الشيخ عريمط مع النائب السابق ميشال فرعون
مقالات مختارة
“فايننشال تايمز”
كشف تقرير استقصائي لصحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية اليوم عن واحدة من أكثر عمليات الاحتيال السياسي غرابة وجرأة في تاريخ لبنان الحديث، حيث وقع نواب وسياسيون بارزون ضحية “خديعة محكمة” بطلها عامل ميكانيك بسيط انتحل صفة أمير سعودي، ليوجه من خلف سماعة الهاتف قرارات سياسية كبرى، من بينها التأثير على تسمية رئيس الحكومة.
كواليس “الاتصال الملكي” المزعوم
تبدأ القصة، بحسب الصحيفة، من أروقة البرلمان اللبناني العام الماضي، قبيل ساعات من التصويت لتكليف رئيس جديد للحكومة. في ذلك الوقت، تلقى تكتل نيابي اتصالاً من شخص ادعى أنه “أمير من البلاط الملكي السعودي”، محذراً إياهم من التصويت لصالح نجيب ميقاتي، زاعماً أن التعليمات تأتي مباشرة من الرياض.
وعلى الرغم من أن المرشح المنافس حينها لم يكن ليتغير مصيره، إلا أن الصادم في الأمر هو “الفعالية” التي أحدثها الاتصال؛ إذ نقلت الصحيفة عن النائب أحمد الخير أن بعض زملائه غيروا بوصلة أصواتهم بناءً على هذا التوجيه الوهمي، ظناً منهم أنهم يستجيبون لرغبة دولة إقليمية كبرى.
ثنائي غير متوقع
أما المفاجأة الكبرى التي فجرها التحقيق، فهي هوية “الأمير”. فبدلاً من أروقة القصور في الرياض، كان الصوت ينبعث من ورشة لإصلاح السيارات في شمال لبنان. بطل الرواية هو مصطفى الحسيان، الأربعيني الذي يعاني ضائقة مالية، والذي تعاون مع الشيخ خلدون عريمط، وهو شخصية دينية نافذة في الأوساط السنية اللبنانية.
ووفقاً للمحاضر القضائية وشهادات المحامين، كان الشيخ عريمط هو حلقة الوصل، حيث قدم “أبو عمر” (الاسم الحركي للمنتحل) للسياسيين اللبنانيين باعتباره مسؤولاً رفيع المستوى، بينما كان الحسيان يتقمص الشخصية ببراعة عبر الهاتف مستخدماً رقماً بريطانياً ولهجة سعودية متقنة.
استغلال “شهوة النفوذ” والارتهان للخارج
لم تكن العملية مجرد اتصال واحد، بل امتدت لأشهر واستهدفت طيفاً واسعاً من النخبة. ويسرد التقرير قصصاً تقترب من الكوميديا السوداء؛ من مرشح برلماني أهدى ابن الشيخ سيارة طمعاً في رضا “الأمير”، إلى سياسي طلب الوساطة لابنه للفوز بميداليات رياضية في السعودية.
وفي تحليل عميق لهذه الظاهرة، نقلت “فايننشال تايمز” عن سامي عطالله، مدير مركز “مبادرة السياسات”، قوله إن هذه الواقعة “تجسد استسلام النخبة السياسية لقرار القوى الخارجية؛ فهم مستعدون لفعل أي شيء بمجرد سماع اللهجة السعودية، دون حتى محاولة التحقق من صدقية المعلومات“.
من جهته، اعتبر الأكاديمي عماد سلامة أن المخطط استغل هشاشة النظام الطائفي اللبناني، حيث تتسابق الفصائل لاستجداء رعاة خارجيين لترسيخ سلطتهم في الداخل، مؤكداً أن “الضحية الحقيقية لهذه المسرحية هو الشعب اللبناني، الذي يكتشف اليوم أن قادته يمكن التلاعب بهم بهذه السهولة“.
أمام القضاء: ضحية أم جاني؟
يقبع الحسيان وعريمط اليوم خلف القضبان، حيث يواجهان تهماً ثقيلة تشمل الاحتيال، والابتزاز، وانتحال الصفة، وتعكير علاقات لبنان بدولة عربية. وبينما يصر محامو الحسيان على أنه كان “أداة” تم استغلالها مقابل مساعدات عينية وطبية بسيطة، يدافع نجل الشيخ عريمط عن والده مؤكداً أنه وقع هو الآخر ضحية للخداع، وأنه لم يكن يتخيل أن عاملاً بسيطاً يمكنه امتلاك هذه الثقافة السياسية الواسعة والقدرة على تقمص دور “رجل دولة”.
