في لحظة انهيار الإعلام يصبح دعم الصحافة المستقلة فعلا سياسيا وأخلاقيًا بامتياز. لا عبر الشعارات ولا عبر المجاملات بل عبر الاعتراف بأن الاستقلالية لا تعني المجانية وأن المهنية لا تعني الصمت عن الاستغلال.
“مصدر دبلوماسي”
“البوصلة”
كتبت مارلين خليفة:
مع انهيار المؤسسات الإعلامية التقليدية في لبنان وتوقّف التمويل وانسحاب الإعلانات، وجد عشرات الصحافيين المستقلين أنفسهم في مواجهة سؤال وجودي: كيف نواصل العمل من دون أن نفقد مهنيتنا، ومن دون أن نتحوّل إلى متسوّلين للفرص أو أسرى “العلاقات”؟
في هذا الفراغ، نشأت منصّات مستقلة حاولت الحفاظ على الحدّ الأدنى من المعايير المهنية: تحرير، تدقيق، سياق، ومسؤولية. لكن ما لم يُناقش بما يكفي هو الوجه الآخر لهذه المرحلة: استغلال الصحافة المستقلة باسم “التعاون” و”الدبلوماسية العامة” و”بناء الصورة”.
كثير من الجهات ولا سيما الدبلوماسية منها وعلى اعلى المستويات باتت تتعامل مع الصحافي المستقل بوصفه مساحة مجانية لنشر المواد لا بوصفه شريكا مهنيا. ترسل الأخبار والبيانات والمواد “للاطلاع”، ثم يُترك للصحافي عبء التحرير والنشر والمتابعة، على أمل غامض بأن “الأمور ستُحلّ لاحقًا”. لاحقًا هذا قد يمتدّ أشهرًا وسنوات من دون أي التزام واضح، أو اتفاق مكتوب أو حتى اعتراف صريح بأن العمل الصحافي ليس تطوّعًا.
الأخطر في هذه العلاقة غير المتكافئة هو اللغة المستخدمة لتجميلها. مصطلحات مثل “الدبلوماسية العامة” و”التواصل الثقافي” و”بناء الجسور” تُستعمل أحيانًا كغطاء أنيق لنقل عبء التمويل كاملًا إلى الصحافي، وكأن إنتاج المحتوى والتحرير والخبرة والتراكم المهني كلها تفاصيل ثانوية لا تستحق المقابل.
المفارقة الصارخة أن هذه الجهات نفسها لا تتعامل بالطريقة ذاتها مع المؤسسات الإعلامية الكبرى. هناك عقود، واتفاقات، وموازنات واضحة. أمّا المنصّات المستقلة، فيُفترض بها أن “تتفهّم الظروف”، وأن تعمل بحسن نية، وأن تخجل من طرح مسألة المقابل المادي، وكأن المطالبة بالحد الأدنى من الاستمرارية المالية عيب أخلاقي.
هذا الخجل المفروض على الصحافي المستقل هو أحد أخطر نتائج الانهيار. يُدفع الصحافي إلى القبول بما لا يقبله لو كان يعمل ضمن مؤسسة كبيرة، خوفًا من خسارة الوصول، أو العلاقة، أو الفرصة. ومع الوقت، تتحوّل المهنة إلى مساحة استنزاف صامت، لا يراها الجمهور، ولا تعترف بها الجهات المستفيدة.
الصحافة المستقلة ليست هواية، وليست نشاطًا جانبيًا، وليست “منصة شخصية”. هي عمل مهني متكامل يتطلّب وقتًا وخبرة ومساءلة. والمنصّات التي تصرّ على إطار واضح للتعاون، وعلى اتفاق صريح، لا تفعل ذلك طمعًا، بل دفاعًا عن حقها في الاستمرار وعن كرامة المهنة نفسها.
في لحظة انهيار الإعلام يصبح دعم الصحافة المستقلة فعلا سياسيا وأخلاقيًا بامتياز. لا عبر الشعارات ولا عبر المجاملات بل عبر الاعتراف بأن الاستقلالية لا تعني المجانية وأن المهنية لا تعني الصمت عن الاستغلال.
ربما آن الأوان لإعادة تعريف “التعاون” لا بوصفه اختبارًا لمدى صبر الصحافي، بل معيارًا لاحترامه.
