من الارشيف: وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي ومدير الشؤون السياسية ابراهيم عساف في لقاء مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في قصر بعبدا
مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
بينما كانت أروقة مجلس الأمن الدولي في نيويورك تترقب أمس الأول الموقف اللبناني الرسمي في الجلسة الطارئة التي دعت إليها فرنسا، تكشفت حقائق مثيرة حول “المطبخ السياسي” الذي أدار العملية من بيروت. هذه الجلسة، التي كان يُفترض أن تأتي بطلب لبناني رسمي وفق الأصول التي تتيح للسفير المعتمد إرسال تقرير مفصل يطلب فيه دعوة المجلس أو بقرار مباشر من وزير الخارجية والحكومة، شهدت “صمتاً” لبنانياً مريباً ما دفع فرنسا -حاملة القلم في الملف اللبناني- للتحرك لملء الفراغ.
هذا التحرك الفرنسي جاء لثلاثة أسباب جوهرية: أولها استكمال المسعى الذي بدأه الرئيس إيمانويل ماكرون مع الرئيسين جوزاف عون ونبيه بري لخلق خرق في جدار الأزمة، وثانيها تثبيت دور باريس كوسيط مفاوض وسط شعورها بالتهميش، وثالثاً لمواجهة حقيقة أن لبنان الرسمي “أطفأ محركات” بعثاته في الخارج، واكتفى بـ “دبلوماسية التسول” وحشد المساعدات الإغاثية للنازحين، تاركاً الساحة السياسية لـ “غرفة عمليات” خاصة داخل وزارة الخارجية.
وتكشف أوساط دبلوماسية واسعة الاطلاع لموقع “مصدر دبلوماسي” عن كواليس صياغة كلمة لبنان التي ألقاها المندوب الدائم أحمد عرفة، حيث تبرز بصمات السفير إبراهيم عساف، مدير الشؤون السياسية في الوزارة والذي بات يُعرف في الأروقة بـ “وزير الظل”.
“ففي حين أعد السفير عرفة مسودة أولية تلتزم بلغة الشجب التقليدية للاعتداءات الإسرائيلية وخرق المواثيق، جاءه الرد صاعقاً من بيروت بضرورة “جراحة” الخطاب، وتولى عساف، بصفته المحرك الفعلي للوزارة إعادة صياغة الكلمة بروحية تحضر الأرضية الدولية لاعتبار “حزب الله” مجموعة خارجة عن الشرعية”. بحسب الاوساط المذكورة.
وبحسب الاوساط الدبلوماسية الواسعة الاطلاع التي رفضت الافصاح عن هويتها نظرا لدقة الموضوع وحساسيته في الوزارة “فإن النقاشات لا زالت سارية في الداخل اللبناني لجهة طلب ادراج الحزب على لائحة الإرهاب الاممية أو تناول المسألة بلغة مطاطية عامة: كافة المجموعات المسلحة المنخرطة في نشاطات عسكرية خارج إطار الشرعية ام التدليل على الحزب بالاسم”.
تضيف الاوساط:” إن الصوت العربي اليوم في مجلس الامن هو دولة البحرين التي حلت مكان الجزائر مطلع العام الجاري. وهذا ينبئ عن موقف عربي متشدد جدا تجاه حزب الله خلال المداولات وتلاوة الدول الـ 15 في مجلس الامن لكلماتها ومداخلاتها”.
هذا الأداء الذي يقوده السفير إبراهيم عساف ليس وليد الصدفة، بل هو استكمال لمسيرة دبلوماسية حافلة بالتقاطعات السياسية الحادة. فالسفير عساف، الذي يصفه متابعون بأنه “رجل القوات اللبنانية” في الملاك الدبلوماسي [وهذا بطبيعة الحال اتهام سياسي لا يتبناه موقعنا ولكنه رائج في اورقة وزارة الخارجية]، ويعتبر وصلة الوصل مع طروحات رئيس الحكومة الحالي القاضي نواف سلام، “يمتلك سجلاً يثير الكثير من التساؤلات بحسب توصيف الاوساط الدبلوماسية الواسعة الاطلاع التي تحدثت الى موقعنا: ” فخلال خدمته في فيينا بين عامي (2017-2025)، كان شغله الشاغل إعداد تقارير تدين البرنامج النووي الإيراني، بينما كان يُسجل عليه تعمده ترك كرسي لبنان شاغراً والانسحاب من قاعات الأمم المتحدة فور بدء مناقشة بنود محددة، وقبلها في البحرين، تُسجل له تقارير عدة ضد فئة محددة، وصولاً إلى المحطة الأخطر في نيويورك خلال انقسام عام 2006. آنذاك، وفي ظل اعتكاف الوزراء الشيعة، كان عساف يأتمر بأوامر حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وحاول تمرير فقرات في القرار 1701 تهدف إلى توصيف المقاومة كمنظمة إرهابية فجرى استدعاءه الى بيروت من قبل وزير الخارجية آنذاك فوزي صلوخ”.
اليوم، يعود إبراهيم عساف ليلعب الدور نفسه من موقعه كمدير للشؤون السياسية، حيث يدير غرفة العمليات التي تحدد سقف تحركات البعثات، بما في ذلك التدخل في أدق تفاصيل خطاب لبنان الأخير. وتكشف المصادر أن السفير أحمد عرفة، وحرصاً منه على “خط الرجعة”، تواصل مع دوائر القصر لإطلاعها على ضغوط وزارة الخارجية، فجاءه الجواب بأن ينفذ ما تطلبه وزارة الخارجية اللبنانية. وهذه الواقعة حصل عليها موقعنا من عدة مصادر على اطلاع واسع على كواليس هندسة الكلمة المذكورة.
إن ما جرى في مجلس الأمن يمثل “تحولاً خطيراً في العقيدة الدبلوماسية اللبنانية” فبينما يواجه لبنان عدواناً يحتاج إلى وحدة الموقف، يبدو أن “مطبخ” الخارجية يسعى لاستغلال المنبر الأممي لتصفية حسابات سياسية داخلية ضاربا عرض الحائط بمصالح اللبنانيين المدنيين، وتهيئة الرأي العام الدولي لإجراءات قاسية ضد فصيل لبناني محدد مما يضع الدبلوماسية اللبنانية في موقع “المحرض” بدلاً من موقع “المدافع” عن السيادة الوطنية الشاملة وسلامة جميع اللبنانيين دون استثناء.
