مندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة
قراءة في سقطة الدبلوماسية اللبنانية في مجلس الأمن الدولي
في الوقت الذي كانت فيه طائرات الاحتلال تمسح أحياءً كاملة عن الخارطة في الضاحية الجنوبية لبيروت وتُحول القرى الجنوبية والبقاعية إلى ركام فوق رؤوس ساكنيها، وقف مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير أحمد عرفة، في أروقة نيويورك ليلقي كلمةً لم تكن مجرد تعبير عن سياسة “النأي بالنفس”، بل بدت كأنها “نأيٌ عن الواقع” وانفصال تام عن أنين الجرحى ودماء الشهداء. هذه الكلمة، التي طُبخت في أروقة رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية، جاءت لتعكس انحيازاً أعمى ونظراً بعين واحدة، في لحظة تاريخية كان يُفترض فيها أن يكون صوت لبنان صرخةً في وجه الجلاد، لا صدىً لأجندات التحييد المريب.
لقد ارتكب المندوب اللبناني، ومن خلفه المطبخ السياسي الذي صاغ كلمته، خطيئةً دبلوماسية كبرى؛ إذ تعمد القفز فوق تلال من الجرائم الإسرائيلية الموثقة. فمنذ وقف إطلاق النار المزعوم في 27 تشرين الثاني 2024، ولبنان يرزح تحت وطأة خروق لا تتوقف، بلغت ذروتها في هذا الشهر الدامي بسقوط أكثر من 650 شهيداً وما يفوق 1600 جريح وفق أرقام منظمة الصحة العالمية. هؤلاء الضحايا، بالنسبة لعرفه، لم يستحقوا حتى مجرد ذكر عابر أو إدانة صريحة بأسماء قتلتهم، وكأن دماء اللبنانيين سقطت في ثقب أسود من التجاهل العمد.
غاب عن الكلمة أي ذكر لعملية الإنزال العدواني في “النبي شيت”، أو محاولات التوغل البري المستمرة في الجنوب التي تهدف لفرض “منطقة عازلة” هي في صلب المشروع التوسعي الإسرائيلي. لم يجد المندوب في قاموسه كلمات ليدين استخدام الاحتلال لأسلحة محرمة دولياً (كالفوسفور الأبيض والقنابل الحرارية) التي حرقت الأخضر واليابس، ولا استهداف المؤسسات الإعلامية لترهيب الحقيقة ولا غارات “الإبادة” التي استهدفت المسعفين في مراكزهم والمستشفيات في صميم رسالتها الإنسانية.
الدبلوماسية “العوراء”: إدانة الضحية وتجهيل المعتدي
بينما كان المندوب الإسرائيلي يصغي بزهو، اندفع عرفة لإدانة “عملية حزب الله” واصفاً إياها بتقويض السيادة، بل وذهب بعيداً في استعراض قرارات حكومية بحظر أنشطة وملاحقة حرس ثوري، في “استعراض قوة” داخلي أمام محفل دولي. لكن الصدمة الكبرى تجلت في “الجبن الدبلوماسي” عند الحديث عن الاعتداءات على قوات “اليونيفيل”؛ فبينما كانت القوات الغانية تتعرض لنيران إسرائيلية مباشرة وموثقة، فضّل المندوب اللبناني صيغة التجهيل: “ندين الاعتداءات من أي جهة أتت!”، مفضلاً حماية المعتدي من التسمية الصريحة.
خلاصة القول إن هذه الكلمة، بتوقيع رئاسة الحكومة والخارجية، هي وثيقة إدانة لسياسة رسمية اختارت أن تطعن اللبنانيين المدنيين قبل حزب الله مقابل صمت مخزٍ عن قتل إسرائيلي يمارس يومياً بحق الشعب اللبناني. هي “لحظة الحقيقة” التي كشفت أن الدبلوماسية اللبنانية، في نسختها الحالية، لا ترى في إسرائيل عدواً يخرق السيادة بالقتل والتدمير، بقدر ما ترى في أبناء الأرض عبئاً يجب التخلص منه لإرضاء “المجتمع الدولي”.
