سعادة الدكتورة مريم بنت علي بن ناصر المسند
“مصدر دبلوماسي”
ألقت سعادة الدكتورة مريم بنت علي بن ناصر المسند، وزير الدولة للتعاون الدولي، كلمة هامة أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف يوم الثلاثاء 16 سبتمبر 2025، تناولت خلالها الاعتداء الإسرائيلي الأخير على دولة قطر، والذي وقع في 9 سبتمبر 2025 واستهدف منطقة مدنية مأهولة في العاصمة الدوحة.
ركزت الدكتورة المسند في كلمتها على الانتهاكات الخطرة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، بما في ذلك استهداف المدنيين والأطفال والمدارس والمساجد، مؤكدة أن هذا الاعتداء يمثل تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الإقليمي والدولي، ويمثل هجومًا على دور قطر كدولة وسيطة في جهود التفاوض لتحقيق وقف إطلاق النار في غزة وإنقاذ المدنيين.
كما سلطت الضوء على جهود الوساطة القطرية السابقة، بما فيها الإفراج عن رهائن وتحقيق اتفاقيات هدنة إنسانية، معتبرة أن استهداف قطر لا يقتصر على خرق سيادتها، بل يقوّض فرص السلام ويهدد آليات الوساطة الدولية. وأكدت على موقف قطر الراسخ في التزامها بالسلام والدبلوماسية والوساطة، ودعت المجتمع الدولي ومجلس حقوق الإنسان إلى اتخاذ خطوات عملية لمساءلة المعتدين وحماية القانون الدولي، مع التأكيد على أهمية حماية دور الدول الوسيطة كأداة أساسية لإنقاذ الأرواح وتحقيق الأمن والاستقرار.
كانت الكلمة بمثابة نداء عاجل للالتزام بالقانون الدولي وحماية حقوق الإنسان، وتأكيدًا على أن العدوان على المدنيين والدول الوسيطة لن يمر دون مساءلة، وأن العالم بحاجة إلى السلام والعدالة أكثر من أي وقت مضى.

هنا النص الكامل للكلمة:
السيد الرئيس،
أصحاب السعادة،
أتقدم بخالص الشكر لمجلس حقوق الإنسان على استجابته السريعة لعقد هذه الجلسة الطارئة، وهو ما يعكس الدور المحوري للمجلس في صون حقوق الإنسان وتعزيز السلم والأمن الدوليين. كما نثمّن مواقف الدول الأعضاء التي ساندت انعقاد هذه الجلسة في هذا الظرف الحرج.
⸻
في يوم الثلاثاء ٩ سبتمبر ٢٠٢٥، تعرضت بلادي قطر لاعتداء إسرائيلي غادر، تمثل في قصف جوي استهدف منطقة مدنية مأهولة في قلب العاصمة الدوحة، بالقرب من بعثات دبلوماسية، ومدارس، ورياض أطفال، ومساجد.
يقطن هذه المنطقة نحو خمسة آلاف نسمة، وتضم أسرًا قطرية إلى جانب أسر المقيمين والأطفال والنساء
هذا الهجوم أدى إلى سقوط شهداء وجرحى، من بينهم الشهيد الوكيل عريف بدر سعد الدوسري (٢٢ عامًا) و١٨ جريحًا. وهو لا يعد فقط انتهاكًا صارخًا لسيادة دولة قطر وسلامة أراضيها، بل يشكل خرقًا فادحًا لحقوق الإنسان الأساسية: الحق في الحياة، والأمن، وحماية الأطفال والتعليم، كما أقرتها المواثيق الدولية وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية حقوق الطفل.
إن هذا الاعتداء:
• يمثل انتهاكًا سافرًا للقانون الدولي الإنساني عبر استهداف منطقة مدنية بحتة.
• يشكل اعتداءً على دولة ذات عضوية كاملة في الأمم المتحدة، ويصل إلى مستوى إرهاب دولة.
• يعد تهديدًا مباشرًا للسلم والأمن الإقليمي والدولي.
⸻
ما يزيد خطورة الجريمة أنها استهدفت دولةً تضطلع بدور الوساطة بالتنسيق مع الولايات المتحدة ومصر للتوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة. استهداف الدولة الوسيطة هو استهداف لمبدأ التفاوض نفسه، وإفشال متعمد لجهود السلام.
