رئيس لجنة التفاوض التقنية والعسكرية السفير السابق سيمون كرم
بين السيادة و17 أيار: ما الذي يعنيه اختيار سيمون كرم لقيادة الوفد اللبناني الحدودي؟
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
قبل أكثر من أربعة عقود، وجد لبنان نفسه أمام مفترق يشبه في حساسياته ما يعيشه اليوم. ففي العام 1983، تولّى الرؤساء أمين الجميّل ومعه فريق من المفاوضين المدنيين – من بينهم فؤاد بطرس، غسان تويني، أنطوان فتال وغيرهم – إدارة واحد من أكثر المسارات دقّة في تاريخ الجمهورية: اتفاق 17 أيار. يومها، بدا المشهد وكأن الدولة تحاول انتزاع تسوية في لحظة اختلال موازين القوى، من دون تمثيل كامل لكل اللبنانيين، الأمر الذي فتح الباب أمام رفض شعبي وسياسي عارم أسقط الاتفاق رغم عبوره في المؤسسات الدستورية. وقد تحوّل 17 أيار مع الزمن إلى رمز لـ«تطبيع تحت الإملاء»، ومسار تفاوضي لم يكتسب شرعية اجتماعية كافية، فعاش شهوراً معدودة قبل أن ينهار تحت وطأة الاعتراض الداخلي.
اليوم، ومع كل مقاربة جديدة تُطرح في لبنان حول التفاوض أو تنظيم العلاقة عند الحدود الجنوبية، يعود شبح 17 أيار إلى الواجهة كتحذير من أن أي خيار لا يحظى بشرعية شعبية وتمثيل حقيقي لكل المكوّنات اللبنانية قد يتكرر مصيره. فالذاكرة الوطنية ما زالت حسّاسة تجاه أي خطوة يُنظر إليها كمسّ بالسيادة أو تجاوز لإرادة اللبنانيين، خصوصاً في الملفات التي تلامس الأمن والكرامة والحدود. ولهذا، فإن أي مسار تفاوضي – مهما اتخذ طابعاً تقنياً – يُراقَب اليوم بدقّة، خشية أن يُفتح بابٌ لا يمكن إغلاقه إذا لم يكن مبنياً على إجماع فعلي وأصالة سياسية واجتماعية.
يشكّل تعيين السفير السابق سيمون كرم لترؤس وفد لبنان في اللجنة التقنية – العسكرية المعنية بمتابعة اتفاق وقف الأعمال العدائية مع إسرائيل حدثاً سياسياً لافتاً، ليس بسبب دقّة المرحلة فحسب بل لأن اختيار “مدني” لرئاسة وفد لبناني في ملف يتّصل بحدود واشتباكات وحسابات أمنية وعسكرية يعيد الذاكرة السياسية إلى مرحلة مفصلية في ثمانينيات القرن الماضي، حين جرى تكليف شخصيات مدنية بقيادة مسار تفاوضي انتهى إلى اتفاق 17 أيار.
وبصرف النظر عن اختلاف الظروف والمعادلات الإقليمية اليوم، إلا أن تكليف شخصية غير عسكرية بهذا المستوى يُعدّ انتقالاً من منطق إدارة الملف عبر المؤسسة العسكرية وحدها إلى مقاربة سياسية – دبلوماسية تحمل دلالات تتجاوز الجانب التقني
من هو سيمون كرم؟
سيمون كرم، ابن جزين، محامٍ ودبلوماسي سابق وواحد من الأصوات التي حافظت على خطاب سيادي واضح طوال العقود الماضية. حاز إجازة في الحقوق من جامعة القديس يوسف قبل أن يدخل إلى مسار الخدمة العامة، متنقّلاً بين الإدارة المدنية والمواقع القضائية – الإدارية وصولاً إلى تعيينه محافظاً للبقاع ثم محافظاً لبيروت بداية التسعينيات.
واستند اختياره من قبل الرؤساء الثلاثة إلى جملة معايير أبرزها خلفيته السيادية الراسخة ومسيرته الدبلوماسية والأكاديمية التي تجعل منه نظيراً متكافئاً في الخبرة مع رئيس الوفد الإسرائيلي أوري رسنيك. غير أنّ العنصر الفارق في سيرة سيمون كرم يبقى مشاركته في وفد لبنان إلى مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، وهو أول مسار تفاوضي عربي–إسرائيلي مباشر بعد الحرب الباردة. يومها، كان كرم جزءاً من فريق لبناني صغير كلّف بتمثيل الدولة في مرحلة بالغة التعقيد، تداخلت فيها الضغوط الدولية مع الحسابات الإقليمية والسورية، ما أكسبه خبرة نادرة في إدارة حوارات دقيقة يجلس فيها لبنان إلى طاولة واحدة مع إسرائيل ضمن رعاية أميركية صارمة. تلك التجربة صنعت لديه معرفة متقدمة بآليات التفاوض المتعدد الأطراف، وبكيفية مقاربة الملفات التي تمزج بين القانون الدولي، والسيادة، ورسم موازين القوى. ولهذا تحديداً، تُعدّ محطة مدريد إحدى أهم المحطات الدبلوماسية في مسيرته.
