الرئيس عون مستقبلا أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 18 كانون الثاني 2025
“مصدر دبلوماسي“
كتبت مارلين خليفة
بعد مرور سنة كاملة على تولّي العماد جوزاف عون رئاسة الجمهورية، لم يعد ممكناً مقاربة العهد من زاوية النيات أو الخطابات بل من زاوية الأداء العملي في ظلّ واحدة من أعقد البيئات السياسية والأمنية والاقتصادية التي عرفها لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية. سنة أولى تداخلت فيها الملفات الداخلية بالضغوط الإقليمية وتقاطعت فيها محاولات تثبيت الدولة مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي جنوباً، وتعقيدات ملف السلاح، والانتظار الدولي لإصلاحات بنيوية طال أمدها.
بعد عام على انتخابه، يمكن القول إن الرئيس جوزاف عون نجح في تثبيت حدّ أدنى من الدولة، وإعادة تشغيل مؤسساتها، وترميم جزء من الثقة الداخلية والخارجية من دون أن يدّعي إنجاز حلول نهائية.
هي سنة أولى كرّست أسلوب حكم قائما على التوازن والحذر وفتحت مسارا طويلا سيقاس نجاحه بقدرة العهد على تحويل الاستقرار إلى إصلاح والتوازن إلى سيادة مكتملة في بلد لا يزال يعيش على خط الزلازل الإقليمية.
خطاب القسم… التزام ثابت ومسار مفتوح
شكّل خطاب القسم الذي ألقاه الرئيس جوزاف عون عند انتخابه مرجعية سياسية وأخلاقية للعهد، في لحظة كان فيها الشكّ سيد الموقف لدى اللبنانيين نتيجة تجارب سابقة خيّبت الآمال. وبعد عام، تظهر مراجعة بنود الخطاب أن قسما أساسيا منه دخل حيّز التطبيق ولو ضمن إيقاع مدروس يراعي التوازنات الداخلية وحساسية المرحلة.
برز الالتزام بخطاب القسم في تعزيز دور المؤسسات وإعادة الاعتبار للقضاء ورفع الغطاء عن المرتكبين، وفي الإصرار على ربط أي دعم خارجي بمسار إصلاحي وسيادي. في المقابل، لا تزال عناوين كبرى – كالمعالجة الجذرية للأزمة المالية – في طور المتابعة ما يؤكد أن الخطاب لم يكن إعلاناً منجزا بل برنامج عمل طويل الامد.
شبكة أمان داخلية… منع الانفجار وإدارة الانقسام
اعتمد الرئيس عون منذ بداية ولايته سياسة تقوم على بناء شبكة أمان داخلية عبر التواصل مع مختلف القوى السياسية والطائفية وتجنّب الانخراط في محاور حادّة. هذه المقاربة لم تهدف إلى إنتاج تسويات تقليدية بل إلى منع انتقال الانقسام السياسي إلى صدام أهلي، في مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب.
وقد ساهم هذا النهج في الحفاظ على حدّ أدنى من الثقة المتبادلة بين المكوّنات، وفي تمرير محطات حساسة من دون انهيارات داخلية، رغم استمرار التباينات العميقة، خصوصاً في ملف السلاح والعلاقة مع الخارج.
التعيينات والتشكيلات… إعادة تشغيل مؤسسات الدولة
شكّلت التعيينات الإدارية والعسكرية والقضائية إحدى الأدوات الأساسية لإعادة انتظام الدولة. فعملت الرئاسة، بالتنسيق مع الحكومة على ملء شواغر أساسية وتفعيل الهيئات الناظمة، وتعزيز المواقع القضائية والأمنية الحساسة.
ورغم الانتقادات التي رافقت بعض هذه التعيينات فإن المسار العام عكس توجهاً واضحاً لكسر الجمود، ووضع الإدارات على سكة العمل، وإرسال رسالة داخلية وخارجية بأن الدولة استعادت قدرتها على اتخاذ القرار.
حصرية السلاح… تثبيت المسار وتوسيع نطاق التنفيذ
في سياق تقييم السنة الأولى من العهد، يبرز ملف حصر السلاح كأحد العناوين التي انتقلت من مستوى التعهّد السياسي إلى مستوى المتابعة التنفيذية المنتظمة، ضمن إطار مؤسساتي ثابت يهدف إلى نقل الملف من التعهّد السياسي إلى المتابعة التنفيذية المنتظمة. فقد كرّست الحكومة، بدعم مباشر من رئاسة الجمهورية، آلية واضحة لمواكبة هذا الملف، تقوم على تقارير دورية تقدّمها قيادة الجيش، وتُناقش على مستوى مجلس الوزراء.
وتُظهر المعطيات المتراكمة خلال العام المنصرم أن خطة حصر السلاح، المنفّذة إنفاذاً لقرار مجلس الوزراء رقم 1 الصادر في 5 آب 2025، حققت مراحل متقدّمة، ولا سيما في منطقة جنوب نهر الليطاني، حيث ثبّت الجيش اللبناني سيطرته العملانية، في موازاة جهود متواصلة في منطقة شمال الليطاني شملت احتواء السلاح، وضبط الحدود، ومكافحة التهريب والمخدرات، ومحاربة الإرهاب.
وفي ما يتصل بالمرحلة التالية من الخطة، تعمل قيادة الجيش على إعداد تقييم شامل للوضع شمال الليطاني، تمهيداً لوضع خطة مخصّصة لهذه المنطقة، بما يعكس اعتماد مقاربة مرحلية ومتدرجة، تراعي الواقع الميداني، وتخضع لآلية متابعة شهرية على المستوى الحكومي، بما يثبّت القرار التنفيذي في هذا الملف ضمن مسار الدولة، لا الظرف السياسي.
