سفير المملكة العربية السعودية في لبنان الدكتور وليد البخاري
“البوصلة”
كتبت مارلين خليفة:
ما كُشف أخيرًا في الكواليس السياسية اللبنانية في ما عُرف بفضيحة “الأمير الوهمي” أو “أبو عمر”، ليس تفصيلا هامشيا ولا حادثة احتيال معزولة بل عارض فاضح لمرض أعمق يضرب الطبقة السياسية اللبنانية منذ سنواتوهو العجز عن فهم معنى الدولة وكيف تدار مؤسسات الدول الحقة.
أن يُستخدم اسم دولة كبرى ذات نظام مؤسساتي صارم كالمملكة العربية السعودية لترويج نفوذ وهمي ووعود سياسية مختلَقة خارج عن أية قناة رسمية أو إطار دبلوماسي معتمد فهذا لا يشي بوجود محتال فحسب بل يكشف استعدادًا مذهلًا لدى سياسيين لبنانيين لتصديق الوهم طالما أنه يوحي بغطاء خارجي. الأخطر أن هؤلاء لم يتعاملوا مع روايات هامشية، بل بنوا عليها مواقف وتقديرات وخيارات سياسية.
المملكة العربية السعودية لم تكن يوما دولة تُدار عبر “أمراء ظلّ” ولا عبر أصوات مجهولة، ولا عبر قنوات خلفية. هي دولة مؤسسات، بمرجعيات واضحة، ومسؤوليات محدّدة، وتمثيل دبلوماسي لا لبس فيه. من لا يفهم ذلك لا يسيء إلى السعودية، بل يفضح جهله بقواعد العلاقات بين الدول.
المفارقة الصادمة أن من سقطوا في هذا الفخ ليسوا مبتدئين في السياسة بل شخصيات تولّت مسؤوليات عامة وشاركت في الحكم وادّعت فهم توازنات الإقليم.
من هنا، لا بد من القول بوضوح هذه الفضيحة لبنانية بامتيازالسعودية لم تكن طرفًا فيها، ولا معنيّة بها، ولا متأثرة بتداعياتها. ما انكشف هو استخفاف بعض السياسيين اللبنانيين بالقنوات الرسمية وقفزهم المتعمّد فوق أبسط قواعد العمل الدبلوماسي وتورّطهم في مسارات موازية لا تستند إلى أية شرعية.
في هذا السياق يبرز اسم السفير السعودي في لبنان وليد البخاري، فالرجل دبلوماسي راقٍ ورصين، يمثّل دولة تعرف تماما ماذا تريد وكيف تعبّر عن مواقفها. وخبرته الممتدة في لبنان، التي قاربت عقدًا من الزمن جعلته شاهدًا مباشرًا على تركيبة الطبقة السياسية اللبنانية وعلى تكرار أنماطها، وعلى ميل بعضها إلى الالتفاف على الأصول بدل الالتزام بها.
ومن موقع هذا الاختبار الطويل، لا بد أن يكون اكتشاف هذا المستوى من العبث قد شكّل لحظة كاشفة: ليس عن طبيعة العلاقات بين الدول، بل عن هشاشة النخب التي تحيط به، وعن مدى استعدادها لتصديق أي رواية، مهما بلغت سذاجتها طالما أنها توحي بدعم خارجي متخيَّل.
قد يشعر السفير وليد البخاري بمزيج من الدهشة والاستغراب وهو يراقب كيف أن بعض السياسيين اللبنانيين ينساقون وراء وعود وهمية، متجاوزين القنوات الرسمية التي يعرف قيمتها. لحظة الاكتشاف هذه بالرغم من صدمتها تؤكد له مرة أخرى قوة الدولة المؤسسية مقابل هشاشة بعض النخب وتجعل من الصمت الدبلوماسي أبلغ رد.
تكشف هذه القضية حقيقة ينبغي التوقف عندها بجدّية: لبنان لا يعاني من أزمة نظام فحسب بل من أزمة نخب.
طبقة سياسية ما زالت تفكّر بعقلية الوصاية وتتعامل مع الخارج كرافعة داخلية بدل بناء شرعية مؤسساتية نابعة من الدولة نفسها. وهذه الطبقة، بعد كل ما انكشف لم تعد بحاجة إلى نقد إضافي بقدر ما تحتاج إلى استبدال.
البديل المطلوب ليس أسماء جديدة فحسب، بل عقليات جديد، شخصيات تفهم معنى الدولة، وتحترم القنوات الدبلوماسية وتدرك أن العلاقات الدولية لا تدار بالوهم ولا بالسمسرة بل بالوضوح والمؤسسات.
في هذه القصة، كان الوهم صاخبًا، والعبث مكشوفًا لكن الدولة التي تُدار بعقل مؤسساتي بقيت حيث يجب أن تكون. أما الفضيحة، فستبقى شاهدًا إضافيًا على أن الأزمة في لبنان ليست في الخارج بل في الداخل وفي طبقة سياسية آن أوان استبدالها بعقل دولة لا بعقل وساطة.
