الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو مقيدا بعد اعتقاله أمس السبت في 3 يناير من قبل قوات النخبة الاميركية
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
يشكّل اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته على يد قوات النخبة الاميركية [دلتا] أمس السبت خرقا صارخا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة ويفتتح مرحلة جديدة في تصعيد القوة المباشرة على حساب سيادة الدول، ويعكس انتقال السياسة الدولية من التوازن القانوني إلى منطق فرض الوقائع بالقوة. وترتبط هذه الخطوة بالمحور الاستراتيجي الذي يربط فنزويلا وإيران حيث يشترك البلدان في مواجهة النفوذ الأميركي، ويتعاونان اقتصادياً وسياسياً وخصوصاً في قطاع الطاقة والتقنيات المرتبطة بالنفط.
وبالرغم من عدم وجود دليل علني على دعم مادورو المباشر للحرس الثوري الإيراني، فإن التنسيق بين البلدين يعكس تحالفاً سياسياً واستراتيجياً ضد الضغوط الغربية. وفي ظل هذه الديناميكيات، تظل إمكانية غزو أميركا لإيران محدودة للغاية عملياً بسبب القدرات الدفاعية الإيرانية المتقدمة وتداعياته الجيوسياسية والاقتصادية الهائلة بالاضافة إلى الطابع غير القانوني لأي عملية عسكرية من دون تفويض دولي، ما يجعل المواجهة العسكرية المباشرة خياراً محفوفاً بالمخاطر ويعزز أهمية استخدام النفوذ والضغط السياسي والاقتصادي كوسائل استراتيجية للسيطرة على الموارد الحيوية في المنطقة.
تعد خطوة الرئيس الاميركي دونالد ترامب في اتجاه فنزويلا امس غير مسبوقة والاخطر منذ نهاية الحرب الباردة، وتشكل تحولا نوعياً في قواعد الاشتباك السياسي بين القوى الكبرى إذ لا تقتصر تداعياتها على الداخل الفنزويلي بل تمتد إلى جوهر النظام الدولي نفسه.
فالعملية، مقرونة بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن أن واشنطن «ستقود فنزويلا» وأن نفطها سيكون «بين يديها»، عكست انتقال الولايات المتحدة من سياسة الضغط والعقوبات إلى فرض الوقائع بالقوة المباشرة في واحدة من أكثر مناطق العالم غنى بالطاقة.
جيوستراتيجياً، تضع هذه الخطوة أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم ضمن دائرة النفوذ الأميركي المباشر، بما يمنح واشنطن قدرة غير مسبوقة على التأثير في أسواق الطاقة العالمية، ويشكّل ضربة لمصالح قوى كبرى مثل روسيا والصين. أما على مستوى النظام الدولي، فهي تفتح الباب أمام مرحلة جديدة تُهمَّش فيها سيادة الدول لمصلحة منطق القوة وتطرح فيها تساؤلات عميقة حول مستقبل القانون الدولي وتوازنات الردع في عالم يتجه على نحو متسارع نحو الفوضى القطبية.
أميركا تسيطر الآن على نصف احتياطات النفط العالمية
يحذّر الملياردير الروسي أوليغ ديريباسكا من أنه إذا تمكنت الولايات المتحدة من إحكام سيطرتها على حقول النفط في فنزويلا، بعد أن كانت قد تحركت بالفعل في غويانا، فقد تجد نفسها مشرفة على أكثر من نصف احتياطيات النفط العالمية.
وبرأيه، ستكون واشنطن عندئذ قادرة على إبقاء أسعار النفط قرب 50 دولاراً للبرميل ما يفرض ضغطاً جدياً على النموذج الاقتصادي الرأسمالي-الدولتي لروسيا.
غويانا التي ذكرها الملياردير الروسي تقع في شمال-شرق أميركا الجنوبية على ساحل الأطلسي وقد تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى نقطة ارتكاز جديدة للنفوذ الأميركي بعد اكتشاف احتياطيات نفطية ضخمة تقود شركات أميركية استثمارها، بالتوازي مع تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع واشنطن.
هذا الحضور هو ما دفع الملياردير الروسي أوليغ ديريباسكا إلى التحذير من أن انتقال الولايات المتحدة من غويانا إلى فنزويلا سيمنحها عملياً نفوذاً غير مسبوق على أكثر من نصف الاحتياطيات النفطية العالمية. وفي هذا السياق، يقرأ مراقبون ما جرى أمس في فنزويلا، وما وُصف باختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته، كحلقة إضافية في مسار ضغط أميركي متدرّج لا يقتصر على السياسة بل يستهدف في جوهره إعادة رسم خريطة السيطرة على النفط في أميركا اللاتينية بما يسمح لواشنطن بالتأثير المباشر على الأسعار العالمية واستخدامها كورقة استراتيجية في مواجهة خصومها وفي مقدّمهم روسيا.
ثروات فنزويلا
تحدّ فنزويلا غويانا من الجهة الغربية عبر إقليم إيسيكويبو الغني بالموارد الطبيعية، وهو موضع نزاع تاريخي بين البلدين ويشكّل أكثر من ثلثي مساحة غويانا. هذه الحدود لا تعني مجرد تماس جغرافي، بل تحمل دلالات استراتيجية عميقة، إذ تضع أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم (فنزويلا) بمحاذاة أحدث وأسرع مناطق الإنتاج النفطي نمواً (غويانا). ومن هنا، يرى مراقبون أن تعزيز النفوذ الأميركي في غويانا لا ينفصل عن الضغط على فنزويلا لأن التحكم بسلسلة نفطية متصلة جغرافياً على هذا المحور يمنح واشنطن قدرة استثنائية على التأثير في معادلات الطاقة الإقليمية والعالمية ويحوّل النزاع الحدودي نفسه إلى ورقة ضغط سياسية واقتصادية تتجاوز الطرفين لتطال توازنات دولية أوسع.
تُعدّ فنزويلا من أغنى دول العالم من حيث الموارد الطبيعية وهي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مُثبت عالمياً، متقدمةً على السعودية وكندا، إذ تتركز معظم هذه الاحتياطيات في حزام أورينوكو النفطي. لكن ثروة فنزويلا لا تقتصر على النفط فقط؛ فهي غنية أيضاً بـالغاز الطبيعي، والذهب، والحديد، والبوكسيت، إضافة إلى معادن استراتيجية أخرى مثل الكولتان المستخدم في الصناعات التكنولوجية. كما تمتلك البلاد موارد مائية هائلة، أبرزها نهر أورينوكو الذي يوفّر طاقة كهرومائية كبيرة، فضلاً عن مساحات زراعية واسعة وغابات استوائية كثيفة. هذا التنوع في الثروات يجعل فنزويلا دولة ذات أهمية استراتيجية تتجاوز سوق الطاقة، ويضعها في قلب التنافس الجيوسياسي الدولي.
