، قد يضحك جمهور ترامب على نكاته الثقيلة، لكن في أروقة السياسة الحقيقية، تظل الكلمة العليا لمن يملك ثبات الموقف واستقلالية القرار. والأمير محمد بن سلمان، الذي لم يداهن في ملف إيران ولم يتنازل في ملف فلسطين، يثبت للعالم أن الاحترام يُنتزع بالندية والسيادة
“مصدر دبلوماسي” “البوصلة”
كتبت مارلين خليفة
لم يكن مفاجئاً أن يعود الرئيس الاميركي دونالد ترامب إلى استخدام لغته “السوقية” المفضلة وهو يقف على منصة في ميامي، فمن يعجن السياسة بطينة الاستعراض الهوليوودية لا يجد غضاضة في تحويل العلاقات الدولية المعقدة إلى مشهد من مشاهد “تلفزيون الواقع”. لكن السقطة الأخيرة، حينما حاول التندر بعبارات توحي بخضوع حلفائه لم تكن سوى “مزحة ثقيلة” ومنفرة، كشفت عن وجهه الحقيقي كتاجر يحاول إخفاء تودده وطلبه للمال السعودي خلف ستار من الادعاءات البطولية الزائفة.
إن محاولة ترامب تصوير العلاقة مع الأمير محمد بن سلمان على أنها علاقة خضوع، تصطدم بجدار من الحقائق: فالمملكة العربية السعودية اليوم تتعامل بمنطق “المصالح الوطنية العليا” وليس “الولاءات الشخصية”. وما يراه ترامب “توددا” ليس إلا حراكا دبلوماسيا ذكيا للمملكة، يستثمر في التوازنات الدولية لجلب التكنولوجيا وتوطين الصناعات بينما يظل هو عالقا في لغته الفجة التي تعكس إفلاسه الدبلوماسي أكثر مما تعكس قوة بلاده.
في عالم السياسة، هناك شعرة فاصلة بين “الدبلوماسية الخشنة” وبين “السوقية” التي تفتقر للذوق السياسي، ويبدو أن دونالد ترامب، في ظهوره الأخير بميامي، قد قطع هذه الشعرة تماماً. فبينما كان يتحدث بلغة “المقاهي” عن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مستخدماً تعابير فجة تفتقر للحد الأدنى من اللياقة لم يكن يدرك أنه بتبجحه غير المقبول يكشف عن “عقدة نقص” سياسية يحاول مداراتها بالضجيج.
إن وصف ترامب لما أسماه “تودد” القادة إليه ليس إلا “مزحة ثقيلة” وسخيفة، لا تنطلي على من يقرأ ما وراء الكواليس. فالحقيقة التي يهرب منها ترامب هي أنه هو من يمارس “التزلف” الاقتصادي للمملكة، طمعاً في جلب مليارات الاستثمارات التي تضخ الدماء في عروق الشركات الأميركية وتدعم اقتصاد بلاده. ترامب، الذي يروج لنفسه كـ “رجل قوي”، يتصرف في الغرف المغلقة كتاجر يدرك أن مفاتيح استقرار الأسواق العالمية ونمو الصناعات الدفاعية والتكنولوجية الكبرى موجودة في الرياض، وما خطابه الصاخب إلا محاولة للتغطية على احتياجه الدائم للمال السعودي.
لكن بعيداً عن “مسرحيات” ترامب الكلامية، فإن الأرشيف السياسي القريب يحمل حقائق دامغة عن “الندية” السعودية التي لا تقبل التبعية وهو ما يفسر توجهه الى ولي العهد السعودي بقوله:” عليك أن تكون لطيفا معي”.
ولعل الموقف الأبرز الذي يكسر ادعاءات ترامب هو رده على محاولات واشنطن جرّ المملكة إلى مغامرات غير محسوبة ضد إيران. حينها، كان رد الأمير محمد بن سلمان حازماً وواضحاً حين رفض التعاون المطلق في تصعيد ترامب الحربي، موجهاً له جملة للتاريخ: “أنت لم تسألنا رأينا حين قررت خوض هذه الحرب وحدك، فلا تطلب منا أن نتحمل تبعاتها الآن“. هذا الموقف لم يكن موقف “تابع” كما يزعم ترامب اليوم، بل كان موقف قائد دولة ترفض أن تكون وقوداً لنزوات سياسية أميركية عابرة، وتؤكد أن قرار السلم والحرب ينبع من مصالح الرياض لا من رغبات البيت الأبيض.
هذا الثبات يتكرر اليوم في ملف “التطبيع”؛ فبينما يحاول ترامب أو غيره تصوير الاتفاقات مع إسرائيل كأنها “هدية” تُقدم للإدارة الأميركية، تضع السعودية شروطاً تاريخية صلبة تتعلق بالحقوق الفلسطينية والدولة المستقلة. إن رفض الرياض التوقيع على “بياض” يثبت أن بوصلة المملكة لا تتحرك بضغط من واشنطن، بل بمبادئ لا تقبل المقايضة، وهو ما يفسر إحباط ترامب الذي يترجمه الآن إلى نكات لفظية ثقيلة وجوفاء.
ختاماً، قد يضحك جمهور ترامب على نكاته الثقيلة، لكن في أروقة السياسة الحقيقية، تظل الكلمة العليا لمن يملك ثبات الموقف واستقلالية القرار. والأمير محمد بن سلمان، الذي لم يداهن في ملف إيران ولم يتنازل في ملف فلسطين، يثبت للعالم أن الاحترام يُنتزع بالندية والسيادة، أما خطابات ترامب فستبقى مجرد ضجيج تتلاشى أمام رصانة الدول التي تعرف قيمتها جيداً.
