السفير الاسباني في لبنان ميغيل دي لوكاس
“مصدر دبلوماسي”
أقامت السفارة الإسبانية في لبنان حفل استقبال حاشد أمس الجمعة في “قصر شهاب” بمناسبة العيد الوطني الاسباني Día de la Hispanidad بحضور رسمي ودبلوماسي وأمني واجتماعي واعلامي رفيع المستوى. وشهد الحفل تأكيداً إسبانياً راسخاً على عمق العلاقات التاريخية والإنسانية التي تجمع مدريد ببيروت والتزام إسبانيا الدائم بمساندة الاستقرار وحفظ السلام في لبنان تحت مظلة الأمم المتحدة إلى جانب لفتة تضامنية بإلغاء مظاهر الاحتفالات الغنائية والراقصة مراعاةً للظروف الصعبة والمعاناة التي يشهدها لبنان والمنطقة.

وحضر الحفل حشد من الشخصيات الرسمية والأمنية والدبلوماسية، تقدمهم: نائب رئيس مجلس الوزراء طارق متري ممثلا رؤساء الجمهورية ومجلس النواب ومجلس الوزراء، الى عدد من الوزراء وأعضاء البرلمان اللبناني، ممثلو الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية، وحشد من السفراء ورؤساء البعثات الدبلوماسية والدبلوماسيين المعتمدين في لبنان وفد من “اليونيفيل” الاسبان، وأبناء الجالية الإسبانية والجاليات اللاتينية المقيمة في لبنان.
بعد النشيدين اللبناني والاسباني، قدمت الحفل مسؤولة الإعلام في السفارة الإسبانية زينة مكرزل التي عرّفت عن سفير إسبانيا ميغيل دي لوكاس (Miguel de Lucas).
تطرق السفير ميغيل دي لوكاس في كلمته إلى جملة من المحاور البارزة التي جسدت التضامن والتاريخ المشترك بين البلدين حيث كشف أن اسم “إسبانيا” يعود إلى أصول فينيقية ممتدة من كلمة “إيسبان” التي أطلقها البحارة الفينيقيون القدامى – أجداد اللبنانيين – على أرض الغروب، معرباً عن اعتزازه بهذه الجذور التاريخية الإنسانية التي سبقت كافة الحضارات الوافدة إلى إسبانيا. وفي سياق تعزيز الروابط الثقافية المعاصرة، أعلن السفير عن اختيار مدينتي صيدا اللبنانية وقرطبة الإسبانية كعاصمتين ثقافيتين للمتوسط لعام 2027، مشيراً إلى زيارة مرتقبة لرئيس بلدية صيدا إلى قرطبة لبحث المبادرات والتعاون المشترك.

كما استعرض السفير قصة تعيينه سفيراً في لبنان، مؤكداً أنه لا يمكن لأي إسباني أن يشعر بالغربة في لبنان نظرًا للشغف والتقارب الإنساني العميق والتقاليد المشتركة بين الشعبين. وأشاد بالتفاعل الجماهيري والشغف اللبناني الكبير بالرياضة الإسبانية ومشاركتهم الاحتفالات في شوارع بيروت بفوز إسبانيا ببطولة العالم.
وعلى الصعيد العسكري والأمني، استذكر السفير تضحيات الجنود الإسبان ضمن قوات حفظ السلام “اليونيفيل” في جنوب لبنان على مدار عقدين من الزمن، متطرقاً إلى الشهداء والجرحى الذين سقطوا في سبيل الاستقرار، ومؤكداً استمرار التزام بلاده بدورها بالتعاون مع الحكومة اللبنانية والأمم المتحدة. واختتم كلمته بإعلان تعليق المظاهر الاحتفالية الموسيقية مراعاةً للأوضاع الراهنة والمعاناة في المنطقة، مستشهداً بمقولة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني: “بدون السلام في لبنان لن ينعم الشرق الأوسط بالسلام”، ومؤكداً أن الشعب اللبناني يستحق السلام وستُبذل كافة الجهود لتحقيقه.
نص خطاب السفير الإسباني ميغيل دي لوكاس كاملاً
أصدقائي الأعزاء، أهلاً وسهلاً بكم في العيد الوطني لإسبانيا في لبنان.

