قادة الخليج يبحثون الأمن والاستقرار الإقليمي
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
محدث عند الساعة 6:29 دقيقة بعد ظهر 1\1\2026
مَثَّلَ إعلان مصدر سعودي لوكالة رويترز عن رفض وزير النقل في المجلس الانتقالي الجنوبي الامتثال لقرارات الحكومة وإصداره أمراً بوقف جميع الرحلات وإغلاق مطار عدن، لحظة مفصلية تعكس انتقال التوتر من المستوى السياسي والعسكري إلى نزاع مباشر على الشرعية والسيادة. فمع تحرك المجلس الانتقالي نحو التحكم بالمؤسسات الحيوية في الجنوب، ورد الحكومة بفرض قيود على حركة الطيران من وإلى أبوظبي ودبي، باتت ملفات الملاحة الجوية والمنافذ السيادية جزءاً من أدوات الضغط المتبادل. ويُشير هذا التطور إلى أن الصراع لم يعد محصوراً في السيطرة الميدانية، بل اتسع ليطال رموز الدولة ووظائفها الأساسية، في خطوة تنذر بتوسّع الأزمة خارج إطار المواجهة العسكرية التقليدية.
للمرة الأولى منذ تصاعد النزاع اليمني في العام 2014، هزّت المملكة العربية السعودية العصا تجاه شريكتها الإماراتية في إطار التحالف العربي مؤكدة أن أمنها القومي يشكل خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه ولو من دولة خليجية صديقة وذلك على خلفية تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً في جنوب اليمن.
إذ شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً برئاسة عيدروس الزبيدي هجوماً خاطفاً في مطلع كانون الاول\ديسمبر من العام 2025 وسيطر على محافظتي حضرموت والمهرة الواقعتين على الحدود الجنوبية مع المملكة العربية السعودية وعُمان، وهو ما يمثل تحركاً استراتيجياً حساساً لأن هاتين المحافظتين تضمان منافذ حدودية وموانئ بحرية حيوية مثل ميناء المكلا، وتعد نقاط عبور رئيسية للتجارة والأسلحة، كما أن السيطرة عليهما تمنح المجلس النفوذ العسكري والسياسي في جنوب اليمن وتؤثر مباشرة على الأمن القومي السعودي من خلال إمكانية تهديد الحدود أو تسهيل وصول الدعم الخارجي للانفصاليين.

فقد أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي في اليمن رشاد العليمي المدعوم سعودياً حالة الطوارئ وألغى الاتفاق الأمني مع دولة الإمارات والذي حصل في ديسمبر من العام 2022 [وهو ليس جزءا من اتفاق الرياض في العام 2019]، بعد سيطرة الانفصاليين على مساحات واسعة في محافظتي حضرموت والمُهرة على الحدود مع المملكة وعُمان، ومنح القوات الإماراتية مهلة 24 ساعة لمغادرة الأراضي اليمنية، وهو القرار الذي سارعت السعودية لتأييده، مؤكدة على ضرورة انسحاب القوات الإماراتية وإيقاف أي دعم عسكري أو مالي لأي طرف داخل اليمن، في موقف يعكس قوة التزام الرياض بحماية حدودها واستقرارها الإقليمي.
يأتي هذا التصعيد في وقت يعاني فيه اليمن من صراع طويل ومستمر منذ عام 2014، عندما سيطر الحوثيون المدعومون جزئياً من إيران على العاصمة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد، مما أجبر الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً على الانسحاب إلى عدن وطلب الدعم من التحالف العربي بقيادة السعودية لإعادة السيطرة على الدولة وحماية حدودها، وتحولت الحرب إلى ساحة للصراع الإقليمي بين الرياض وطهران.
وقد ركزت السعودية منذ البداية على حماية حدودها الجنوبية ومنع الحوثيين من تهديد أراضيها أو نقل صواريخهم، بينما لعبت الإمارات دوراً مزدوجاً، إذ شاركت في التحالف ضد الحوثيين لكنها ركزت لاحقاً على دعم المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يسعى إلى الاستقلال عن صنعاء أو حكم ذاتي واسع، وهو ما يمثل فرصة للإمارات لإقامة حليف موثوق في الجنوب يضمن لها نفوذ سياسي واقتصادي واستراتيجي من خلال السيطرة على الموانئ والمنافذ البحرية المهمة مثل عدن والمكلا مع وجود وحدات مسلحة محسوبة على الانفصاليين تعمل خارج سلطة الحكومة اليمنية المركزية ما سمح للإمارات بالضغط السياسي وامتلاك قدرة غير مباشرة على العمليات العسكرية في الجنوب.
وقد تصاعدت الأزمة حين شن المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات هجوماً خاطفاً في ديسمبر/كانون الأول 2025 وسيطر على مناطق واسعة كما ذكرنا وهو ما اعتبرته الحكومة اليمنية تهديداً مباشراً للأمن الوطني السعودي بسبب الموقع الاستراتيجي الحساس لهذه المحافظات، إذ يمكن أن تستخدم كنقطة انطلاق لأي عمليات عسكرية أو تهريب أسلحة على طول الحدود الجنوبية للمملكة، الأمر الذي دفع السعودية إلى التحرك مباشرة عبر شن غارة جوية محدودة على ميناء المكلا استهدفت دعماً عسكرياً خارجياً للمجلس الانتقالي، مؤكدة أن أي تحرك خارج سلطة الحكومة اليمنية الشرعية يمثل خطراً على أمنها القومي، وقد عبّرت الإمارات عن خيبة أملها إزاء الموقف السعودي ونفت أي تورط مباشر في التصعيد، ودعت إلى التعامل بمسؤولية لتجنب تصعيد التوترات.
وفي سياق النزاع الإقليمي والداخلي، تعكس هذه التطورات صعوبات تواجه التحالف العربي الذي تقوده السعودية، إذ أن الدعم الإماراتي للمجلس الانتقالي الجنوبي خلق نوعاً من الانقسام بين الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض والانفصاليين المدعومين إماراتياً، مع تهديد واضح لاستقرار الجنوب اليمني وقدرة الحكومة المركزية على فرض سيطرتها، بينما ترى السعودية أن أي تحرك عسكري للانفصاليين على حدودها يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي ومصالحها الإقليمية الأمر الذي جعل الطرفين أقرب من أي وقت مضى إلى مواجهة مباشرة ضمن إطار الحرب اليمنية التي أسفرت عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وقد كانت الإمارات شريكة في التحالف منذ عام 2015 لمحاربة الحوثيين، وشرعت في 2019 بسحب قواتها لكنها حافظت على التزاماتها تجاه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، كما أعلنت في 30 ديسمبر/كانون الأول إنهاء ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب في اليمن بعد تقييم شامل لمتطلبات المرحلة، بينما أدت تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً إلى مواجهات مباشرة مع قوات الحكومة اليمنية، ما جعل احتمالات النزاع بين الحليفين الخليجيين في اليمن أمراً واقعياً يتطلب مراقبة دقيقة، وتوضح الأحداث أن دعم الإمارات للمجلس الانتقالي كان محاولة لإرساء نفوذها الخاص في الجنوب، بينما ترى السعودية أن أي تحرك عسكري على حدودها يشكل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، ما يفسر التصعيد الأخير ورفض الرياض لاستمرار أي وجود عسكري إماراتي خارج إطار الحكومة اليمنية الشرعية.
