شي جين بينغ والحزام والطريق في بيروت: السفير الصيني وعدنان منصور ووارف قميحة يرسمون آفاق التعاون اللبناني الصيني
السفير الصيني في لبنان يؤكد أهمية الحوكمة العالمية والتعاون اللبناني الصيني
“مصدر دبلوماسي”
خاص
نظّمت جمعية «طريق الحوار اللبناني الصيني»، بدعم من السفارة الصينية في بيروت، وبالتعاون مع مجلة «الصين اليوم» و«المجموعة الصينية للإعلام الدولي»، ندوة بعنوان «فكر شي جين بينغ.. للصين والعالم»، تحت عنوان «الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع: فرص التعاون اللبناني الصيني العميق»، في فندق فينيسيا في بيروت، بمشاركة وزير الخارجية والمغتربين الأسبق عدنان منصور، وسفير جمهورية الصين الشعبية في لبنان تشن تشواندونغ، والمدير العام لوزارة الإعلام حسان فلحه، ورئيس جمعية «طريق الحوار اللبناني الصيني» وارف قميحة، ورئيس تحرير المجموعة الصينية للإعلام الدولي قاو آن مينغ، إلى جانب شخصيات اقتصادية وثقافية وإعلامية.
وتناولت الندوة الفكر السياسي والتنموي للرئيس الصيني شي جين بينغ، وموقع الصين في النظام الدولي، ودور مبادرة الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع في توسيع مجالات التعاون بين الصين ولبنان، ولا سيما في التنمية والاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا.
وارف قميحة: فهم التجربة الصينية مدخل إلى حوار عملي مع لبنان
استهلّ رئيس جمعية «طريق الحوار اللبناني الصيني» وارف قميحة اللقاء بالتأكيد أن فهم الصين المعاصرة لا يقتصر على متابعة إنجازاتها الاقتصادية والتكنولوجية، بل يتطلب التعرّف إلى الأفكار التي وجّهت تحوّلاتها، وإلى رؤيتها للدولة والمجتمع والتنمية وعلاقاتها بالعالم.
وأشار إلى ثلاثة مرتكزات أساسية في تجربة الحوكمة الصينية: وضع الإنسان في صميم التنمية، والتخطيط بعيد المدى وربط الأهداف بقدرة المؤسسات على التنفيذ، وبناء نموذج للتحديث يستند إلى الخصوصية الحضارية والثقافية للصين.
ورأى قميحة أن هذه التجربة تتيح مجالاً للتعلّم المتبادل، من دون إغفال اختلاف الظروف والإمكانات بين الدول، مشدداً على أهمية دراسة ما يمكن أن يستفيد منه لبنان في بناء المؤسسات وتحسين الإدارة العامة وتحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج ملموسة.

ولفت إلى أن مبادرة الحزام والطريق والمبادرات العالمية للتنمية والأمن والحضارة والحوكمة تطرح قضايا تتصل بالسلام والاستقرار واحترام التنوع الحضاري وتعزيز مشاركة الدول النامية في صياغة العلاقات الدولية.
وأكد أن اللقاء يهدف إلى فتح مساحة للحوار بين الدبلوماسيين والباحثين والأكاديميين والإعلاميين، وتعزيز المعرفة المتبادلة بين لبنان والصين والعالم العربي، معتبراً أن الترجمة الدقيقة وتقديم الأفكار في سياقها وإتاحة النقاش القائم على المعرفة تشكل عناصر أساسية لتطوير العلاقات الثقافية والفكرية بين الجانبين.
السفير الصيني تشن تشواندونغ: العالم أمام مفترق طرق والحوكمة الفعالة ضرورة ملحّة
وأكد سفير جمهورية الصين الشعبية في لبنان تشن تشواندونغ أن العالم يمر بمرحلة دقيقة تتشابك فيها الأزمات والنزاعات، بالتزامن مع تباطؤ التعافي الاقتصادي واتساع التفاوت في مستويات التنمية وتزايد التحديات المرتبطة بالحوكمة، ما يضع البشرية أمام مفترق طرق تاريخي.
وأشار إلى أن تحقيق حوكمة فعالة على المستويين الوطني والدولي أصبح قضية ملحّة واختباراً حقيقياً أمام المجتمع الدولي، موضحاً أن مؤلفات الرئيس شي جين بينغ تستند إلى التجربة العملية للتنمية في الصين، وتتجذر في الثقافة الصينية التقليدية، وتتناول بصورة منهجية مفاهيم التنمية واستراتيجيات الحوكمة في المرحلة الجديدة.
وأوضح أن هذه المؤلفات تشمل قضايا الإصلاح والتنمية والاستقرار والسياسات الداخلية والخارجية والدفاع الوطني وإدارة الدولة والجيش، وتتناول أسئلة أساسية تتصل بمسار تطور العالم وسبل مواجهة التحديات التي يواجهها، بما يجعلها مدخلاً لفهم الصين المعاصرة ورؤيتها للعلاقات الدولية.