النص الكامل لكلمة مندوب لبنان في الأمم المتحدة السفير أحمد عرفة:
(…)
إن هذه العملية [اطلاق الصواريخ على اسرائيل من قبل حزب الله] تشكل خروجا على مقررات مجلس الوزراء وتهدف الى تقويض مصداقية الدولة اللبنانية.
سيدي الرئيس لم يشهد تاريخنا الحديث دولة لبنانية تمتلك هذا القدر من الشجاعة والتصميم على استعادة قرار الدولة، وحصر السلاح بالأجهزة الشرعية وحدها، وفرض سيطرة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصرا، تطبيقا لإتفاق الطائف الذي نصّ على حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتسليم أسلحتها الى الدولة اللبنانية، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، وتطبيق القرارات الدولية بما فيها القرار 1701 ، ووفقا لبيانها الوزاري ولقراراتها ذات الصلة لا سيما القرار المتخذ في 5 آب 2025، وللقرار الذي اتخذته الحكومة في 2 آذار الجاري، قررت الحكومة الحظر الفوري لأنشطة حزب الله الامنية والعسكرية كافة واعتبرها خارجة عن القانون، والزامه الى تسليم سلاحه الى الدوله اللبنانية وحصر سلاحه في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية. وبتاريخ لاحق، في 5 آذار الجاري، اتخذت قرارا اضافيا يقضي بتكليف المؤسسات الامنية التحقق من وجود الحرس الثوري الايراني في لبنان وترحيلهم فور تحديدهم، كما اتخذت قرارا آخر يقضي بموجبه الاستحصال على موافقات مسبقة لاصدار تأشيرات دخول للرعايا الايرانيين الذين يرغبون بزيارة لبنان.
السيد الرئيس،
لن نقبل بإعادة استحضار الماضي، فالشعب اللبناني لا يريد الحرب، وحكومة لبنان ماضية في وضع قراراتها موضع التنفيذ ولن ترلجع عنها.
لكن، تبقى اولويتنا اليوم وقف هذه الحرب وحماية بلدنا وضمان امن وسلامة شعبنا. فمن حقنا أن نعيش بسلام وأمن في وطننا وضمن محيطنا. ولتحقيق هذه الغاية أعربت الحكومة اللبنانية عن استعدادها الدخول في مفاوضات مع اسرائيل برعاية دولة وبمشاركة مدنيين لتسوية جميع المسائل العالقة، كما دعا فخامة رئيس الجمهورية المجتمع الدولي، قبل يومين في دعم المبادرة التي أطلقها، وقوامها التالي:
وقف كل الاعتداءات الاسرائيلية البرية والبحرية والجوية على لبنان، ثانيا، تقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلّحة اللبنانية، قيام القوى المسلحة اللبنانية بالسيطرة على مناطق التوتر ومصادرة كل سلاح فيها، تسليم سلاح حزب الله ومخازنه ومستودعاته وفق المعلومات والمعطيات الممكن توفرها لنا، وبشكل متزامن، يبدأ لبنان واسرائيل مفاوضات مباشرة برعاية دولية للتوصل الى تنفيذ تفاصيل كل ما سبق.
السيد الرئيس،
مواكبة لجهود الحكومة اللبنانية فإن هذا المجلس الموقر مدعو الى الزام اسرائيل بتنفيذ القرار 1701، واحترام وقف الاعمال العدائية والانسحاب الكامل الى ما وراء الحدود المعترف بها دولية ووضع حد لانتهاكاتها وخروقها المتكررة للسيادة اللبنانية، والافراج عن الاسرى اللبنانيين ووقف تهديداتها لوحدة الاراضي اللبنانية واستقلاله السياسي ضمن حدوده المعترف بها دوليا. ونعيد التأكيد على تمسك لبنان بآليات المتابعة المنشأة بموجب اعلان وقف الاعمال العدائية، المنصوص عنها ايضا في قرار مجلس الامن 2790، ونشدد على أن تمسك لبنان باتفاقية الهدنة مع اسرائيل الموقع بتاريخ 3\3\1949، يصب في مصلحة الطرفين.