الاستحقاقات الانتخابية… تثبيت الديموقراطية رغم الأزمات
أصرّ العهد على إجراء الانتخابات البلدية وعلى التأكيد المتكرر بأن الاستحقاق النيابي سيجرى في موعده في موقف عكس تمسكاً بانتظام الحياة الديموقراطية وعدم استخدام الأزمات ذريعة لتعليق الاستحقاقات الدستورية.
هذا الإصرار شكّل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج بأن الدولة، رغم هشاشتها، لا تزال قادرة على احترام قواعد النظام الديموقراطي.
انتظام اقتصادي هشّ بانتظار القرار السياسي
اقتصادياً، نجحت الحكومة بدعم من رئاسة الجمهورية في تحقيق حدّ أدنى من الاستقرار النقدي والمالي، ووقف الانهيار المتسارع. غير أن الحلّ الشامل لا يزال رهينة قرار سياسي نيابي حاسم في ملف الفجوة المالية، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وفي هذا الإطار، برز صندوق إعادة إعمار الجنوب كنموذج جديد لربط الدعم الدولي بالإصلاح والسيادة، ما أعاد بعض الثقة الخارجية، من دون أن يعني الخروج النهائي من الأزمة.
الأمن ومكافحة الجريمة… كسر الحصانات
سجّلت السنة الأولى تصعيداً لافتاً في أداء الجيش والقوى الأمنية مع تفكيك عصابات، وتحطيم بؤر أمنية، وملاحقة كبار تجار المخدرات وتوقيف أشخاص كانوا محصّنين سياسيا أو طائفياً
الأهم في هذا المسار كان الغطاء السياسي الواضح ورفض أي تدخل أو حماية ما أعاد جزءاً من ثقة اللبنانيين بالدولة وأثبت أن ما ورد في خطاب القسم لم يبق حبرا على ورق.
العلاقات العربية والدولية… عودة مشروطة بالسيادة
شهدت السنة الأولى من عهد الرئيس جوزاف عون عودة تدريجية ومنظّمة للتواصل مع العواصم العربية والدولية، عبر سلسلة زيارات ولقاءات هدفت إلى إعادة تثبيت موقع لبنان على الخارطة الدبلوماسية، وربط أي انفتاح خارجي بمساري الإصلاح والسيادة. وقد شكّلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في مطلع عام 2025 محطة مفصلية في هذا الإطار، حيث أعادت تأكيد الدعم السياسي والاقتصادي والأمني للبنان، ضمن مقاربة واضحة تقوم على التزامات متبادلة.
وإلى جانب البعد الأوروبي، برز الانفتاح العربي كعنوان أساسي في سياسة العهد الخارجية، مع إعادة تفعيل قنوات التواصل مع عدد من الدول العربية، تُوّج بخطوات عملية أبرزها رفع الحظر عن دخول المنتجات اللبنانية إلى أراضي المملكة العربية السعودية، في إشارة سياسية–اقتصادية ذات دلالات مباشرة على مستوى الثقة والمسار المستقبلي للعلاقات الثنائية.
كما شكّلت زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى لبنان في نهاية السنة المنصرمة محطة رمزية وسياسية مضيئة، أعادت تسليط الضوء الدولي على موقع لبنان ودوره، في مرحلة إقليمية دقيقة.
وترافقت هذه الحركة الدبلوماسية مع رفع حظر سفر بعض الدول إلى لبنان، وانتعاش الموسم السياحي، إضافة إلى مشاركة لبنانية فاعلة في المحافل الدولية، ولا سيما في الجمعية العامة للأمم المتحدة، ما عكس عودة مشروطة، لكنها متقدمة، للبنان إلى دائرة الاهتمام العربي والدولي.
العلاقة مع سوريا… لقاءات مباشرة وإدارة الملفات العالقة
شهدت العلاقة اللبنانية ـ السورية خلال السنة الأولى من عهد الرئيس جوزاف عون تحوّلاً تدريجياً من القطيعة السياسية إلى مقاربة تقوم على إدارة الملفات الخلافية عبر القنوات الرسمية. وقد تُرجم هذا المسار بلقاءات مباشرة عقدها الرئيس عون مع الرئيس السوري أحمد الشرع على هامش قمم عربية، ما شكّل كسرَ جليدٍ محسوباً وأرسى إطاراً سياسياً للتعامل بين الدولتين على قاعدة المصالح المشتركة واحترام السيادة.
وأفضت هذه اللقاءات إلى الإيعاز بتشكيل لجان مشتركة لمعالجة ملفات محددة، في مقدّمها ضبط الحدود، ومنع التفلت الأمني والاحتكاكات، إضافة إلى ملف الموقوفين، بما ساهم في تخفيف التوتر الحدودي وتحسين مستوى التنسيق الأمني. هذا التطور عكس انتقال العلاقة من منطق الإهمال أو التصادم غير المباشر إلى منطق الدولة ـ الدولة، مع فصل المسارات التقنية عن التجاذبات السياسية الأوسع.
في المقابل، لا تزال ملفات أساسية عالقة، أبرزها الترسيم النهائي للحدود، وتنظيم المعابر غير الشرعية بشكل مستدام، والتعامل مع تداعيات النزوح والملفات القضائية والإنسانية المتراكمة. وهي ملفات يتعامل معها العهد بحذر، في مسار تراكمي يوازن بين ضرورات الاستقرار الداخلي وحساسية العلاقة مع دمشق، من دون القفز فوق الوقائع أو تحميل هذا المسار أكثر مما يحتمل في سنته الأولى.
