تمثّل زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى سلطنة عُمان واحدة من أبرز المحطات الدبلوماسية اللبنانية في العام 2025 ليس بسبب مستوى الاستقبال الرسمي الذي عُقد على أعلى درجات البروتوكول فحسب بل بسبب التوقيت السياسي الحرج الذي جاءت فيه والدور المتزايد الذي تؤديه السلطنة في ملفات إقليمية تبدّلت توازناتها على وقع الحروب والوساطات والتفاهمات الجديدة في المنطقة.
“مصدر دبلوماسي”
كتبت مارلين خليفة:
تمثّل زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى سلطنة عُمان واحدة من أبرز المحطات الدبلوماسية اللبنانية في العام 2025 ليس بسبب مستوى الاستقبال الرسمي الذي عُقد على أعلى درجات البروتوكول فحسب بل بسبب التوقيت السياسي الحرج الذي جاءت فيه والدور المتزايد الذي تؤديه السلطنة في ملفات إقليمية تبدّلت توازناتها على وقع الحروب والوساطات والتفاهمات الجديدة في المنطقة.
ففي لحظة تتشابك فيها الملفات من الجنوب اللبناني إلى غزة مروراً بالعراق واليمن وإيران، اختار لبنان التوجّه إلى مسقط الوجهة الأكثر قدرة اليوم على إدارة الحوارات الصعبة وبناء الجسور بين المتخاصمين.
تكمن أهمية الزيارة أولاً في أنّها جاءت في ظل تصاعد الاعتداءات الإسرائيلية وغياب أي التزام من تل أبيب بتطبيق القرار 1701، مقابل تقدّم التزامات الجيش اللبناني في الخطة الميدانية التي ستنتهي مرحلتها الأولى في 31 كانون الاول أو الأيام الأولى من العام 2026، تمهيداً للانتقال إلى المرحلة الثانية شمال الليطاني ونهر الاولي. الرئيس عون حرص خلال القمة الثنائية وخلوة قصر العلم على وضع جلالة السلطان هيثم بن طارق في تفاصيل المشهد الميداني، بما يشمل استمرار إسرائيل في إبقاء أحزمة نارية وآخرها في جباع وإعاقة عودة الأهالي إلى أكثر من 30 قرية وبلدة مدمّرة، وعدم الانسحاب من ثمانية مواقع محتلة داخل لبنان بالاضافة إلى تجميد ملف الأسرى اللبنانيين. كما أطلع الرئيس عون نظيره العماني على سياق المفاوضات المباشرة الجارية ضمن لجنة “الميكانيزم” مع الجانب الإسرائيلي بالرغم غياب الضمانات وعلى الإصلاحات الاقتصادية والمالية والإدارية التي تزمع الحكومة بتنفيذها.
هذا التشخيص الدقيق هو الذي ترجم في البيان المشترك الذي أعرب عن القلق العميق إزاء استمرار الاعتداءات الإسرائيلية واعتبرها انتهاكا صارخا للشرعية الدولية والقرار 1701، وطالب بوقفها الفوري والانسحاب من كل الأراضي اللبنانية والعربية المحتلة مع دعم جهود منع التصعيد، وإعادة الإعمار وتسهيل عودة النازحين. وهي لهجة غير مسبوقة في البيانات اللبنانية–العُمانية طوال العقدين الماضيين، ما يعكس اتجاها استراتيجيا لدى السلطنة للتحوّل إلى ظهير عربي داعم للبنان في المحافل الدولية مستفيدة من ثقلها الدبلوماسي الذي أثبت فعاليته في ملفات حسّاسة.
الدور الإقليمي لعمان هو أحد أعمدة هذه الزيارة. فالسلطنة التي راكمت خبرة في صياغة التفاهمات السرّية والعلنية منذ التسعينيات، لعبت أدوارا محورية في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة في مراحل متعددة، أبرزها تحضير الأرضية لمفاوضات الاتفاق النووي، كما أدارت قنوات اتصال مع أطراف الأزمة اليمنية وصولاً إلى التهدئة الجارية اليوم.
