علاقات سوريا الجددية ممتازة مع القوات اللبنانية والكتائب والاحزاب المسيحية باستثناء التيار الوطني الحر وأيضا حزب الله. في الصورة القائم بالاعمال السوري أياد الهزاع والدكتور سمير جعجع
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
من دمشق إلى بيروت تبدو سوريا الجديدة أمام محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع لبنان ليس على قاعدة العلاقات الشخصية أو قنوات النفوذ التي حكمت مرحلة النظام السابق بل عبر المؤسسات والطرق الدبلوماسية الرسمية، وبمنطق «دولة لدولة». وفي هذا السياق، يبرز قرار الرئيس السوري أحمد الشرع بإحالة من يقصدون دمشق بحثاً عن علاقات أو مصالح خاصة إلى القناة الرسمية في بيروت: «إذهبوا الى السفارة السورية»
لكن إعادة صياغة العلاقة لا تقتصر على السياسة والدبلوماسية، بل تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والكهرباء والغاز، وسكك الحديد والزراعة والاستثمار والاستشفاء والثقافة، في وقت تعمل فيه اللجنة المشتركة العليا على مراجعة 42 اتفاقية بين البلدين وإعادة صياغتها، بما يعكس رغبة سورية في الانتقال بالعلاقات اللبنانية-السورية إلى إطار أكثر مؤسساتية.
وفي موازاة ذلك، تبقى العلاقة مع «حزب الله» أحد أكثر الملفات حساسية. وبينما برزت خلال الأشهر الماضية مؤشرات ومساعٍ غير مباشرة لفتح قناة تواصل بين دمشق والحزب، تقول الأوساط السورية المطلعة لـ«مصدر دبلوماسي»: «لا يوجد أي جديد حتى الآن»، مؤكدة أن سوريا تدعم مسار الدولة اللبنانية وفرض سلطتها وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية.
فماذا تريد دمشق الجديدة من لبنان؟ وكيف تنظر إلى الشراكة الاقتصادية معه؟ وهل تتحول الحدود من مصدر للتوتر إلى بوابة للتكامل؟ وأين يقف «حزب الله» من هذه المعادلة؟
بدأت العلاقات السورية-اللبنانية تتخذ منحى أكثر مؤسساتية مع تولي أحمد الشرع رئاسة الجمهورية العربية السورية، وإثر زيارة وزير خارجيته أسعد الشيباني إلى لبنان ولقائه القيادات اللبنانية، وتعيين قائم بالأعمال في لبنان هو أياد الهزّاع.
وبالرغم من أن أياد الهزّاع موجود منذ أربعة أشهر في لبنان إلا أن السفارة السورية تزدحم بالزوار ومنهم من أخذ الطريق إلى دمشق لفتح خطوط علاقات مباشرة مع السلطات السورية الانتقالية كما درجت العادة بين البلدين طوال حكم نظام الأسد إلا أن جواب الرئيس أحمد الشرع كان حازماً: «اذهبوا الى السفارة السورية في لبنان» هكذا يعود الزوار أدراجهم إلى اليرزة، مقر السفارة السورية، علما بأن القائم بالاعمال السوري أياد الهزاع كلف بعد “التحرير” بإدارة الشؤون السياسية في اللاذقية وطرطوس والساحل السوري وهو يحمل إجازة في العلوم السياسية والاستراتيجيات العامة.
وأخيرا، نسجت روايات حول إلقاء القبض في مقر السفارة على قائد الفرقة 17 في الجيش السوري في حقبة بشار الاسد وهو اللواء سهيل الحسن وترحيله إلى سوريا لمحاكمته بالتعاون مع السلطات اللبنانية في محاكمات علنية غير مسبوقة لرموز النظام السابق، وهو أمر تعتبره السلطات السورية الجديدة مدعاة فخر، لأنه يحاسب المرتكبين تحت سلطة القانون، وليس بالثأر الذي قد يدخل سوريا في حرب جديدة.