لقد أسهمت الوساطة القطرية سابقًا في تحقيق نتائج ملموسة، منها الإفراج عن 135 رهينة بسلام، وهو ما أعاد الطمأنينة إلى مئات الأسر. الاسرائيليةًكما كان لقطر دور بارز في إنجاز اتفاق الهدنة الذي منح المدنيين في غزه الفرصه لتنفي الصعداء وسمحت الوساطه الانسانيه بإدخال المساعدات الغذائية للأطفال الذين يتعرضون للتجويع والقصف وحرموا من ابسط حقوقهم ،
إن هذه التجارب تؤكد أن الوساطة القطرية لم تكن أبدًا عملاً شكليًا، بل ممارسة حقيقية أنقذت الأرواح وأعادت الحقوق، ورسخت الأمل في إمكان التوصل إلى حلول سلمية للنزاعات. ومن ثم فإن استهداف الدولة الوسيطة لا يعني فقط تقويض مسار التفاوض، بل يبدّد فرص إنقاذ المزيد من الأرواح وتحقيق السلام.
السيد الرئيس،
إن هذا الاعتداء لم يكن حادثًا منفردًا، بل جزءًا من حملة أوسع تستهدف تشويه دور قطر وعرقلة جهودها الدبلوماسية. وقد تأكد ذلك بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي أعلن بوضوح استمرار التهديدات لدول أخرى، في تصعيد خطير ينذر بجرّ المنطقة والعالم إلى انتهاك ممنهج للقانون الدولي. وما جرى في الدوحة يمكن أن يتكرر في أي عاصمة أخرى إن لم يتحرك المجتمع الدولي بمسؤولية.
أما عن الموقف العربي والإسلامي، والدولي من خلال اجتماع مجلس الامن وانعقاد القمة العربية الإسلامية الطارئة، في الدوحه بالأمس
اجمعت كلها على
• إدانة العدوان الغاشم ورفض أي محاولة لتبريره.
واعتبرته انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
واكد على مفهوم الأمن الجماعي والمصير المشترك.
والتشديد على أن الشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة هي المرجعية الأساسية لتحقيق الأمن والسلام.
السيد الرئيس،
لقد أصبحنا، وللأسف، مطبّعين مع أخبار الموت والهجمات والتجويع التي تحيط بعالمنا اليوم. وهنا يبرز السؤال:
ماذا ننتظر؟ ما هي الرسالة التي نوجّهها للعالم إذا عجزنا عن وقف العداء والكراهية والعنف عبر المعاهدات الدولية؟ وما هي الرسالة التي نرسلها للأجيال القادمة بشأن مفهوم الإنسانية واحترام الحقوق والثقة بالقوانين؟
أليس واجبًا يحتم علينا أن نبحث عن سبيل لتحقيق السلام، حتى نُطبّع مع الحياة لا مع الموت، مع القانون لا مع الفوضى، مع الاتحاد لا مع التفكك؟ فالعالم يستحق أن يكون بل بيتًا آمنًا لكل شعوبه.
وإذا غاب حكم القانون، ساد منطق القوة على حساب العدالة، وتحول العالم إلى ساحة صراع بلا ضوابط، وضاعت الثقة في القوانين والمعاهدات والآليات. ولهذا، فإننا نعوّل على مجلسكم الموقر لتفعيل آلياته الدولية، وضمان عدم إفلات المعتدين من العقاب، بما يحفظ للقانون هيبته وللإنسان كرامته.
وعليه، تؤكد دولة قطر على ما يلي:
1. الإدانة القاطعة للعدوان الإسرائيلي الغادر وما ترتب عليه من استهداف للمدنيين وانتهاك صارخ للقانون الدولي.
2. دعوة المجلس والمجتمع الدولي لاتخاذ خطوات عملية لمساءلة المعتدين ومنع إفلاتهم من العقاب.
3. التنبيه إلى خطورة استهداف الدول الوسيطة، واعتبار ذلك سابقة تهدد جهود التفاوض والسلام، وضرورة بحث آليات دولية لحماية دور الوساطة.
4. تجديد التزام قطر بنهج الوساطة والعمل من أجل السلام، رغم هذا العدوان، انطلاقًا من واجبها الأخلاقي والقانوني.
ختامًا،
إننا على ثقة بأن مجلس حقوق الإنسان لن يقبل بأي انتهاك لمبادئ حقوق الإنسان ولن يتهاون امام هذا الانتهاك الجسيم، وانه يضع حماية القانون الدولي، اولوية له من اجل الاستقرار وصون دور الوساطة كأداة أساسية لوقف النزاعات، وضمان أن تنعم الشعوب بحقوقها وحرياتها في أمن وسلام.
وشكرًا لكم