يصل البابا لاوون الرابع عشر غدًا الأحد 30 نوفمبر 2025 إلى بيروت ويحظى باستقبال رسمي بمطار رفيق الحريري الدولي في أول زيارة رعوية له خارج روما بعد انتخابه حيث ستتبع زيارته تركيا، ما يجعل جولته الشرق أوسطية الأولى محطة محورية في بداية حبريته.
“مصدر دبلوماسي”
خاص
يصل البابا لاوون الرابع عشر غدًا الأحد 30 نوفمبر 2025 إلى بيروت ويحظى باستقبال رسمي بمطار رفيق الحريري الدولي في أول زيارة رعوية له خارج روما بعد انتخابه حيث ستتبع زيارته تركيا، ما يجعل جولته الشرق أوسطية الأولى محطة محورية في بداية حبريته.
فور وصوله، سيجتمع البابا مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ويلقي كلمة ترحيبية تتناول السلم الأهلي ودور لبنان في المنطقة، ثم يتوجه إلى بكركي للقاء البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي والاجتماع مع مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك لمناقشة قضايا الكنيسة في الشرق الأوسط وأهمية العيش المشترك بين الطوائف.
من المتوقع أن يزور مخيمات النازحين والفقراء ويلتقي الجمعيات المدنية والدينية العاملة في الإغاثة والتنمية ومرفأ بيروت ومركز الصحة النفسية قبل أن يترأس قداسًا احتفاليًا في وسط بيروت يحضره آلاف المؤمنين، حيث ستتضمن كلمته دعوات صريحة للوحدة الوطنية والحوار بين الأديان وحماية الفئات الضعيفة.
تاريخيًا، زار لبنان قبله كل من بولس السادس عام 1964، ويوحنا بولس الثاني عام 1997، وبندكتوس السادس عشر عام 2012، ما يجعل زيارة لاوون الرابع عشر ذات رمزية عالية لأنها تأتي في ظل توترات إقليمية وأزمة داخلية عميقة في لبنان، وتؤكد دعم الفاتيكان للكنائس الشرقية والحفاظ على دور لبنان كمركز للتعددية الدينية والثقافية في الشرق الأوسط.
نشأة البابا لاوون الرابع عشر وخلفيته الفكرية
ولد Robert Francis Prevost في 14 سبتمبر 1955 في مدينة شيكاغو بولاية إلينوي الأميركية، في أسرة ذات أصول متنوعة: الأب Louis Marius Prevost من أصل فرنسي-إيطالي، والأم Mildred Martínez من أصل إسباني. نشأ في ضاحية دولتون جنوب شيكاغو، وهي منطقة عمالية تتميز بتاريخها الاجتماعي الكاثوليكي، حيث كانت الكنائس والمدارس الرعوية مراكز دعم أساسية للعائلات. ترعرع في هذه البيئة التي صقلت لديه حس المسؤولية الاجتماعية والالتزام بالرعية، وهو ما انعكس لاحقًا في عمله الرعوي في أميركا اللاتينية ثم في قيادته العالمية للكنيسة.
تلقى تعليمه في مؤسسات كاثوليكية منذ صغره، فالتحق أولًا بـ “الـ المعهد الصغير” للأوغسطينيين، ثم درس الرياضيات والفلسفة في جامعة فيلانوفا وتخرج عام 1977. بعد ذلك، دخل الرهبانية في رهبنة القديس أوغسطينوس عام 1977، وأدى عهوده الأولية عام 1978 وعهوده الدائمة عام 1981. تابع دراسته اللاهوتية في الاتحاد اللاهوتي الكاثوليكي في شيكاغو، ثم أكمل دراسته في الجامعة البابوية للقديس توما الأكويني – الأنجيليكوم في روما حيث حصل على دكتوراه في قانون الكنيسة عام 1987، وتم رسامته ككاهن في 19 يونيو 1982. بعد ذلك، خدم في بيرو وأميركا اللاتينية لسنوات طويلة، حيث مارس التدريس، التكوين الرعوي للكهنة، والعمل المباشر مع الفقراء والمهمشين، وهو ما أعطاه خبرة عملية وروحية واسعة انعكست في خطاباته وقراراته لاحقًا.
المواقف السياسية والاجتماعية للبابا لاوون الرابع عشر
منذ انتخابه، أظهر البابا لاوون الرابع عشر مواقف سياسية واجتماعية واضحة، إذ دعا في أول نداء له إلى وقف الحرب في غزة وأوكرانيا، مؤكداً على ضرورة السلام الدائم، وأشار إلى احتمال إعادة تقييم الاتفاق المؤقت مع الصين حول تعيين الأساقفة، بما يعكس استقلالية نهجه عن سياسة البابا فرنسيس في هذا الملف. كما انتقد سياسات إدارة ترامب تجاه المهاجرين، وشدد على ضرورة حماية حقوق العمال ومراقبة تأثير الذكاء الاصطناعي على كرامة الإنسان، مع التأكيد على أن التكنولوجيا يجب أن تخدم البشر لا أن تحل محلهم.
في خطاباته إلى المشرعين، شدد على أهمية القانون الطبيعي والخير العام وحماية الضعفاء، بينما ركز في رسالته الشرقية على وحدة المسيحيين وحل النزاعات بالحوار، مع دعوات واضحة للحفاظ على السلام العالمي. كما حرص على أن تكون الكنيسة قريبة من المهمشين والفقراء والمهاجرين، مؤكدًا أن عملها يجب أن يكون عمليًا ورعويًا، مع مزج واضح بين النهج التقليدي والقيم الأخلاقية الحديثة.
ينبع الخط الفكري والروحي للبابا لاوون الرابع عشر من الجذور الأوغسطينية لرهبانيته وخبرته الطويلة في الخدمة الرسوليّة، خصوصًا في أميركا اللاتينية. فقد تربّى منذ صغره في بيئة كاثوليكية محافظة في ضاحية دولتون جنوب شيكاغو، حيث شكلت الكنائس والمدارس الرعوية جزءًا من حياته اليومية، وغرست فيه حسّ المسؤولية الاجتماعية والالتزام بخدمة الآخرين. انضم لاحقًا إلى رهبنة القديس أوغسطينوس التي تركز على الحياة الداخلية، والحوار مع الآخرين، والوحدة الجماعية، وهو ما يعكس أسلوبه التربوي والروحي في القيادة. طوال سنوات خدمته في بيرو وبلدان أمريكا اللاتينية، اكتسب خبرة عملية في التعليم الرعوي، تكوين الكهنة، وخدمة الفقراء والمهمشين، مما صقل حسه الاجتماعي وأكسبه منظورًا عمليًا للعدالة والرحمة، يتجاوز حدود الطقوس الكنسية.
فكريًا، يمزج البابا بين النهج التقليدي للكاثوليكية واحترام القانون الطبيعي، وبين الانفتاح على القضايا الاجتماعية والبيئية التي أبرزها البابا فرنسيس، مع نبرة معتدلة في بعض الممارسات الكنسية. يُظهر خطه الروحي اهتمامًا بالوحدة المسيحية، والحوار بين الأديان، وتعزيز العيش المشترك، ما يجعل من قيادته للكنيسة مزيجًا بين العمق الروحي، الحس الاجتماعي، والانفتاح العالمي، وهو ما ينعكس بوضوح في خطاباته وزياراته، وأولها زيارته الرعوية الحالية إلى تركيا ولبنان.