الفلسفة التي تريد دمشق الجديدة اعتمادها في العلاقة مع لبنان،
لا يريد الرئيس أحمد الشرع أن يفتح أبواب دمشق أمام المصالح الشخصية، بل يعتمد الباب الدبلوماسي الرسمي عبر السفارة السورية في لبنان. ويريد الرئيس الشرع إلغاء إرث النظام البائد وفتح علاقة مؤسساتية مع لبنان، انطلاقاً من شعار مفاده أن “أفعالنا تطابق أقوالنا”.
أما بالنسبة إلى تعيين قائم بالأعمال في لبنان وليس سفيراً، وما إذا كان ذلك يُعدّ خفضاً لمستوى التمثيل الدبلوماسي فتشير الأوساط المطلعة إلى أن القيادة السورية الجديدة لم تعيّن أي سفير في أي بلد، إفساحاً في المجال أمام إعداد الكوادر بشكل دقيق، ولم تعمد إلى تعيين أي سفير في بلد دون آخر، حتى لا يُقال إنه تم خفض مستوى التمثيل الدبلوماسي في بلد دون آخر.
وسيكون هذا هو النهج خلال السنة الأولى، إذ إن مستوى التمثيل الدبلوماسي هو ذاته في لبنان وواشنطن وبكين وسواها من العواصم. والهدف، بحسب الأوساط المطلعة، هو أن تكون انطلاقة القيادة السورية الجديدة متوازنة مع الجميع.
إلا أن العلاقة مع لبنان صعبة، باعتراف مصدر دبلوماسي سوري واسع الاطلاع، فالجار الجميل بلد يحوي تعقيدات كبرى، تبدأ بالسياسة، حيث تتحلحل الأمور تدريجياً بعد تشكيل اللجنة المشتركة اللبنانية-السورية التي من المفترض أن تراجع الاتفاقيات السابقة بين البلدين وإعداد أخرى، أو في ما يتعلق بالنازحين السوريين الذين يعانون من تعقيدات إدارية جمة في ما يخص الإقامات، سواء للطلاب أو للعمال ما يجعل الانتقال عبر الحدود، أي التهريب، هو السائد لغاية الآن.
أهمية المقاربة الاقتصادية
منذ بدء تولي السلطة الانتقالية برئاسة أحمد الشرع الحكم في سوريا، أو منذ «التحرير» كما يقول المصدر السوري المطلع، بدأت أحاديث عن نشر قوات حرس الحدود على الحدود اللبنانية-السورية، وهو أمر تعتبره السلطات السورية الجديدة طبيعياً، وكان الهدف منه مكافحة التهريب والسلاح. ويأتي ذلك في سياق المرحلة التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، والتي شهدت إعادة ترتيب وانتشار للقوى على الحدود السورية مع لبنان. (
وبالتالي، يشير المصدر المطلع إلى أن لا داعي لـ”تخويف اللبنانيين كما تقوم بعض الجهات المتضررة من تحسن العلاقات الثنائية بين البلدين”. ويضيف:” ثمة من يريد تخويف المجتمع اللبناني بأطيافه من السوريين وهذا أمر غير مقبول”..
وتقلل الأوساط المطلعة من كلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب لجهة تشجيعه الرئيس السوري أحمد الشرع على التدخل في لبنان لمواجهة حزب الله، معبرة عن أن الأمر لا يعدو كونه تشجيعاً لسوريا ولجميع أصدقاء لبنان على مساعدة لبنان على استكمال النهضة الاقتصادية.
“فالاقتصاد يحل أي إشكال لبناني-سوري، والمقاربة الاقتصادية هي أساسية في العلاقة مع لبنان”، بحسب المصدر السوري المطلع.