تحية خاصة جداً لدولة نائب رئيس الوزراء طارق متري للتواجد معنا هنا ممثلاً أيضاً فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية، ودولة رئيس الوزراء، ودولة رئيس مجلس النواب. وتحية خاصة للوزراء وأعضاء البرلمان الحاضرين معنا وللمحافظين ورؤساء البلديات أيضاً. وشكر خاص جداً للرعاة، المذكورة أسماؤهم هناك، فلولاهم لما كان هذا الحفل ممكناً. كما أقدر كثيراً حضور العديد من السفراء، ورؤساء البعثات، والزملاء الدبلوماسيين. ولكن أحر تحياتي اليوم موجهة للمواطنين الإسبان المجتمعين هنا للاحتفال بيومهم الوطني، ولأصدقائنا من أميركا اللاتينية المتواجدين معنا اليوم.
قصة التعيين في بيروت: قرار الـ 10 دقائق
بدايةً، دعوني أخبركم كيف حدث أن أصبحتُ سفيراً في بيروت: في نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي، كنتُ على وشك إنهاء مهمتي كسفير لإسبانيا لدى المملكة الأردنية الهاشمية وحينها تلقيتُ مكالمة هاتفية من شخص ينوب عن وزير الخارجية الإسباني. وسألني سؤالاً واحداً: “هل تفكر في إمكانية تعيينك سفيراً لإسبانيا في لبنان؟” لكنه قال لي: “أحتاج إجابة سريعة، نعم أم لا!” فكانت إجابتي: “أمهلني 30 دقيقة.” فقال: “لكنني قلت نعم أم لا، ما هذه الـ 30 دقيقة؟” أتعلمون، الـ 30 دقيقة كانت الوقت الذي أحتاجه للاتصال بزوجتي واستئذانها لقبول هذا المنصب. ودعوني أخبركم أن الأمر استغرق وقتاً أقل إذ استغرق منا نحو 10 دقائق فقط لاتخاذ القرار وقول نعم وتقديم الشكر الجزيل على هذه الفرصة الفريدة، ومنذ مايو/أيار الماضي ها أنا ذا أو بالأحرى ها نحن ذا، لأن زوجتي متواجدة هنا معي.

شكراً لكم.
إنني متشرف بحق بتمثيل بلدي لدى الجمهورية اللبنانية، وبكوني جزءاً من قصة الحب العميقة بين بلدينا. بالفعل، هناك سحر خاص جداً بين إسبانيا ولبنان فنحن نتشارك القيم والتقاليد ونستمتع بالحياة بالطريقة نفسها وتتحرك مشاعرنا بالشغف ذاته. وأنا أؤمن إيماناً راسخاً بأن الإسباني لا يمكنه أن يشعر بأنه غريب في لبنان والعكس صحيح، فنحن في وطننا ببساطة.
وفي حالتي، أحظى أيضاً بشرف قيادة فريق استثنائي: كادر سفارة إسبانيا في بيروت. وأود أن أشيد بعملهم الدؤوب وتفانيهم، لا سيما خلال الأوقات العصيبة التي مررنا بها أخيرا فهم لا يؤدون عملهم كمهنيين بارزين فحسب بل يفعلون ذلك بروح ودية ومبهجة. بالتأكيد، أنا أسعد مدير في هذه المدينة.
أصول “إسبانيا” الفينيقية.. وجذور تاريخية تجمع البلدين
وبالرغم من أننا مجتمعون هنا في التاسع من أكتوبر/تشرين الأول، إلا أن اليوم الوطني ليس اليوم، بل بعد ثلاثة أيام، في الثاني عشر من أكتوبر/تشرين الأول. في ذلك اليوم نحيي ذكرى انقضاء رحلة استكشافية قبل 534 عاماً قادها بحار صاحب رؤية انطلق من أوروبا وهو يطمح للوصول إلى الهند والصين مبحراً نحو الغرب. كان اسمه كريستوفر كولومبوس، وفي طريقه اكتشف قارة ساحرة وغير متوقعة: أميركا. وكان ذلك اللقاء الخطوة الأولى في تاريخ مشترك لأولئك الذين يتشاركون اللغة الإسبانية ككنز، تاريخ يتخلله الضوء والظلال، الفرح والحزن ولكنه تاريخ مشترك حقيقي.