السيد الرئيس،
لا يفوتنا أن نجدد ادانتنا للإعتداءات الايرانية المتعمدة وغير المبررة التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة الاردنية الهاشمية، والعراق وسوريا ونؤكد تضامننا الكامل معها.
كما ندين الهجمات التي استهدفت تركيا وأذربيجان وقبرص ونجدد شجبنا الشديد لهذه الاعمال التي يرفضها لبنان بصورة لا لبس فيها ودون اي تحفّظ، كما ندين الاعتداءات التي تتعرض لها قوات الامم المتحدة المؤقتة في لبنان، من أي جهة اتت، ونؤكد امتناننا لهذه القوة وللدول المساهمة فيها ولتضحيات العاملين فيها، لا سيما أولئك الذسين قضوا في بلنان خدمة للأأمن والسلم الدوليين.
وندين بأشد العبارات استهداف مقر الكتيبة الغانية ونؤكد تضامننا الكامل مع غانا وقيادة “اليونيفيل”، وتمنّياتنا بالشفاء العاجل للمصابين.
أخيرا السيد الرئيس، يواجد لبنان اليوم لحظة شددية الخطورة، وكارثة انسانية حقيقية، وبينما نسعى جاهدين الى التخفيف من معاناة شعبنا، وتلبية احتياجاته الانسانية، فإن أي دعم للتخفيف من وطأة هذه الازمة يبقى موضع ترحيب وتقدير.
أكرر مرة أخرى بأن بلنان لن يقبل بتحويله الى ساحة لتصفية الحسابات وسنواصل السعي لاخراج وطننا من هذه المحنة أكثر قوة ومناعة.
شكرا سيدي الرئيس.
وكان عقد اجتماعاً، امس الأربعاء، بطلبٍ من فرنسا وعددٍ من الدول الأوروبية، ناقش فيه الوضع في المنطقة.
ودعا المجلس إلى “وقفٍ فوري لإطلاق النار” في لبنان التزاماً بموجب القانون الدولي، كما ندّد برفض “حزب الله” التعاون مع الحكومة اللبنانية لبسط سلطة الدولة.
بيان مشترك عن لبنان
وأعربت أكثر من 20 دولة في الأمم المتحدة عن قلقها إزاء تجدّد الحرب بين إسرائيل و”حزب الله”، قبل اجتماع مجلس الأمن المخصّص للنزاع في الشرق الأوسط.
وجاء في بيانٍ قرأه السفير الفرنسي جيروم بونافون نيابةً عن الدول الموقعة، “نحثّ إسرائيل على الامتناع عن أي هجوم ضد البنى التحتية المدنية والمناطق المكتظة بالسكان، وعلى احترام سيادة لبنان وسلامة أراضيه”.
إلى جانب فرنسا، وقّعت على البيان أرمينيا، النمسا، البحرين، كمبوديا، كرواتيا، قبرص، الدنمارك، إستونيا، فنلندا، ألمانيا، اليونان، الهند، إيرلندا، إيطاليا، مالطا، نيبال، مقدونيا الشمالية، بنما، بولندا، البرتغال، كوريا الجنوبية، إسبانيا وأوروغواي، كما ذكرت وكالة “فرانس برس”.
الوضع الإنساني في لبنان
وأشار وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية توم فليتشر إلى أنّ لبنان “يواجه لحظة خطيرة للغاية تهدد البلاد والمنطقة بأسرها”، وأنّ “الحرب القائمة اليوم على الأراضي اللبنانية هي امتدادٌ للحرب بين إسرائيل وإيران يدفع ثمنها اللبنانيون”، داعياً إلى إطلاق نداء إنساني طارئ لمدة 3 أشهر لدعم الاستجابة في لبنان.
وأضاف فليتشر إلى أنّ هناك نحو 84 ألف سوري وأكثر من 8 آلاف لبناني عبروا إلى سوريا منذ بداية التصعيد.