وأضاف أن هذه الرؤية تتضمن مفاهيم التناغم العالمي والانسجام بين الأمم، واعتبار الشعب أساس الدولة، والانفتاح والاحتواء والتبادل الحضاري، وهي مبادئ قال إنها تقدم مقاربة صينية لقضايا الحوكمة العالمية.
وفي ما يتعلق بالعلاقات اللبنانية الصينية، شدد السفير على أن البلدين، على الرغم من المسافة الجغرافية التي تفصل بينهما، يتشاركان تاريخاً حضارياً عريقاً وثقافة غنية، ويواجهان تحديات تجعل التبادل الفكري والتعلّم المتبادل بين الحضارتين مجالاً مهماً للتعاون.
وأعرب عن أمله في أن تتيح الندوة تبادل الخبرات في مجال الحوكمة واستكشاف السبل الكفيلة بتحقيق الاستقرار والازدهار وتعزيز التفاهم الإنساني.
كما توقف عند الذكرى الخامسة والخمسين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين الصين ولبنان، التي تصادف عام 2026، معتبراً أنها مناسبة لتوسيع التبادل في مجال إدارة الدولة والتعلّم المتبادل بين الحضارتين، بما يسهم في تطوير العلاقات الثنائية والارتقاء بها إلى مستويات أرحب.
عدنان منصور: صعود الصين يعيد رسم موازين الاقتصاد والعلاقات الدولية
من جهته، تناول وزير الخارجية والمغتربين الأسبق عدنان منصور مسار النهضة الصينية والتحولات التي جعلت الصين قوة اقتصادية وتكنولوجية وصناعية مؤثرة في العالم، مستهلاً مداخلته بالعبارة المنسوبة إلى نابليون بونابرت: «اتركوا الصين في غفوتها، لأن يقظتها ستهز العالم بأسره».
ورأى منصور أن التجربة الصينية تمثل نموذجاً لتحوّل دولة عانت الفقر والتخلف إلى قوة دولية ذات حضور متنامٍ في قطاعات الاقتصاد والصناعة والعلوم والتكنولوجيا والفضاء والمعرفة.
وأرجع جانباً أساسياً من هذا التحول إلى الإصلاحات الاقتصادية التي أُطلقت عام 1978 في عهد دنغ شياو بينغ، والتي جمعت بين تطوير آليات السوق والانفتاح على الاستثمارات الأجنبية وتحسين الإنتاج الزراعي والصناعي وتوسيع القدرات الاقتصادية. وأشار إلى أن هذه الإصلاحات أسست لمسار نمو عزز موقع الصين في التجارة العالمية.
وتوقف منصور عند التحولات التي شهدتها الصين منذ تولّي شي جين بينغ القيادة عام 2012، ولا سيما تعزيز دور الحزب الشيوعي، ومكافحة الفساد، والحفاظ على النمو الاقتصادي، وتطوير القدرات العسكرية والتكنولوجية، إلى جانب توسيع الحضور الصيني في العلاقات الدولية.
وفي هذا السياق، اعتبر أن مبادرة الحزام والطريق، التي أُطلقت عام 2013، تمثل إحدى أبرز أدوات الانخراط الصيني في الاقتصاد العالمي، من خلال مشاريع البنية التحتية والطرق والموانئ وشبكات النقل التي تستهدف تعزيز الترابط التجاري والاقتصادي بين الصين ودول آسيا وأوروبا وأفريقيا.

كما تناول منصور رؤية الصين للعلاقات الدولية، مشيراً إلى أن بكين تطرح التعاون الاقتصادي والتنمية والشراكات مع الدول النامية بوصفها ركائز لتعزيز حضورها الدولي. وربط هذا النهج بالدعوة إلى نظام دولي أكثر توازناً، يقوم على احترام سيادة الدول وتوسيع مجالات التعاون بعيداً من منطق الهيمنة والصراعات.
ورأى أن تجربة الصين في التنمية وتوسيع علاقاتها الدولية تستحق الدراسة في ضوء التحولات التي يشهدها النظام العالمي، وما تطرحه من أسئلة حول موازين القوى ومستقبل التعاون بين الدول.
حسان فلحه: تعاون إعلامي وتقني ومدينة للذكاء الاصطناعي في بيروت
بدوره، شدد المدير العام لوزارة الإعلام اللبنانية حسان فلحه على أهمية تعزيز التعاون اللبناني الصيني والعلاقات بين الصين والدول العربية، مستنداً إلى ما يجمع الجانبين من إرث حضاري وتنوع ثقافي ومعرفي، رغم اختلاف المساحة والإمكانات والقدرات.
ورأى أن مبادرة الحزام والطريق تتيح فرصاً لتطوير التعاون الاقتصادي والثقافي، داعياً إلى احترام التنوع الحضاري ورفض اختزال العلاقات بين الشعوب في منطق الصراع. كما دعا إلى إصلاح المؤسسات الدولية، وفي مقدمها مجلس الأمن، بما يضمن تمثيلاً أوسع وأكثر عدالة وفعالية، ويعالج الاختلالات في آليات اتخاذ القرار الدولي.
