شهدت منطقة البقاع شرق لبنان، ليل الجمعة السبت، تصعيداً عسكرياً كبيراً، بعد محاولة إنزال فاشلة نفذتها قوّة من العدو الاسرائيلي بغطاء جوّي، قادمة من الحدود السورية باتجاه السلسلة الشرقية ، وفق ما أعلنت “المقاومة الإسلامية” في لبنان.
اندلعت الحرب الأخيرة في لبنان بعد إطلاق حزب الله فجر الاثنين 2 آذار مارس 6 صليات صاروخية ضد مواقع اسرائيلية، على وقع انهيار اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الهش والملتبس، فكان هذا الاتفاق الذي رعته الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا كدول ضامنة وقبلت به الحكومة اللبنانية شاهدا على عجز الدبلوماسية الدولية أمام فقدان الردع تجاه اسرائيل.
فبالرغم من الآمال التي عُلقت عليه سقط الاتفاق في أتون الخروق الإسرائيلية المتكررة ووسط عجز لافت من الحكومة اللبنانية عن فرض آليات تنفيذه وفشل ذريع لما عُرف بـ”لجنة الميكانيزم” التي لم تستطع كبح جماح التصعيد أو تأمين الضمانات الكافية لاستدامة الهدوء ووقف الاعتداءات وإعادة الناس الى ارضها في الجنوب وبدء مسيرة الاعمار واعادة الاسررى.
في ظل هذا الفشل الدبلوماسي الدولي وانفجار مواجهة إيرانية-أميركية مستعرة في المنطقة، انخرط حزب الله في جولة قتالية جديدة ضد إسرائيل، واضعاً لنفسه أهدافاً استراتيجية تتجاوز الحسابات التقليدية للربح والخسارة البشرية.
فالحزب، في قراءته الراهنة، لا يسعى خلف حصيلة من القتلى والجرحى في الصفوف الإسرائيلية بقدر ما يهدف إلى تكريس “حرب استنزاف” طويلة الأمد تنهك القدرات العسكرية والاقتصادية لاسرائيل وتوقعها في خسائر بنيوية لا يمكن تعويضها سريعا، بحسب أوساط ذات اطلاع واسع على مجريات الامور. عسكرياً، تبدو إسرائيل اليوم مستنزفة بشكل غير مسبوق على طول الجبهة الشمالية، التي تمتد من الساحل المتوسطي غرباً وصولاً إلى مرتفعات جبل الشيخ شرقاً بمسافة تراوح بين 79 و120 كيلومتراً من التوتر الدائم. وضمن هذا المشهد، برز تحول جوهري في “سردية الحزب” السياسية وبحسب معلومات موثوقة حصل عليها موقع “مصدر دبلوماسي”، “لن يعود حزب الله ليقدم نفسه كفصيل معزول بل كجزء عضوي من منظومة وآلية الصراع العربي مع إسرائيل، منصهرا في الواقع العربي المرتبط بالقضية الفلسطينية مع حرصه على عدم تصوير نفسه كـ”رأس حربة” وحيد، بل كقوة إسناد فاعلة ضمن سياق إقليمي أشمل”.
هذا الربط المصيري تجلى بوضوح في التناغم مع الضربات الإيرانية التي استهدفت “تل أبيب الكبرى”، حيث استغل الحزب انشغال المنظومات الدفاعية الإسرائيلية بالعمق ليحكم “كماشة الضغط” من الشمال، محولاً الجبهتين إلى وحدة حال عجز الإسرائيلي عن فك الارتباط بينهما رغم كل المحاولات العسكرية والضغوط السياسية.
دبلوماسياً، دخلت فرنسا على خط الأزمة عبر وساطة قادها الرئيس إيمانويل ماكرون بناءً على تمنٍ من رئيس الجمهورية جوزاف عون. إلا أن العرض الفرنسي، بحسب القراءات السياسية، جاء مائلاً لصالح المطالب الإسرائيلية، متبنياً سياسة “الخطوة بخطوة”. وتضمن المقترح انسحاب الحزب من جنوب الليطاني مقابل انسحاب إسرائيل من النقاط الخمس التي استحدثتها وتجاوزتها بعد حرب عام 2024، بالإضافة إلى تسليم الحزب لمستودعات أسلحته وصولاً إلى مدينة صيدا، مقابل إفراج إسرائيل عن الأسرى ووقف الطلعات الجوية والاغتيالات فوق الأراضي اللبنانية.
هذا المقترح قوبل برفض حازم من حزب الله، الذي اعتبره قاصراً عن ملامسة “السقف السياسي” الذي وضعه لنفسه. فالحزب يرفض أي ترتيبات لا تضمن العودة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل دخوله حرب إسناد غزة، وهو ما يعني “حركة كاملة” في قرى الجنوب، مع وجود شرعي للجيش اللبناني جنوب الليطاني، وترك منطقة شمال الليطاني لاستراتيجية دفاعية وطنية تضعها الدولة اللبنانية.
في جوهر الموقف، يسعى الحزب إلى إجبار كافة الأطراف على العودة إلى تطبيق القرار الدولي 1701 بحذافيره، بعيدا من سياسات “التحايل” التي شابت المرحلة الماضية أي بعد حرب العام 2006، حيث قامت إسرائيل بخرق السيادة اللبنانية برا وبحرا وجوا بشكل مستمر بينما عمل الحزب على تعزيز ترسانته العسكرية في منطقة جنوب الليطاني.
واليوم، يبدو أن الميدان هو الذي سيرسم الخطوط النهائية لهذا الصراع في وقت تصر فيه المقاومة على أن أي حل يجب أن يبدأ من حيث بدأت الأزمة: احترام السيادة اللبنانية الكاملة والعودة إلى قواعد الاشتباك التي سبقت الانفجار الكبير.
لمتابعة التقرير كاملا اشترك في موقع مصدر دبلوماسي
