ومع ذلك، تواجه هذه الاندفاعة السياسية تعقيدات دستورية وقانونية شائكة. فبينما يستند القصر الجمهوري في شرعية هذا التفاوض إلى المادة 52 من الدستور، التي تمنح رئيس الجمهورية صلاحية تولي المفاوضات في عقد المعاهدات الدولية تبرز إشكالية قانونية تتعلق بطبيعة الطرف الآخر إذ تُصنف إسرائيل في العقيدة الدستورية والقانونية اللبنانية كـ "دولة عدو
“مصدر دبلوماسي”
مارلين خليفة
دخل الحراك الدبلوماسي بين بيروت وتل أبيب مرحلة مفصلية غير مسبوقة مع صدور البيان الرسمي عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية مساء أمس الجمعة والذي أعلن رسمياً عن انطلاق وساطة تقودها وزارة الخارجية الأميركية بناءً على المبادرة التي أطلقها رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون. هذا التطور تمثّل في إجراء أول اتصال هاتفي مباشر بين لبنان وإسرائيل عبر سفيريهما في واشنطن، ندى حمادة معوض ويحئيل ليتر، وبمشاركة السفير الأميركي ميشال عيسى، وهو التواصل الذي أفضى إلى التوافق على عقد أول اجتماع رسمي يوم الثلاثاء المقبل في مقر الخارجية الأميركية للبحث في وقف إطلاق النار وتحديد آليات التفاوض.
إن هذا الخرق الدبلوماسي يعكس توجهاً استراتيجياً تدفعه واشنطن وبمباركة كاملة من السلطة السياسية في لبنان، يهدف بالدرجة الأولى إلى “فصل المسار اللبناني” عن التفاوض الذي بدأ اليوم السبت في باكستان بين ايران والولايات المتحدة الاميركية حيث تصر طهران على أن يكون اي وقف شامل لإطلاق النار يشمل لبنان، فيما تتحايل اسرائيل على سحب الملف الى مظلتها ومظلة الولايات المتحدة الاميركية في مسار لن يكون سهلا لا خارجيا ولا في الداخل اللبناني.
تقود الولايات المتحدة الأميركية عبر سفيرها ميشال عيسى مسارا لفك الارتباط العضوي بين الملف اللبناني وإيران. هذا الحراك، الذي تتولى وزارة الخارجية الأميركية قيادته بشكل مباشر مع السفير عيسى يسعى إلى تكريس “المسار اللبناني” كقناة مستقلة بعيدا من كواليس التفاوض الدائر بين واشنطن وطهران في باكستان.
وفي سياق هذا التحول، يبرز موقف لبناني رسمي لافت يتسم بالرغبة في استعادة القرار السيادي في عملية التفاوض متغاضيا عن أن وقف اطلاق النار في لبنان لا يكون إلا عبر تجميع اوراق القوة، إذ تشير المعطيات إلى رفض رسمي لبناني قاطع لأن تكون إيران هي الطرف المفاوض أو المفوض لوقف إطلاق النار في لبنان.
تعمل واشنطن على استنساخ ما يُعرف بـ “نموذج باكستان” في الحالة اللبنانية وهو نموذج يعتمد على التدرج من التهدئة إلى التفاوض الشامل. وتبدأ هذه الآلية بتنسيق لوجستي رفيع المستوى تقوده السفيرة اللبنانية في واشنطن ونظيرها الإسرائيلي، اللذان يقتصر دورهما على “ضبط الإيقاع التنسيقي” دون امتلاك أية صلاحيات تفاوضية جوهرية.
وفي حال نجاح الوسيط الأميركي في انتزاع اتفاق أولي لوقف إطلاق النار، سيتم الانتقال فوراً إلى مرحلة الهدنة المؤقتة التي تفتح الباب أمام تفاوض مباشر بين البلدين. ولأجل هذه الغاية، برزت أسماء الوفد اللبناني التقني والدبلوماسي الذي شكله الرئيس جوزاف عون والذي يضم كفاءات مثل الوزير السابق سيمون كرم والسفير عبد الستار عيسى الأمين العام لوزارة الخارجية وشخصية ثالثة لم تحسم بعد بانتظار تفعيل دورهم عند إعلان ساعة الصفر الدبلوماسية.
ومع ذلك، تواجه هذه الاندفاعة السياسية تعقيدات دستورية وقانونية شائكة. فبينما يستند القصر الجمهوري في شرعية هذا التفاوض إلى المادة 52 من الدستور، التي تمنح رئيس الجمهورية صلاحية تولي المفاوضات في عقد المعاهدات الدولية تبرز إشكالية قانونية تتعلق بطبيعة الطرف الآخر إذ تُصنف إسرائيل في العقيدة الدستورية والقانونية اللبنانية كـ “دولة عدو”. هذا التناقض يضع السلطة السياسية أمام تحدي صياغة “تفاهمات” لا ترقى إلى مستوى “اتفاقيات التطبيع”، ولكنها تضمن في الوقت نفسه وقف العمليات العسكرية وحل النزاعات الحدودية.
لكن، وبالرغم من التناغم الملحوظ بين الرؤية الأميركية ورغبة السلطة السياسية اللبنانية في “لبننة” التفاوض، تظل هناك فجوة استراتيجية كبرى تتمثل في “واقعية الميدان”. فالإشكالية الجوهرية التي ستطرح نفسها لاحقاً تكمن في أن القوة العسكرية على الأرض، المتمثلة في حزب الله، هي التي ستمتلك الكلمة الفصل في نهاية المطاف. إن انفصال المسار السياسي عن التطورات الميدانية قد يصطدم بحقيقة أن أي اتفاق ورقي لن يجد سبيله للتنفيذ ما لم يتطابق مع موازين القوى التي تفرزها المواجهات المباشرة. يحاول لبنان إعادة صياغة موقعه التفاوضي كدولة مستقلة القرار، مدفوعاً بزخم الدبلوماسية الأميركية ومباركة السلطة السياسية في بيروت. إلا أن نجاح هذا المسار يظل رهناً بالقدرة على جسر الهوة بين الطموحات الورقية وواقع الميدان مع ضرورة عدم إغفال معطىً جوهري يمثل جوهر القوة للبنان وهو أن طهران تظل ورقة الضغط الاستراتيجية الكبرى في هذه المعادلة، بامتلاكها القدرة على خلط الأوراق الإقليمية والدولية عبر التلويح بملف مضيق هرمز الحيوي.