وخصص فلحه جانباً أساسياً من مداخلته للتعاون الإعلامي والتكنولوجي، مشيراً إلى التطور الذي تشهده الصين في صناعة المحتوى الرقمي والبث المباشر وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. واعتبر أن تعزيز الشراكة في هذه المجالات يمكن أن يتيح للبنان الاستفادة من الخبرات الصينية، وتطوير قدراته الإعلامية والمعرفية والتقنية.
وطرح في هذا الإطار اقتراحاً لإنشاء مدينة إعلامية متخصصة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي مقرها بيروت، بإدارة مشتركة صينية وعربية ولبنانية، وبمشاركة الجامعات اللبنانية، بهدف نقل الخبرات وتطوير البنية التحتية التقنية.
كما دعا إلى بناء برمجيات تتناسب مع حاجات الاقتصاد الرقمي اللبناني، وتطوير إنتاج مشترك للمحتوى السمعي والبصري، وتبادل الخبرات والوفود، وتأمين التمويل اللازم لإنشاء صناعة إعلامية مستدامة، إلى جانب تحديث الأطر القانونية وتأهيل الكوادر البشرية.
وشدد على أن التعاون الإعلامي ينبغي أن يقوم على إنتاج مشترك عالي الجودة، وعلى احترام حرية التعبير المسؤولة، والحد من التبعية للمنصات الكبرى، وتعزيز السيادة الرقمية وقدرة المجتمعات على إنتاج المعرفة والمحتوى.

وفي سياق حديثه عن الأوضاع الدولية، أشار فلحه إلى ما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع القضايا الدولية، مستشهداً بما تشهده فلسطين ولبنان، وداعياً إلى تعاون إعلامي يساهم في توسيع المعرفة والتفاهم وتعزيز العدالة في العلاقات الدولية.
قاو آن مينغ: الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع لتوسيع الشراكة
من جهته، أكد رئيس تحرير المجموعة الصينية للإعلام الدولي قاو آن مينغ أن كتاب «شي جين بينغ حول الحكم والإدارة» يعكس رؤية الصين للتنمية والحوكمة العالمية، ويقدم مرجعاً فكرياً وعملياً لتعزيز التعاون الدولي.
وشدد على أهمية توظيف مبادرة الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع، ولا سيما في مجالات التنمية والأمن والحضارة والحوكمة، لتوسيع آفاق التعاون الصيني اللبناني، بما يدعم التعافي الاقتصادي والاجتماعي في لبنان، ويفتح المجال أمام التعاون في البنية التحتية والطاقة الخضراء والتكنولوجيا الرقمية.
كما دعا إلى تعزيز الحوار والتشاور في معالجة التوترات الإقليمية، وتوسيع التبادل الثقافي والأكاديمي بين الشعبين، واحترام التنوع الحضاري وترسيخ التفاهم المتبادل، إلى جانب دعم التعددية والعمل من أجل نظام دولي أكثر عدلاً وإنصافاً.
وأكد أن الصداقة بين الصين ولبنان تمتد لأكثر من نصف قرن، مشدداً على أن الصين ستبقى، بحسب تعبيره، صديقاً مخلصاً وشريكاً موثوقاً للبنان، معرباً عن أمله في أن تساهم الندوة في تطوير المعرفة المتبادلة وتحقيق نتائج ملموسة في مجالات التعاون المشترك.
خبراء وباحثون يناقشون الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع وفرص التعاون اللبناني الصيني
وفي الجلسة الرئيسية بعنوان «الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع: فرص التعاون الصيني اللبناني»، التي أدارها السيد طه بنغ تشاو يون، رئيس فرع مجلة «الصين اليوم» في الشرق الأوسط التابع للمجموعة الصينية للإعلام الدولي، شارك الدكتور بيار الخوري، مدير مركز السياسات والاستشراف المعرفي، والدكتور أحمد ذبيان، الأمين العام لاتحاد الكتّاب اللبنانيين، والسيد حسين إسماعيل، نائب رئيس تحرير الطبعة العربية من مجلة «الصين اليوم»، والدكتورة نسرين عبد النور لطوف، مديرة معهد كونفوشيوس في جامعة القديس يوسف، والسيدة لينا شبارو، مديرة الدار العربية للعلوم ناشرون، والدكتور نبيل سرور، الخبير في الشؤون الصينية والآسيوية.
وجمعت الجلسة خبرات أكاديمية وإعلامية وثقافية متخصصة، في إطار البحث في أبعاد مبادرة الحزام والطريق والمبادرات العالمية الأربع، وآفاق تطوير التعاون بين لبنان والصين. وتندرج هذه المحاور ضمن النقاش الأوسع الذي شهدته الندوة حول التنمية والحوكمة والعلاقات الدولية والتبادل الثقافي والمعرفي، وسبل تعزيز الشراكة الثنائية. واختُتمت الفعالية بتكريم المشاركين والتقاط الصورة الجماعية.