الكهرباء: بوابة الدعم الاقتصادي السوري للبنان
وإذا كانت دمشق ترى أن المقاربة الاقتصادية تشكّل المدخل الأساس لتطوير العلاقة مع لبنان، فإن هذا التوجه يُفترض أن يبدأ من ملفات حيوية وملحّة، في مقدمها ملف الكهرباء، حيث يمكن لسوريا أن تساهم في دعم لبنان وتلبية جزء من احتياجاته من الطاقة، بما يشكل نموذجاً أولياً لتعاون اقتصادي يتوسع لاحقاً إلى ملفات أخرى.
في هذا السياق، فإن الحل يكمن، وفق المصدر السوري المطلع، في أن تساهم سوريا في تزويد لبنان بالكهرباء بما يكفيه وأكثر، أو في تسهيل استجرار الغاز من الأردن إلى لبنان عبر الأراضي السورية وخط الغاز العربي، على أن يُستخدم الغاز الطبيعي في معامل توليد الكهرباء اللبنانية لإنتاج الطاقة. وبذلك، يمكن أن يكون الدعم السوري للبنان مباشراً من خلال تزويده بالكهرباء، أو عبر المساهمة في تأمين الغاز الذي تحتاجه معامل الإنتاج اللبنانية لتوليدها. إلا أن هذا المسار يتطلب إصلاح وتأهيل بعض أجزاء أنابيب الغاز والبنية التحتية المرتبطة بها، بما يسمح باستئناف تدفق الغاز إلى لبنان.
سكك الحديد
أما في ما يتعلق بسكك الحديد، فتتمثل الأولوية في إعادة إحياء الربط بالسكك الحديدية بين سوريا ولبنان، وهو خط كان موجوداً في السابق، ويمكن لإعادة تفعيله أن يشكل عاملاً مهماً في تنشيط حركة النقل والتبادل التجاري بين البلدين. كما أن هذا الربط من شأنه أن يخدم مرفأ طرابلس، من خلال تسهيل نقل البضائع منه وإليه وربطه بشبكة النقل عبر الأراضي السورية.
تأهيل المستشفيات السورية
أما في ما يتعلق بالمستشفيات، فتزمع السلطات السورية إعادة تأهيل المستشفيات في سوريا وتطوير قدراتها بما يسمح باستيعاب أكبر عدد ممكن من المرضى، على أن تكون هذه المستشفيات مفتوحة أيضاً أمام الإخوة اللبنانيين، ولا سيما في ظل ارتفاع كلفة الطبابة والاستشفاء في لبنان.
التكامل الزراعي والاستثماري
في موضوع الزراعة، كانت هناك زيارة لوزير الزراعة اللبناني إلى سوريا، وسيحصل، وفق المصدر السوري المطلع، تكامل بين البلدين في هذا المجال. ومن جهة أخرى، تم تشكيل مجلس رجال الأعمال السوري-اللبناني، من أجل المساهمة في ترشيد دخول المستثمرين إلى سوريا ولبنان وتنظيم حركة الاستثمارات بين البلدين.
ويشير المصدر السوري المطلع إلى أن سوريا «تريد تقديم نفسها كمنطقة آمنة وخط عبور للعالم»، وقد تستحوذ على 80 في المئة من حركة العبور. وهي، أي سوريا، مصرة على أن يكون لبنان معها في هذا المسار، ولذلك تريد الشراكة والتكامل الاقتصادي مع لبنان.
وتنظر سوريا إلى لبنان باعتباره شريكاً في هذا المسار الاقتصادي، انطلاقاً من أن المرحلة المقبلة تتطلب تعاوناً وتكاملاً بين البلدين، وليس الفصل بين مصالحهما الاقتصادية.
ملفات عالقة بين البلدين
وفي هذا السياق، يشير المصدر السوري المطلع إلى أن لبنان لم يتمكن لغاية الآن من التخلص من الجماعات التي أذت سوريا ولبنان معاً.
