رئيس الجمهورية جوزاف عون وولي العهد السعودي الامير محمد بن سلمان في أول زيارة خارجية لعون بعد انتخابه وذلك في آذار 2025
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
في لحظة سياسية دقيقة ومرهقة تمرّ على لبنان تبرز المملكة العربية السعودية كأحد الأطراف الإقليمية القليلة التي لا تزال تنظر إلى المشهد اللبناني بقدر من التفاؤل الممزوج بالواقعية، وبإرادة واضحة لحماية هذا البلد وإعادة رونقه ودوره.
فالمملكة، التي تعمل بهدوء ومثابرة على أكثر من خط، تعتمد في مقاربتها على ما يشبه المثل العربي القديم: «السيل إذا هبط أغنى، وإن قلّ أروى». فكما أن السيل مهما كان محدوداً، ينعش الأرض ويعيد إليها الحياة، كذلك ترى الرياض أن أي خطوة في اتجاه تثبيت الاستقرار في لبنان ـ ولو بدت صغيرة ـ يمكن أن تترك أثراً كبيراً، وأن العطاء المتدرّج قد يحقق ما تعجز عنه الصدمات الكبرى.
وهذا المثل، المنسوب في بعض المصادر إلى الإمام علي بن أبي طالب وإن كانت نسبته غير محسومة، يشكّل استعارة دقيقة للمسار الدبلوماسي السعودي القائم على التراكم والهدوء بدل المواجهة والصخب.
وفي هذا الإطار، تبدو المملكة منخرطة بقوة على الخط اللبناني، بالتعاون الوثيق مع الرئاسة الأولى برئاسة العماد جوزاف عون ومع رئيس الحكومة نواف سلام، وكذلك مع رئيس مجلس النواب نبيه بري. فالمملكة تدعم الإصلاحات التي يتحدث عنها الرئيس عون باستمرار، تلك التي “تؤذي أصحاب المصالح الضيقة” ولكن تشكّل مدخلاً ضرورياً لإحياء الدولة.
ويرتبط هذا الانخراط أيضاً بانطلاقة “مؤتمر بيروت وان” الاسبوع الماضي الذي تراهن عليه الرياض كفاتحة لمسار جديد من الاستثمارات والمشاريع في لبنان، وقد بدأت أولى مقدماته مع الحكومة الحالية التي تعمل على توفير بيئة سياسية وإدارية قادرة على جذب الدعم الخارجي.
ولعلّ من أبرز ما يميّز الدور السعودي هو حرصه على عدم إيذاء أو استهداف أي مكوّن لبناني، ورفضه القاطع لأية محاولة لتهميش أي طائفة. ولعلّ الاجتماع اللافت الذي عقده السفير وليد البخاري مع ممثلين عن الطائفة العلوية ـ وكان ذلك في طرابلس في أيلول 2024 في لقاء حواري مفتوح ضمن مبادرة “الجسور الوطنية” شكّل رسالة واضحة بأن المملكة لا تعمل خارج الإجماع اللبناني ولا تسعى لإقصاء أحد. وفي المقابل، تلقّى «حزب الله» رسائل طمأنة متعددة عبر مشايخ وشخصيات دينية وسياسية، وعبر الرئيس نبيه بري نفسه، بأن لا أحد في الداخل أو الخارج يسعى إلى استهداف الطائفة الشيعية أو تقويض دورها.
وهنا يطلّ فيليب حتّي، المؤرخ اللبناني الذي تحدّث عن “الفواجع الرمزية” التي تتعرّض لها الجماعات حين تفقد رموزها أو تعبر مراحل صدامية عنيفة وهو يعتبر أن هذه الفواجع ليست نهايات بل نقاط تحوّل في مسارات الطوائف والشعوب.
فكل الطوائف اللبنانية دفعت أثماناً مرتفعة، ولها شهداؤها الذين صاروا رموزاً لوجدانها: المسيحيون اغتيل زعيمهم بشير الجميل، السنّة خسروا رفيق الحريري، الدروز ودّعوا كمال جنبلاط، وأخيراً الشيعة فقدوا السيد حسن نصر الله. وهذه الخسائر على قسوتها، أعادت تشكيل الوعي السياسي للطوائف وأنتجت ما يشبه الذاكرة الجماعية التي تحدّد سلوكها السياسي وتحولات موقعها في الدولة.