وشخصياً، أعيش هذا التلاقي بشكل يومي فزوجتي كولومبية وفي منزلنا تتعايش تقاليد إسبانيا وكولومبيا بأسلوب مبدع ومبهج للغاية.
ولكن دعوني أخبركم قصة أخرى عن سفن أبحرت نحو الغرب. لقد حدث ذلك قبل 3,000 عام، عندما وصل بعض البحارة القادمين من المشرق إلى أرض جديدة وُصفت بأنها “أرض نهاية العالم”. وقد أطلق هؤلاء البحارة اسماً على تلك الأرض، وسموها “إيسبان”، أي أرض الغروب. ومن كان أولئك البحارة؟ أجدادكم، الفينيقيون. وكلمة “إيسبان” هي أصل كلمة “إسبانيا”؛ أي أن اسم إسبانيا له أصل فينيقي في اللسان والمفردات. ولذلك، نحن فخورون جداً بالثقافات المختلفة التي وصلت إلى إسبانيا، مثل اليونانيين والرومان والعرب، ولكنكم كنتم الأوائل، لكي نكون واضحين.»
صيدا وقرطبة: عاصمتان ثقافيتان للمتوسط 2027
فضلاً عن ذلك، فإن هذه الروابط تمتلك صوراً معاصرة اليوم؛ ففي عام 2027، ستكون صيدا وقرطبة العاصمتين الثقافيتين للمتوسط. والأسبوع القادم، سيسافر رئيس بلدية صيدا -المتواجد معنا هنا اليوم- إلى إسبانيا ويزور قرطبة للقاء رئيس بلديتها وتبادل المبادرات للعام القادم.»
الشغف الرياضي ومشاركة بيروت الاحتفالات
دعوني أشارككم أمراً هاماً جداً بالنسبة لي: كما تعلمون جميعاً، كان أحد الأحداث البارزة منذ وصولي إلى بيروت هو بلا شك كأس العالم لكرة القدم. هل سمعتم به؟ نعم. لقد عشنا حماس الأدوار الأولى، وبعد ثلاث جولات إقصائية ناجحة، وصلنا إلى نصف النهائي ضد جارنا العزيز على الطرف الآخر من جبال البرانس. وكانت مباراة نصف النهائي في يوم خاص جداً: الرابع عشر من تموز/يوليو. في ذلك اليوم قمتُ بأمرين هامين: أولاً، الذهاب إلى قصر الصنوبر (مقر الإقامة الفرنسية) لحضور حفل العيد الوطني بطبيعة الحال. وهناك، وجه إليّ السفير [السابق] هرفيه ماغرو رسالة ودية ورياضية للغاية بشأن المباراة. وبعد ذلك، توجهتُ مباشرة إلى المكان الذي كان ينتظرني فيه 300 إسباني لنشاهد معاً الفوز وكيف أن النصر بقي في جانبنا من جبال البرانس.
ثم جاءت المباراة النهائية: إسبانيا ضد الأرجنتين. نحن الإسبان نحب الأرجنتين بحق ونعجب بـ ميسي الذي قضى معظم مسيرته الكروية في بلدنا، ولكن فائزاً واحداً فقط يمكنه التتويج. وفازت إسبانيا بالنجمة الثانية، وأصبحنا الآن أبطال العالم.
ولكن دعوني أخبركم بأنني ذهلت تماماً عندما خرجتُ ورأيتُ شوارع بيروت ممتلئة بالسيارات والأعلام الإسبانية وهي تحتفل تماماً كما في مدريد أو برشلونة أو فالنسيا. لقد أثر ذلك فيّ عميقاً، وهو مثال آخر على قصة الحب التي ذكرتها سابقاً. ولا تنسوا أننا فخورون جداً أيضاً بأن إسبانيا هي بطلة العالم في كرة القدم للسيدات، وبذلك نحمل اللقبين معاً، للرجال وللسيدات.