إلا أن السفارة السورية في لبنان تفتح أبوابها للجميع، ويستقبل القائم بالأعمال السوري الجميع، كما يقوم بدوره بزيارات تهدف إلى جعل العلاقة أفضل، ولا يقتصر التعاون على المجالات التي تم ذكرها، بل حصلت أيضاً زيارات ومشاريع تعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي ووزارة الثقافة.
وثمة متابعة حثيثة من قبل رئيس الحكومة نواف سلام ونائبه الوزير طارق متري، ومتابعة حثيثة لأعمال اللجنة المشتركة العليا، وقد أُبرمت الاتفاقية في بيروت، ويتم التحضير لأول جلسة ستنعقد في دمشق.
ويقوم الهزّاع بزيارة الوزراء في الوزارات المختصة للمتابعة، إذ سيتم مراجعة 42 اتفاقية بين البلدين وإعادة صياغتها من أساسها.
وسيتم، ثقافياً، إقامة منتديات مشتركة بين البلدين لإعادة الأمور إلى نصابها بين الشعبين.
العلاقة مع حزب الله: “لا شيء حتى الآن”
بالنسبة إلى العلاقة مع حزب الله، تشير الأوساط السورية المطلعة إلى موقع «مصدر دبلوماسي» إلى أنه «لا يوجد أي جديد حتى الآن». ويردف المصدر: «إن سوريا تدعم مسار الدولة اللبنانية وفرض سلطتها وسيادتها على كل الأراضي اللبنانية، لأن وجود جماعات مسلحة خارج إطار الدولة يربك الدولة».
وهذا الموقف لا يتلاقى بالكامل مع معطيات أخرى برزت خلال الأشهر الماضية، إذ إنه منذ نحو خمسة أو ستة أشهر دخلت تركيا على خط العلاقة بين دمشق و«حزب الله»، عبر مسعى قام على عقد لقاءات غير مباشرة هدفت إلى تبادل التطمينات.
وبحسب هذه المعطيات، دعت وزارة الخارجية التركية وفداً من «حزب الله» إلى اجتماع مع وفد سوري ضم شخصيات أمنية، وكان الهدف، وفق الرواية المتداولة، تبديد القلق الموجود لدى الطرفين ومحاولة فتح قناة للتواصل.
والدور التركي هنا لم يكن تفصيلاً ثانوياً، إذ حاولت أنقرة، وفق هذه المعطيات، أن تؤدي وظيفة الوسيط الذي يساعد على بناء حد أدنى من الثقة بين دمشق و«حزب الله»، في مرحلة شديدة الحساسية إقليمياً.
ثم جاءت مواقف سورية لاحقة لتضيف إلى هذا المسار. فالشرع تحدث عن طي صفحة الماضي، فيما أعلن وزير الخارجية السوري استعداد بلاده للتواصل مع «حزب الله»، قبل أن تأتي مقابلة الشرع مع «الجزيرة» لتؤكد أن دمشق لا تريد التدخل العسكري في لبنان، بل تترك الباب مفتوحاً أمام دور سياسي أو إيجابي إذا اقتضى الأمر.
إسرائيل
تشير الأوساط المطلعة إلى أن سوريا في ضوء الضربات الإسرائيلية المتتالية التي استهدفت أراضيها وآخرها استهداف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب إلى جانب الضربات التي طالت مواقع في الجنوب السوري ودمشق، تنظر إلى هذه التطورات في سياق الانتخابات الإسرائيلية، كما تنظر إلى الاشتباك المتصاعد مع تركيا باعتباره جزءاً من المشهد الإقليمي المحيط بها.
وفي موازاة ذلك، حصل لقاء في عمّان بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووفد أمني إسرائيلي.
ويقول المصدر السوري المطلع إن سوريا تريد العيش بسلام، ومن أجل تحقيق هذا الهدف لديها أدوات كثيرة يمكن أن تستخدمها، مؤكداً أن دمشق تسعى إلى توظيف هذه الأدوات بما يحفظ مصالحها ويتيح لها المضي في بناء علاقاتها الإقليمية على أساس الاستقرار.
