“البوصلة”
كتبت مارلين خليفة:
يستعد حزب الله لإحياء الذكرى السنوية الأولى لاغتيال أمينيه العامين السيد حسن نصرالله والسيد هاشم صفي الدين، عبر سلسلة نشاطات رمزية من بينها إضاءة صخرة الروشة في بيروت. مجرّد الإعلان عن هذا النشاط امس فتح سجالاً واسعاً بين مؤيّدين ومعترضين، تحت عنوان “من يملك بيروت” و”من يحق له أن يضيء رموزها”.
الجدل بحدّ ذاته يكشف عن خلل عميق في مفهوم المواطنة في لبنان. فالروشة، مثل بيروت، ليست ملك حزب أو طائفة، بل رمز لكل اللبنانيين. لكن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تقبل بيروت أن تُضاء صخرتها لأجل مناسبات دولية أو صور قادة من الخارج، بينما ترتفع الأصوات بالاعتراض حين يتعلّق الأمر بلبنانيين دفعوا حياتهم، مهما اختلفنا مع قناعاتهم أو انتماءاتهم؟
القضية ليست في الإضاءة بحدّ ذاتها، بل في الرسالة التي يبعثها الاعتراض: هناك فئة من اللبنانيين يُنظر إليها باعتبارها “أقلّ وطنية”، أو “أجنبية داخل الوطن”. وهذا يفتح الباب على أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع: التفريق بين المواطنين على أساس الانتماء السياسي أو الطائفي.
هذه الذكرى تأتي بعد عام على مذبحة الـ«بايجرز»، حيث ترك آلاف الجرحى لمصيرهم وكأنهم ليسوا مواطنين لبنانيين بل “ملفاً خاصاً” ببيئة سياسية محدّدة. هنا أيضًا تظهر الفجوة نفسها: الخارج يحظى بالاهتمام الرسمي والاحتفال الرمزي بينما الداخل، حتى حين يدفع الدم والعيون والأطراف، يبقى خارج حسابات الدولة والمواطنة.
من حق اللبناني أن يختلف مع “حزب الله”، وأن يعارض سياساته وخياراته. لكن ليس من حق أحد أن ينفي صفة المواطنة عن مناصريه أو شهدائه أو جرحاه. فالوطنية ليست بطاقة تعطى أو تُسحب بحسب الموقف السياسي، بل عقد جامع يقوم على المساواة أمام الوطن.
من هنا، يتحوّل حدث إضاءة الروشة – سواء تمّ أو لم يتم – إلى فرصة لطرح السؤال الأهم: كيف نعزّز مفهوم المواطنة في بلدٍ يتهدّده التفكّك؟ كيف نعيد الاعتبار لمبدأ أنّ كل لبناني، أيّاً كان انتماؤه، له الحق في أن يرى رموز وطنه تعكس آلامه وآماله؟
لبنان لا يمكن أن يقوم إلا على قاعدة واحدة: كل مواطن لبناني هو قيمة بحدّ ذاته، ولا يجوز أن يُقاس وطنيته بمعيار الخارج أو بالانتماء السياسي. حين ندرك هذه الحقيقة، تصبح الروشة فعلاً رمزاً جامعاً، لا ساحة سجال.