وسألت الصحيفة:” كيف استطاع الحسيان، القادم من وادي خالد النائي – البعيد كل البعد عن الرياض – انتحال شخصية مسؤول رفيع في البلاط الملكي السعودي بشكل مقنع بما يكفي لخداع كبار المسؤولين اللبنانيين، هو لغز آخر. يقول البعض إن لهجة وادي خالد تشبه اللهجة السعودية للأذن غير المدربة. وفي كلتا الحالتين، أصبح الحسيان مرتبطاً جداً في نظر الجمهور بشخصيته البديلة لدرجة أن محاميه – الذين يقرون بأنه أجرى المكالمات لكنهم قالوا إنه تعرض للاستغلال – يطلقون عليه اسم أبو عمر. وفي بيان مصور حديث، قالت عائلة الحسيان إنه تعرض للتلاعب، وقال أحد أقاربه الذي لم يذكر اسمه، وهو محاط برجال جالسين على وسائد منخفضة: “إنه يعيش حياة بسيطة.. ليس لديه علاقات خارج دائرته الضيقة.. إذا كان ما يقال عنه صحيحاً، فقد تم تضليله وهو ضحية”.
تتابع الفايننشال تايمز:”تعرف الحسيان على عريمط عندما كان يجمع مساعدات غذائية من الشيخ، وفقاً لمحامي الرجلين. أصبح الحسيان ضيفاً متكرراً لدى الشيخ، وفي النهاية، بدأ عريمط يطلب منه إجراء مكالمات بصفته “أبو عمر”، كما قال محامو الحسيان، مع تعويضه فقط بـ “مساعدات” تشمل تكاليف علاج طبي. ويُزعم أن الحسيان تعرض للضرب بإيعاز من مرشح سياسي غاضب عندما تم اكتشاف الخدعة، وفقاً لمحاميه. واعترف محامي عريمط “مرهف”، وهو ابنه أيضاً، بأن الشيخ قدم سياسيين لأبو عمر ولكن فقط لأنه كان يعتقد أنه عضو حقيقي في البلاط الملكي السعودي. وقال إن والده ينفي أنه كان وراء عملية الاحتيال أو أنه سعى لتحقيق مكاسب مادية، وقال إن عريمط نفسه قد تم تعريفه بأبو عمر من قبل شيخ آخر. وقال مرهف إن والده اعتقد أن الحسيان لا يمكن أن يكون هو الصوت وراء أبو عمر لأنه “وفقاً لما قاله والدي، فإن (أبو عمر) شخصية مثقفة جداً، ومطلعة جيداً على الشؤون اللبنانية والخليجية، ومن المستحيل أن يكون هو نفس الشخص مصطفى الحسيان – مستحيل”.
وتختم:” فؤاد مخزومي، النائب السني الثري الذي أدلى بشهادته في القضية، تحدث بانتظام مع أبو عمر لعدة أشهر في العام الماضي بعد أن قدمهما عريمط لبعضهما، وفقاً للمستشار السياسي للنائب. كان عريمط يزور مخزومي ويخبره بأن عضو البلاط الملكي السعودي سيتصل قريباً. وقال مستشار مخزومي إن أبو عمر تحدث بلهجة سعودية لا تشوبها شائبة وكانت مواقفه متماشية مع مواقف الحكومة السعودية. وكان من المحير إذن عدد المرات التي طرح فيها قضايا سياسية غامضة من عكار، المنطقة اللبنانية الشمالية. ومزح مخزومي بأن زوجته ربما كانت من هناك. وفي كلتا الحالتين، انطلت الخدعة على مخزومي، وفقاً لمستشاره، الذي قال إن النائب لم يُطلب منه المال أبداً. تحدث مخزومي مع عدة شخصيات بناءً على اقتراح عريمط، بما في ذلك سياسيون طامحون – مما أتاح لهم الوصول إلى مستويات جديدة من السلطة”.