تضحيات قوات “اليونيفيل” والتزام حفظ السلام
قبل 20 عاماً، وصل جنود إسبان إلى لبنان كأعضاء في قوات اليونيفيل. وخلال هذه الفترة فقد 15 منهم أرواحهم وأُصيب العديد غيرهم. ونحن فخورون، فخورون جداً لأن عملهم ساهم في حفظ السلام ودعم الشعب اللبناني. ولقد شهدتُ مرات عديدة كيف تفاعلت القوات الإسبانية مع السكان المحليين، وكانت النتيجة احتراماً وتقديرين صادقين لإسبانيا في مرجعيون.
ولكنني شهدتُ أيضاً الجانب المظلم من القصة؛ فبعد أيام قليلة فقط من وصولي إلى لبنان، تعرض المعسكر العسكري الإسباني في مرجعيون للهجوم. أُصيب ثلاثة جنود إسبان، وقتل رقيب. لم يكن إسبانياً، بل كان صربياً تحت قيادة جنرالنا، لكن ذلك غير مهم، فقد كان واحداً منا. وبعد أيام قليلة، حضرتُ مراسم وداع في المطار برفقة السفير الصربي، وهناك وضعتُ وساماً إسبانياً على تابوت هذا الرقيب. لقد كان صانع سلام وقدم حياته من أجل السلام في لبنان.

ومن جانبنا، فإن الرسالة واضحة: مهما حدث في مرحلة ما بعد اليونيفيل، فإن إسبانيا مستعدة لمواصلة دورها في لبنان إذا لزم الأمر، دائماً بالتعاون الوثيق مع الحكومة اللبنانية وتحت الراية الزرقاء للأمم المتحدة.”
رسالة حول السلام وإلغاء الاحتفالات الاستعراضية
وعندما كنتُ على وشك مغادرة الأردن، حظيتُ بلقاء خاص مع الملك عبد الله، وعندما أخبرته بأنني سأنتقل للخدمة في بيروت، قال لي: “تذكر ولا تنسَ أنه بدون السلام في لبنان، لن ينعم الشرق الأوسط بالسلام أبداً.” ومنذ ذلك الحين، أتخذُ رسالة الملك عبد الله هذه مرجعاً لي في عملي اليومي. قد يرى البعض أن السلام في هذا البلد، في لبنان، هو وهم أو سراب أو حلم مستحيل، لكن إجابتي على ذلك هي أنه لا شيء، لا شيء مستحيل. علينا أن نعمل من أجل السلام والمصالحة وإذا فشلنا فسنحاول مجدداً ومجدداً ومجدداً. كم مرة؟ بقدر ما يتطلبه الأمر، لأن لبنان أرض السلام.
عادةً، نحتفل نحن الإسبان بيومنا الوطني بروح من البهجة والسعادة، وفي العديد من الأماكن، وبعد الجزء الرسمي من هذا الاستقبال، تحدث حالة من البهجة العارمة مع احتفال كبير ورقص الفلامنكو والغناء لساعات طويلة. ولكن اليوم، لن يكون الأمر كذلك. بصفتي سفيراً لإسبانيا، اتخذتُ قراراً: لا يمكننا الاحتفال والاستمتاع بينما على بعد مسافة ليست بعيدة من هنا، لا يزال الناس يعانون.
لذا فلنعمل معاً من أجل السلام، كهدف مشترك. والرسالة هي: إنكم بحاجة إلى السلام، وقبل كل شيء، أنتم تستحقونه. شكراً جزيلاً لكم، شكراً.”
