الرئيس الايراني بزشكيان مستقبلا أمس السفير الايراني الجديد المعين في بيروت محمد رضا شيباني، أثناء مراسم توديع السفير مجتبى أماني
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
يأتي تعيين الدبلوماسي المخضرم محمد رضا رؤوف شيباني سفيراً فوق العادة للجمهورية الإسلامية الإيرانية في بيروت كخطوة استراتيجية تتجاوز السياق البروتوكولي المعتاد، لتعكس رؤية القيادة الإيرانية في التعامل مع واحدة من أدق المراحل السياسية والأمنية التي يمر بها لبنان والمنطقة. ويمثل شيباني المولود في العام 1960 جيلا من الدبلوماسيين الذين صهرتهم تجارب الميدان السياسي المعقد، حيث بدأ مسيرته في السلك الدبلوماسي منذ ثمانينيات القرن الماضي، متدرجا في المناصب بوزارة الخارجية الإيرانية حتى أصبح خبيرا بارزا في شؤون الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية التي كانت محور بحثه الأكاديمي لنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية، وهو ما منحه أساساً معرفياً عميقاً في دراسة الهياكل السياسية الإقليمية والصراع مع الكيان الإسرائيلي.
لقد تشكلت شخصية شيباني الدبلوماسية عبر سلسلة من المهام الحساسة في عواصم محورية، حيث شغل منصب القائم بالأعمال في قبرص، ورئيس مكتب رعاية المصالح في مصر، وصولاً إلى تعيينه سفيراً في بيروت بين عامي 2005 و2009، وهي الفترة التي شهدت حرب تموز 2006 وما تلاها من إعادة صياغة للمعادلات الإقليمية. ولم تقتصر خبرته على لبنان، بل امتدت لتشمل سوريا خلال أصعب سنوات أزمتها بين عامي 2011 و2016، مما جعله حلقة وصل أساسية في إدارة ملفات “محور المقاومة”، حيث برع في المزاوجة بين العمل الدبلوماسي الرسمي والتنسيق الميداني الاستراتيجي، معتمداً على علاقاته الوثيقة مع مختلف القوى الفاعلة في المنطقة، وقدرته العالية على التفاوض في ظل ظروف الحرب والضغط الدولي.
وتكتسب عودة شيباني إلى بيروت أبعاداً تاريخية بالغة الأهمية بالنظر إلى توقيت مهمته الأولى التي بدأت في أعقاب التحولات الكبرى التي عصفت بلبنان والمنطقة فبينما وقع اغتيال الرئيس رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط عام 2005 وما تلاه من انسحاب للقوات السورية، تسلم شيباني مهامه ليدير الدبلوماسية الإيرانية في مرحلة “ما بعد الزلزال السياسي” حيث برز كمهندس للسياسة الإيرانية في التعامل مع التوازنات اللبنانية الجديدة والفرز السياسي الحاد الذي عرف بفريقي 8 و14 آذار، وقد بلغت هذه المهمة ذروتها خلال حرب تموز 2006، حيث قاد شيباني من مقر السفارة في بيروت جهود التنسيق السياسي والدبلوماسي والإغاثي، ولعب دوراً محورياً في دعم صمود الجبهة الداخلية اللبنانية وفي إدارة ملف “إعادة الإعمار” الذي أعقب الحرب، مما مكنه من نسج شبكة علاقات وثيقة مع مختلف المكونات اللبنانية.
كما واكب شيباني من موقعه الدبلوماسي أزمات سياسية معقدة انتهت باتفاق الدوحة في العام 2008، وهو ما صقل مهاراته كدبلوماسي “إطفائي” قادر على اجتراح الحلول في بلد يعيش على خطوط التماس الإقليمية، وهي التجربة التي تجعل من عودته اليوم في ظل طبول الحرب الراهنة استحضاراً لخبرة تراكمية في إدارة الأزمات الوجودية وحماية المكتسبات الاستراتيجية في أصعب الظروف.
وفي خطوة تؤكد الثقل الذي تمثله هذه الشخصية في دوائر القرار بطهران، استقبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان السفير شيباني امس قبيل مغادرته إلى لبنان حيث وجهه بضرورة تعزيز العلاقات الثنائية معتبراً لبنان عمقاً استراتيجياً حيوياً، وأكد بزشكيان خلال اللقاء أن المرحلة الراهنة تتطلب دبلوماسية قادرة على حماية الاستقرار ودعم صمود الشعب اللبناني ومقاومته في وجه التهديدات المتزايدة.
من جهتها أعلنت السفارة الايرانية في لبنان عبر حسابها عبر منصة “أكس” عن استقبال الرئيس الايراني لشيباني في مراسم توديع السفير مجتبى أماني ونقلت عن بزشكيان قوله:” السياسة الحاسمة لإيران في نطوير علاقات متوازنة وهادفة مع الدول الصديقة والمتوافقة، ويجب أن يمتد مستوى العلاقات السياسية ليشمل التعاون الاقتصادي”. وأضاف بزشكيان الى وجود عدم تناسب بين العلاقات السياسية وحجم التعاون الاقتصادي ، وشدد على دور السفارات في تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية، وتسهيل التبادلات التجارية، وتفعيل امكانيات التعاون.
ولفت بزشكيان أيضا الى أن العلاقات بين ايران ولبنان ليست سياسية فقط، بل هي رابط قلبي وثقافي بين الشعبين. والنظام الصهيوني هو التحدي الرئيسي لعدم استقرار لبنان والمنطقة”.
يمثل تعيين شيباني في هذا التوقيت الحرج سياسيا الذي يلوح فيه شبح الحرب الشاملة رسالة إيرانية واضحة مفادها أن طهران وضعت “قائد أزمات” على رأس هرمها الدبلوماسي في بيروت، فهو الرجل الذي خبر إدارة السفارات تحت القصف وفي ظروف الحصار الجيوسياسي.
ويتوقع أن يتجاوز دور شيباني التمثيل التقليدي ليصبح جزءاً فاعلاً في صياغة المعادلات السياسية والأمنية المقبلة مستفيدا من منصبه الأخير كممثل خاص لوزير الخارجية لشؤون غرب آسيا ومبعوث خاص للشؤون السورية، مما يجعله قادراً على إدارة “دبلوماسية قتالية” تجمع بين الثبات على المبادئ الاستراتيجية والمرونة في المناورة السياسية، لضمان حماية مصالح بلاده وحلفائها في مواجهة التحديات الوجودية التي تفرضها التحولات المتسارعة في المنطقة.
