري علي حمدان ، حيث تناول اللقاء بحث لآخر تطورات الاوضاع والمستجدات في لبنان والمنطقة والعلاقات الثنائية بين لبنان وقطر .
الرئيس نبيه بري حمّل الوزير الخليفي والوفد المرافق شكر لبنان واللبنانيين لقطر أميراً وحكومة وشعباً لوقوفهم الدائم إلى جانب لبنان ومؤازرته في شتى الميادين ، ودعمهم الجيش اللبناني بما يمكنه من القيام بدوره الوطني الجامع ، والمساهمة القطرية النبيلة في ملف إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي المتواصل عليه في لبنان .