يرى فيليب حتّي، في قراءته الطويلة لمسار الجماعات الدينية في لبنان، أنّ الطوائف ليست وحدات جامدة بل كيانات حيّة تتعلّم من سيرتها، حتى حين تكون تلك السيرة مثقلة بالمحن. فالتاريخ، مهما كان فاجعاً، يتحوّل لديها إلى عنصر صلب من عناصر الوعي الجماعي وإلى مدرسة تعيد عبرها صياغة نفسها وتحصين حضورها. ومن هنا، فإنّ الطوائف اللبنانية — بتجاربها المتراكمة من صراعات ونزاعات وتحولات — استطاعت أن تبني قدرة استثنائية على التكيّف والاستمرار بحيث غدت ذاكرتها التاريخية جزءاً لا يتجزأ من آليات بقائها في الحياة السياسية والاجتماعية.
تعتمد السياسة السعودية في لبنان على فهم دقيق لتاريخ و«ذاكرة الطوائف»، كما أشار المؤرخ فيليب حتّي، فكل طائفة تتعلم من ماضيها وتحوّل تجاربها حتى القاسية منها إلى عنصر من وعيها السياسي والاجتماعي.
ومن هذا المنطلق، تنتهج المملكة سواء بقيادتها في المملكة وعبر سياستها الخارجية التي يمثلها في لبنان السفير وليد البخاري دبلوماسية غير صدامية تهدف إلى تخفيف الاحتقان بين المكونات وبناء الثقة عبر الحوار المباشر والزيارات الميدانية والاجتماعات المستمرة.
وقد أثبت هذا النهج نجاحه في ترسيخ سمعة السعودية كطرف محايد يحترم الهويات الطائفية، ويعزز التعاون بين القوى اللبنانية المختلفة، ما مهد الطريق لرسائل التطمين لحزب الله وللمكونات الأخرى على حد سواء ولتسهيل خطوات اقتصادية وسياسية ملموسة على الأرض.
هذا الفهم العميق لمسارات الطوائف هو أحد الأسباب التي تجعل المملكة تتعامل بحذر وحكمة مع كل مكوّن لبناني مدركة أن التجارب القاسية ليست سبباً للانغلاق بل يمكن تحويلها إلى جسور جديدة للحوار.
وفي هذا السياق، رُحّب بإيجابية بما قاله الشيخ نعيم قاسم عن الانفتاح على المملكة، لكن الرياض التي تفضّل الأفعال على الأقوال تنتظر خطوات ملموسة لأن «الأقوال وحدها لا تدغدغ المشاعر» ولا تصنع ثقة ولا تغيّر مساراً.
ومع ذلك، لا تخفي المملكة إشارات الانفتاح التدريجي: فقد بدأت حركة الصادرات الزراعية والصناعية تعود من لبنان إلى الأسواق السعودية بعد سنوات من التعثّر وهو ما يمهّد بدوره لرفع الحظر تدريجياً عن سفر السعوديين إلى لبنان، وفق معادلة واضحة: كلما تعزّز الاستقرار والثقة السياسية والأمنية كلما اتسع هامش الانفتاح السياحي والاستثماري. ومع تراكم هذه الخطوات، كما يقول المثل: يمكن للسيل الصغير أن يغدو نهرًا.
هكذا تتحرك المملكة في لبنان: بواقعية، وثقة، وبحث عن استقرار طويل المدى. وبرغم كل ما يمرّ به البلد من أزمات خانقة، تبقى الرياض مقتنعة بأن المسارات يمكن أن تتغيّر، وأن لبنان قادر على النهوض إذا توفرت الإرادة السياسية والرؤية المشتركة، وأن حماية هذا البلد ليست مسؤولية لبنانية فقط بل جزء من مسؤولية عربية جماعية لا تتخلى عنها المملكة مهما اشتدت العواصف.
#مارلين_خليفة