وفي العام 2023 تولّت مسقط جهودا خفيّة أساسية في التفاهمات بين الرياض وطهران التي مهدت لاتفاق بكين. وعلى صعيد لبنان تحديداً، كانت السلطنة إحدى الدول العربية القليلة التي أبقت قنواتها مفتوحة مع كل الأطراف اللبنانية خلال سنوات الانقسام، كما أدّت في مراحل متفرقة دوراً في تخفيف الاحتقان بين بيروت وبعض العواصم الخليجية، وساهمت في دعم الجيش اللبناني من خلال برامج تعاون أمني وعسكري، وفي مرحلة الفراغ الرئاسي عام 2015 كانت من الدول التي دفعت باتجاه تسهيل انتخاب رئيس للجمهورية عبر التواصل الموازي مع القوى الإقليمية.
بهذه الخلفية، اكتسب اللقاء بين الرئيس عون والسلطان هيثم بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية إلى محاولة فتح باب دعم عربي دولي أوسع للبنان وخصوصاً وأن السلطنة تتعامل مع الملفات الإقليمية من موقع الهادئ القادر على إدارة الوساطات بلا ضجيج ولا اصطفافات ولهذا يُتوقّع أن تلعب دوراً في تسويق المطالب اللبنانية حول وقف الاعتداءات وتثبيت الاستقرار جنوباً بالتوازي مع إطلاق مسار استثماري جديد بين البلدين.
اقتصادياً، مثّلت الزيارة فرصة لإعادة تحريك ملف التبادل التجاري الذي ظلّ محدوداً خلال السنوات الأخيرة بالرغم من الإمكانات الكبرى.
فقد فتح الرئيس عون الباب لتوسيع نطاق الاستثمارات اللبنانية في السوق العُمانية، مستنداً إلى ميزتين تشكّلان جاذبية كبرى: حجم السوق الاستهلاكي العماني وموقع السلطنة كمركز لوجستي وتصديري يتيح للصناعات اللبنانية النفاذ إلى أسواق الخليج عبر ممرات آمنة وسريعة.
ومع ما توفّره السلطنة من إعفاءات جمركية وتسهيلات ضريبية وأسعار تفضيلية في المدن الصناعية، تبدو إمكانات التصدير اللبناني من الصناعات الغذائية إلى الأدوية والآلات الخفيفة قابلة للزيادة في المدى القريب.
وقد شكّلت المحادثات الموسعة بين الوزارات اللبنانية والعُمانية من الزراعة والصحة إلى العمل وسواها خطوة عملية باتجاه تعزيز هذا المسار وخصوصاً مع توجيه القائدين للإعداد المبكر للدورة الأولى من اللجنة المشتركة في مسقط وتوقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم جديدة.
البعد الرمزي للزيارة كان بدوره لافتاً. فمستوى الاستقبال الذي قُدّم للرئيس عون، من الموكب المشترك مع جلالة السلطان إلى مراسم قصر العلم والمدفعية والموسيقى الراكبة، عكس رغبة عُمانية في إظهار قيمة لبنان وحرص مسقط على تموضعه في دائرة اهتمامها. أما لقاءات الصباح التي جمعت رئيس الجمهورية بالسلطان هيثم بن طارق، والخلوة التي استمرّت قرابة الساعة قبل الجلسة الموسعة، فشكّلت مؤشراً إلى أنّ الملفات المطروحة لم تكن بروتوكولية فحسب، بل جوهرية وتطلبت بحثاً معمّقاً بعيداً عن الأضواء.
في المحصلة، لا تبدو زيارة الرئيس عون إلى سلطنة عُمان زيارة اعتيادية أو بروتوكولية، بل محطة سياسية واقتصادية تتقاطع فيها مصالح لبنان في الأمن والاستقرار والدعم الدولي، مع دور عُماني آخذ في التوسع كإحدى أكثر الدول العربية قدرة على بناء التفاهمات وتحصين مسارات خفض التصعيد في الإقليم. ومع انطلاق التحضير للجنة المشتركة وفتح الأبواب أمام الاستثمار والتصدير، يبدو أن نتائج الزيارة ستتجاوز بيانات التضامن لتتحول إلى مسار تعاون فعلي ينعكس على لبنان في مرحلة يحتاج فيها إلى كل نافذة دعم وإسناد.