عام 1992، عُيّن سفيراً للبنان في الولايات المتحدة الأميركية في مرحلة كانت الدولة اللبنانية تحاول فيها إعادة تثبيت حضورها الدولي بعد انتهاء الحرب الأهلية. إلا أن تجربته في واشنطن لم تدم طويلاً [عاما واحدا] فقد قدّم استقالته في العام التالي.
وتعود أسباب استقالته، وفق ما تسرّب في تلك الفترة، إلى خلافات جوهرية مع النهج السياسي الذي كانت تعتمده الحكومة اللبنانية بإشراف مباشر من الأجهزة السورية، سواء في إدارة العلاقات الخارجية أو في وضع الدبلوماسيين في الخارج. شعر كرم بأن هامش استقلاليته يتقلّص وأن موقع السفير بات منصّة لسياسة لا يتفق معها فاختار الانسحاب بهدوء والعودة إلى ممارسة المحاماة.
بعد خروجه من السلك الدبلوماسي لم يبتعد كرم عن الشأن العام. ظلّ فاعلاً في النقاش السياسي وجزءاً من بيئة لبنانية اتخذت موقفاً واضحاً من الوصاية السورية.
وقد برز دوره أكثر مع تأسيس “تجمّع قرنة شهوان” في العام 2001، أي قبل خروج القوات السورية من لبنان بأربع سنوات. كان التجمع يُعدّ حينها أبرز إطار سياسي معارض للوجود السوري، جامعاً شخصيات مسيحية مستقلة وقيادات فكرية وسياسية.
شارك كرم في أعمال التجمع منذ انطلاقه، قبل أن يغادره في العام 2005 بعيد تشكيل اللوائح الانتخابية. ورغم خروجه، احتفظ بخطه السياسي نفسه المرتكز على مبدأ السيادة ووحدة الدولة وضرورة إخضاع السلاح لسلطة المؤسسات الشرعية.
تميّز سيمون كرم بمواقف صريحة وغير ملتبسة في مسائل تتصل ببنية الدولة والوصاية الخارجية. كان من أوائل من وصفوا الدور السوري في لبنان بأنه هيمنة لا علاقة لها بضرورات الأمن الإقليمي، بل بتقويض استقلال القرار اللبناني.
كما اعتبر خلال السنوات العصيبة بين 2000 و2005 أن أي إصلاح سياسي أو اقتصادي لا قيمة له من دون إنهاء نفوذ الأجهزة السورية وإعادة الاعتبار للدستور واتفاق الطائف.
وفي مواقفه اللاحقة، ولا سيما بعد الاغتيالات التي ضربت قوى 14 آذار، كان من الأصوات التي طالبت بوضوح بالمحاسبة والتحقيق وبحماية منطق الدولة ودورها.
يأتي تكليف كرم اليوم في لحظة حساسة: الحدود الجنوبية مفتوحة على احتمالات كثيرة، والاتفاق الذي جرى التوصل إليه لوقف الأعمال العدائية يحتاج إلى آلية متابعة دقيقة، تجمع القدرة على التفاوض مع الفهم العميق لخصوصية الملف.
اختيار شخصية مدنية ذات خبرة قانونية – دبلوماسية يشير بوضوح إلى رغبة لدى بعض أركان الدولة في مقاربة أكثر «سياسية» وأقل عسكرية، وهو ما يراه البعض محاولة لإعادة الإمساك بالملف من قبل الدولة وليس تركه لعناصر القوة المسلحة أو للمقاربات الأمنية الصرفة.
كما أن سجله السياسي، القائم على الدفاع عن سيادة الدولة ورفض الوصاية، قد يكون عاملاً أساسياً في اختياره لتمثيل لبنان في مسار قد يتحوّل في لحظة ما من مجرد لجنة تقنية إلى تفاوض سياسي غير معلن.
تعيين سيمون كرم ليس خطوة تقنية بحتة. إنه خيار يحمل أبعاداً سياسية – تاريخية، ويعيد استحضار لحظات كان فيها المدنيون هم واجهة التفاوض في ملفات حساسة تمسّ مستقبل البلاد.
